الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«إذا وَطِئَ أحدُكُم بِنَعْلِهِ الأَذَى، فإنَّ التُّرابَ له طَهُورٌ».


رواه أبو داود برقم: (385) واللفظ له، وابن خزيمة برقم: (292)، وابن حبان برقم: (1403)، والحاكم برقم: (590)، وفي لفظ لأبي داود برقم: (386): «إذا وطِئَ الأَذَى بِخُفَّيْهِ، فطَهُورُهُما التُّرابُ»، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وعنه رواه ابن ماجه برقم: (532) بلفظ: «قيل: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا نُرِيدُ المسجدَ، فنَطَأُ الطريق النَّجِسةَ، فقال رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «الأرضُ يُطهِّرُ بعضُها بعضًا».
ورواه أبو داود برقم: (387)، والطبراني في الأوسط برقم: (2759)، وأبو يعلى برقم: (4869)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-، ولفظ أبي يعلى: «سألتُ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عنِ الرَّجلِ يَطأُ بِنعلَيهِ في الأَذَى، قال: «التُّرَابُ لهما طَهُورٌ».
صحيح الجامع برقم: (833) ورقم: (834)، صحيح أبي داود برقم: (411) ورقم: (412). 


غريب الحديث


«وَطِئَ»:
وطِئَ الشيءَ يطَؤُهُ وطْأً: داسَه. لسان العرب، لابن منظور (1/ 195).

«بِنَعْلِهِ»:
وهي التي تُلْبَس في المشي، تُسَمَّى الآنَ: تاسُومة. النهاية، لابن الأثير (5/ 83).

«بِخُفَّيْهِ»:
الخُفُّ: ما يلبسه الإنسان، وتَخَفَّفْتُ بالخُفِّ، أي: لبسته. العين، للخليل (4/ 143-144).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الخُفُّ: نعلٌ من أَدَمٍ (جلد) يُغطِي الكعبين. نيل الأوطار (1/ 226).

«الأَذَى»:
كُل ما تأذّيت به. لسان العرب، لابن منظور(14/ 27)

«طَهُورٌ»:
الطهور: الطاهر في نفسه المطهِّر لغيره. مجمل اللغة، لابن فارس (ص: 588)


شرح الحديث


قوله: «إذا وَطِئَ أحدُكُم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إذا وَطِئَ» بكسر الطاء، بعده همزة، أي: ضرب ومسح وداس. مرقاة المفاتيح (2/ 467).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إذا وَطِئَ» بهمز آخِره، أي: ضرب وأصَاب. شرح سنن أبي داود (3/ 74).

قوله: «بِنَعْلِهِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
(وفي رواية) «بخفيه» أي: مثلًا، أو نعليه، أو أيَّ ملبوس لِقَدميه. سبل السلام (1/ 206).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«بنَعله» النعل: هي المدَاس. شرح سنن أبي داود (3/ 72).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ولا فرق بين النعل والخف للتنصيص على كل واحد منهما في حديثي الباب، يلحق بهما كل ما يقوم مقامها؛ لعدم الفارق. نيل الأوطار (1/ 64).

قوله: «الأَذَى»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الأذى» أي: النجاسة، يعني: فتنجس. مرقاة المفاتيح (2/ 467).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«الأذى» أي: النجاسة رطبة كانت أو يابسة، مُتجسِّدة أو غير مُتجسِّدة. مرعاة المفاتيح (2/ 201).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ويدل على التعميم (أي: الأذى) ما في الرواية الأخرى، حيث قال: «فإنْ رأى خبثًا» فإنه لكل مستخبث. نيل الأوطار (1/ 64).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«الأَذَى» هو في اللغة المُستقذر، طاهِرًا كان أو نجسًا. شرح سنن أبي داود (3/ 72).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
الحديثُ الذي رُوي عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، وغيرِه، في خَلعِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- نعلَيه في صلاتِه، وقولِه بعدَ الانصرافِ: «إنَّ جبرئيلَ -عليه السلامُ- أخبَرَني أنَّ بها أذىً»، وفي روايةٍ أخرى: «قَذَرًا»، وفي روايةٍ أخرى: «خُبْثًا»، وقال: «إذا جاء أحدُكم إلى المسجدِ، فلينظرْ إلى نعلَيه، فإنْ رأى فيهما قَذَرًا أو أذىً، فليمسحْهما بالأرضِ، وليصلِّ فيهما»... والذي رُوي عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إذا وطِئَ أحدُكم بنعلَيه، أو خُفَّيه في الأذى، فإنَّ التُّرابَ لهما طَهورٌ»؛ فقد كان الشافعيُّ يقولُ بذلك في القديم، ثمَّ رجع عنه في الجديد في المسألتين جميعًا، فأوجب إعادةَ الصلاةِ، ولم يُعذَرْ مَن صلَّى وفي ثوبِه نَجَس، وإنْ لم يعلَمْ به، كهيئتِه في الوضوء، أوجبَ غسلَ النعلِ بالماءِ، وجعلَ حُكمَه حُكمَ الثوبِ، وكأنَّه وقفَ على اختلافِ أئمَّةِ النَّقْلِ في الاحتجاجِ ببعضِ رُواةِ الحديثِ الأوَّل، وعلى اختلافِ الرُّواةِ عن الأوزاعيِّ في إسنادِ الحديثِ الآخر، فلم يَرَ تخصيصَ ما في معنى ما ثبَت عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الغُسلِ بالماءِ بما هو مُختلَفٌ في ثبوتِه -واللهُ أعلم-. السنن الصغير (1/ 78).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «الأَذَى» ظاهر الإطلاق: أنَّه لا فرق بين الرَّطب واليابس، والكثيف والرقيق، وحمله بعضهم على الكثيف، وبعضهم على اليابس -والله تعالى أعلم-. فتح الودود (1/ 257-258).

قوله: «فإنَّ التُّرابَ له طَهُورٌ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنَّ التراب» أي: بعده «له» أي: لنعل أحدكم، ورجع الضمير للأذى مُفسِدٌ للمعنى «طهور» أي: مُطهِّر. مرقاة المفاتيح (2/ 467).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«فإنَّ التراب له طهور» ظاهره: أنَّ مَن أصاب أَسفل خفه أو نعله نجس، فأذهب أثره بدلكه بالأرض طَهُر، وحلت الصلاة فيه، وبه أخذ جمعٌ منهم الشافعي في القديم، وأُوُّل في الجديد أكثر العلماء ذلك بحمله على نجس يابس تعلَّق به، ويكون بحيث يزيله الدلك بالكلية.
ويُبعِد هذا التأويل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإنَّ التراب له طهور» إذ اليابس لا يُنجِّس، فلا تطهير، نعم يُقرِّبه ما يأتي في الثوب من إجماعهم بناءً على ما يأتي بحمله على ذلك، مع أنَّ المرأة تحتاج إلى جر ثوبها؛ لأنَّها مأمورة به مبالغة في سترتها، ومع ذلك لم يطهرها التراب، فكذا الخف لا يطهره التراب؛ قياسًا على الثوب، وإنْ أمكن الفرْق بأنَّ الخف يحتاج إليه الرجال والنساء، بخلاف جر الثوب، فسُومح في الأول؛ لأنَّ الحاجة فيه أعم، بخلاف الثاني.
وقد يُقرِّب ذلك التأويل أيضًا أمره -صلى الله عليه وسلم- بصب الماء من الدلو على البول (في بول الأعرابي) فإنَّ ظاهره: أنَّه لا يطهره غير الماء، وما يتوهم أنَّ ذلك خاص بالنعل والخف لمشقة الاحتراز فيهما عن النجس فسُومح فيهما بما لم يسامح به في غيرهما، يمنعه أنَّه لو كان النظر لذلك لكانت طهارة الأرض بالدلك أولى بذلك؛ لمشقة الاحتراز فيها أيضًا، فلما وجب الغسل فيها، ولم ينظر لذلك، وجب في نحو النعل من غير نظر لذلك بطريق الأولى. فتح الإله (1/383).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «فطهورهما» أي: الخفين «التراب». سبل السلام (1/ 206).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فكان ذلك التراب يجزئ من غسلهما، وليس ذلك دليل على طهارة الأذى في نفسه. شرح صحيح البخاري (1/342-343).
وقال البغوي -رحمه الله-:
ذهب بعض أهل العلم إلى ظاهر هذا الحديث، منهم النخعي، (فـ) كان يمسح النعل أو الخف يكون به السرقين (زبل الدواب) عند باب المسجد، فيصلي بالقوم، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور، وذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّه لا يطهر إلا بالماء كالبدن والثوب، وتأولوا الحديث على ما إذا مر على شيء يابس منها، فعلق به، يزيله ما بعده، كما أخبرنا أبو الحسن الشيرزي...، عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: «إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقالت أم سلمة: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يطهره ما بعدهُ» وقال ابن عباس: إنْ وطئْتَ على قذر رطب، فاغسله، وإنْ كان يابسًا فلا. شرح السنة (2/ 93-94).
وقال العيني -رحمه الله-:
وبه استدل أصحابنا (الأحناف) أنَّ الخُفَّ ونحوَه إذا أصابته نجاسة لها جِرمٌ كالروث والعذرة والدم والمني، فجفَّت، فدلَكَهُ بالأرض جاز؛ خلافًا لمحمد (ابن الحسن) ... ، وبإطلاق الأحاديث أخذ أبو يوسف حتى يطهر الخف أو النعل عنده بالمسح، سواء كان النجس رطبًا أو يابسًا، وقال أبو حنيفة: المراد بالأذى: النجاسة العَينية اليابسة؛ لأنَّ الرطبة تزداد بالمسح بالأرض انتشارًا وتلوثًا. شرح أبي داود (2/ 220-222).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء في تطهير النعال والخفين من النجاسات، فقالت طائفة: إذا وطئ القذر الرطب يجزئه أن يمسحه بالتراب، ويصلي فيه، هذا قول الأوزاعي وأبي ثور.
وقال أحمد في السيف يصيبه الدم، فيمسحه وهو حار: يصلي فيه إذا لم يبقَ فيه أثر، وكان عروة والنخعي يمسحان الروث من نعالهما ويصليان فيهما، وقال الأعمش: رأيتُ يحيى بن وثاب، وعبد الله بن عياش وغيرهما يخوضون الماء قد خالطه السرقين (زبل الدواب) والبول، فإذا انتهوا إلى باب المسجد لم يزيدوا على أن ينفضوا أقدامهم، ثم يدخلون في الصلاة.
وقالت طائفة: لا يجزئه أن يطهر القذر الرطب إلا بالماء، وإن كان يابسًا أجزأه حَكُّهُ، هذا قول مالك وأبي حنيفة، وقال محمد (ابن الحسن): لا يجزئه في اليابس أيضًا حتى يغسل موضعه من الخف والنعل وغيره، إلا المني خاصة، وقال الشافعي: لا يطهر النجاسات كلها إلا الماء في النعل والخف وغيره. شرح صحيح البخاري (2/ 50).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
هذه الروايات يقوي بعضها بعضًا، فتنتهض للاحتجاج بها على أنَّ النعل يطهر بدلكه في الأرض رطبًا أو يابسًا.
وقد ذهب إلى ذلك الأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف والظاهرية وأبو ثور وإسحاق وأحمد في رواية، وهي إحدى الروايتين عن الشافعي، وذهبت العترة والشافعي ومحمد (ابن الحسن) إلى أنه لا يطهر بالدلك لا رطبًا ولا يابسًا، وذهب الأكثر إلى أنه يطهر بالدلك يابسًا لا رطبًا، وقد احتجَّ للآخرين في البحر (الزخار؛ لأحمد بن يحيى المرتضى، الملقب بالإمام المهدي) بحجة واهية جدًّا، فقال بعد ذكر الحديثين السابقين: قلنا: محتملان للرطبة والجافة، فتعين الموافق للقياس وهي الجافة، والثاني: لا يسلم كالثوب، قال صاحب المنار (المقبلي): حاصل كلام المصنف إلغاء الحديث، انتهى.
والظاهر: أنَّه لا فرق بين أنواع النجاسات، بل كل ما علق بالنعل مما يطلق عليه اسم الأذى فطهوره مسحه بالتراب. نيل الأوطار (1/ 64).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فأمر (-صلى الله عليه وسلم-) بالإزالة بالماء في قضايا معينة، ولم يأمر أمرًا عامًّا بأنْ تُزال كل نجاسة بالماء، وقد أذن في إزالتها بغير الماء في مواضع: منها: الاستجمار بالأحجار، ومنها قوله في النعلين: «ثم ليدلكهما بالتراب، فإن التراب لهما طهور» ومنها قوله في الذيل: «يطهره ما بعده». الفتاوى الكبرى (1/ 428).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الخف والحذاء إذا أصابت النجاسة أسفله أجزأ دلكه بالأرض مطلقًا، وجازت الصلاة فيه بالسُّنة الثابتة، نص عليه أحمد، واختاره المحققون من أصحابه، قال أبو البركات (ابن تيمية): ورواية: أجزأ الدلك مطلقًا هي الصحيحة عندي؛ لما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا وطِئ أحدكم بنعله الأذى، فإنَّ التراب له طهور» وفي لفظ: «إذا وطِئ أحدكم الأذى بخفيه، فطهورهما التراب» رواهما أبو داود، وروى أبو سعيد الخدري أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: «لم خلعتم؟ قالوا: يا رسول الله، رأيناك خلعتَ فخلعنا، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أنَّ بهما خبثًا، فإذا جاء أحدكم المسجد، فليقلب نعليه، ثم لينظر، فإن رأى خبثًا، فليمسحه بالأرض، ثم ليصل فيهما» رواه الإمام أحمد.
وتأويل ذلك على ما يُستقذر من مخاط أو نحوه من الطاهرات، لا يصح؛ لوجوه:
أحدها: أنَّ ذلك لا يسمى خبثًا.
الثاني: أنَّ ذلك لا يؤمر بمسحه عند الصلاة، فإنه لا يبطلها.
الثالث: أنه لا تخلع النعل لذلك في الصلاة، فإنه عمل لغير حاجة، فأقل أحواله الكراهة.
الرابع: أن الدارقطني روى في سننه في حديث الخلع من رواية ابن عباس: «أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما دم حلمة» والحلم كبار القُراد (حشرة صغيرة تكون في الأبل)، ولأنه محل يتكرر ملاقاته للنجاسة غالبًا، فأجزأ مسحه بالجامد، كمحل الاستجمار، بل أولى، فإن محل الاستجمار يلاقي النجاسة في اليوم مرتين أو ثلاثًا. إغاثة اللهفان(1/ 146-147).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
عن أبي سعيد الخدري أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد، فلينظر، فإن رأى في نعله أذىً أو قذرًا، فليمسحه، وليصل فيها» وخرج ابن خزيمة عن أبي هريرة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا وطئ أحدكم الأذى بنعله، أو خفيه، فطهورهما التراب» ولا تفصيل فيهما بين الرطب والجاف والكثيف والرقيق، فأعمل أبو يوسف إطلاقه إلا في الرقيق، وقيداه بالجِرْم والجفاف، غير أنه لا فرق على ما فرعوا بين كون الجرم من نفس النجاسة أو من غيرها، بأن ابتل الخف بخمر، فمشى به على رمل أو رماد، فاستجسد، فمسحه بالأرض حتى تناثر، طهر، روي ذلك عن أبي حنيفة وأبي يوسف، إلا أنَّ أبا يوسف لم يقيده بالجفاف، وعلى قول أبي يوسف أكثر المشايخ، وهو المختار؛ لعموم البلوى، ونعلم أنَّ الحديث يفيد طهارتها بالدلك مع الرطوبة؛ إذ ما بين المسجد والمنزل ليس مسافة تجف في مدة قطعها ما أصاب الخف رطبًا، فإطلاق ما يروى مساعد بالمعنى.
وأما مخالفته في الرقيق، فقيل: هو مفاد بقوله: «طهور» أي: مزيل، ونحن نعلم أنَّ الخف إذا تشرَّب البول لا يزيله المسح، فإطلاقه مصروف إلى ما يقبل الإزالة بالمسح، ولا يخفى ما فيه؛ إذ معنى «طهور» مطهر، واعتبر ذلك شرعًا بالمسح المصرح به في الحديث الآخر الذي ذكرناه مقتصرًا عليه، وكما لا يزيل ما تشرَّبه من الرقيق، كذلك لا يزيل ما تشرَّبه من الكثيف حال الرطوبة، على ما هو المختار للفتوى، باعتراف هذا المجيب، والحاصل فيه بعد إزالة الجِرْم، كالحاصل قبل الدلك في الرقيق، فإنه لا يشرب إلا ما في استعداده قبوله، وقد يصيبه من الكثيفة الرطبة مقدار كثير، يشرب من رطوبته مقدار ما يشربه من بعض الرقيق. فتح القدير (1/ 195-196).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
النعل إذا أصابه شيء من الأذى، فإنه يطهر بالتراب إذا كان في أسفل النعل، أما إذا كان الأذى أصاب النعل في داخله وظاهره، فإنه يحتاج إلى أن يطهره، وأن تغسل النجاسة التي أصابت أسفل النعل وأعلاه.
إذن إذا كان الأذى أسفل النعل، وحصل السير عليه، ودلكه، فإنه يطهر بذلك؛ لأن الأذى الذي علق بالنعل أتى بعده شيء يزيله وينهيه، لا سيما إذا كان مر بماء بعد ذلك، فلا شك في أنه يطهر. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فإنْ قال قائل: إذا مسحهما عند المسجد بالتراب ففيه إشكال؛ لأنَّ أثر الأذَى أو القَذر سيكون في الأرض في طريق الناس إلى المسجد، وربما تطؤه الأقدام وهي رطبة، لا سيما في أيام الأمطار، فما الجواب عن هذا الإشكال؟
الجواب عن هذا الإشكال -والله أعلم-: أنَّ هذا مما يعفى عنه؛ لأن القذر سوف يتفرق ويتبدد، ويكون الغلبة للتراب، وهذا مما يُعْفَى عنه، كما عُفِي عن استعمال الماء، وصار المسح كافيًا. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 527).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
ويُستفاد من هذا الحديث:
- أنَّ المشقة تجلب التيسير، ولكن التيسير في حدود الشريعة، ليس كل ما شق جاز أن ييسر، وإلا لقلنا: إن الربا يجوز إذا دعا ضعف الاقتصاد إليه، وما أشبه ذلك، لكن نقول: المشقة تجلب التيسير في حدود الشريعة، بمعنى: أن الشريعة تلاحظ المشقة فتيسِّر.
ومن فوائد الحديث: أن ما زالت به النجاسة فهو مطهر، ووجه ذلك: أنَّ التراب هنا أزال النجاسة، فطهرت النعال والخفاف بذلك؛ هذا من جهة الأثر، ومن جهة النظر: أنَّ النجاسة عين قائمة بنفسها، فإذا زالت عن المحل طهر المحل؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وعلى هذا: فتطهير ألبسة الصوف بالبخار نافع أو لا؟ نافع؛ لأنه تزول النجاسة، ويعود اللباس نظيفًا جدًّا، قد يكون أنظف من الماء العادي، وعلى هذا: أيضًا إذا أدخلت الكيماويات على المجاري -مجاري الأقذار- وزالت الرائحة والطعم واللون يكون الماء طاهرًا، يتوضأ منه؛ لأن الحكم يدور مع علته: هو نجس لوجود النجاسة، (و) هو طاهر لزوال النجاسة...
ومن فوائد هذا الحديث: أنَّ التراب طهور -أعني: حديث أبي هريرة- كما أنَّ الماء طهور، فيكون التراب في موضعه طهور، كما أنَّ الماء كذلك طهور. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 527-528).

ولمزيد من الفائدة ينظر فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- هل ينتقض الوضوء بوطء النجاسة ؟


إبلاغ عن خطأ