الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«صَدَرْنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: والذي نفسُ محمدٍ بيدهِ، ‌ما ‌من ‌عبدٍ ‌يؤمن، ‌ثم ‌يُسدِّدُ إلا سُلِكَ به في الجنة، وأرجو ألا يدخلوها حتى تبَوَّؤُوا أنتم ومن صلَح من ذراريكم مساكن في الجنة، ولقد وعَدَني ربي -عزَّ وجلَّ- أن يُدْخِلَ الجنة مِن أُمتي سبعين ألفًا بغير حساب».


رواه أحمد برقم: (16215) مطولًا وابن ماجه برقم: (4285) مختصرًا واللفظ له، وابن حبان برقم: (212) والطبراني في الكبير برقم: (4556) والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (400)، من حديث رفاعة الجهني -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (7062)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2405).


غريب الحديث


«صدرنا»:
الصدر: الرجوع بعد الورود. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص:405).

«ثم ‌يُسدِّد»:
أي: يقتصد فلا يغلو ولا يسرف. النهاية، لابن الأثير (2/ 352).

«تبَوَّؤُوا»:
‌التَّبوؤ: أن يُعلِم الرجلُ الرجلَ على المكان إذا أعجبه لينزله. تاج العروس، للزبيدي (1/ 155).


شرح الحديث


قال المزي -رحمه الله-:
روى له (أي: لرفاعة الجهني) النسائي في اليوم والليلة، وابن ماجه حديثًا واحدًا، وقد وقع لنا عاليًا من روايته (وذكر هذا الحديث). تهذيب الكمال (9/ 207).
وقال الهيثمي -رحمه الله-:
رواه أحمد، وعند ابن ماجه بعضه، ورجاله موثقون. مجمع الزوائد (1/ 19).
وقال الضياء المقدسي -رحمه الله-:
وهذا عندي على شرط الصحيح -والله أعلم-. صفة الجنة (ص: 179).
وقال الشيخ مقبل الوادعي -رحمه الله-:
الحديث على شرط الشيخين...، وهذا الحديث من الأحاديث التي ألزم الدارقطنيّ البخاريّ ومسلمًا أنْ يخرجاها. الشفاعة (ص: 100).

قوله: «صدرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «صدرنا» أي: رجعنا من غزو أو سفر. كفاية الحاجة (2/ 574).

قوله: «فقال: والذي نفس محمد بيده»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «والذي ‌نفس ‌محمد ‌بيده» حجة في جواز الحلف بمثل هذا. إكمال المعلم (6/ 295).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله -عليه السلام- ...: «‌والذي ‌نفس ‌محمد ‌بيده»، أو «والذي نفسي بيده» مقصوده: تأكيد الإخبار بالقسم، وهذه فائدة القسم كله، ولكن يحتاج إلى فائدة تخصيص هذا القسم المخصوص، وهو قوله -عليه السلام-: «والذي ‌نفس ‌محمد ‌بيده» وفائدته: ضم التأكيد في وقوع المخبر عنه بمطلق القسم إلى التأكيد بالصدق في الإخبار بذكر كون النفس بيده، وقادر عليها، فتأمله. شرح الإلمام (3/ 215).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «والذي نفس محمد» -صلى الله عليه وسلم- «في يده» فيه: إثبات اليد لله -عز وجل- على ما يليق بجلاله. البحر المحيط الثجاج (38/ 67).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «والذي نفس محمد...» إلى آخره، الواو في «والذي» للقسم، وأراد بـ«الذي»: الله -تعالى-، النفس: الروح والدم والجسد والعين. المفاتيح (1/ 71).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «‌والذي ‌نفس ‌محمد ‌بيده» يريد -صلى الله عليه وسلم- بالنفس: ذاته وجملته. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 447).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
هذا مما يصح به اليمين، كـ: والذي أعبده، وما شابهه. شرح سنن أبي داود (4/ 596).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «والذي ‌نفس ‌محمد ‌بيده» خصت بذلك لشرفها، وكذا وأنفس الخلق. التوضيح (20/ 201).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«والذي» أي: والله الذي «نفس محمد» أي: روحه وذاته وصفاته وحالاته وإرادته وحركاته وسكناته «بيده». مرقاة المفاتيح (1/ 76).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«والذي نفس محمد» روحه «بيده» يتصرف فيها كيف يشاء، وأتى باسمه العلم؛ لأن المقام مقام التواضع وحظ النفس؛ ولأنه أدل على إرادة المتكلم، بخلاف رسول الله ونحوه. التنوير (8/ 370).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«والذي ‌نفس ‌محمد ‌بيده» لأن نفس محمد -صلى الله عليه وسلم- أطيب الأنفس، فأقسم بها لكونها أطيب الأنفس. شرح رياض الصالحين (2/ 450).

قوله: «ما ‌من ‌عبد ‌يؤمن ‌ثم ‌يُسدِّدُ إلا سُلِكَ به في الجنة»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ما من عبد يؤمن» بالله وبرسوله «ثم يسدد» أي: يستقيم على طريق الرشاد، فلا يغلو ولا يسرف «إلا سلك به» وأدخل «في الجنة».
وقوله: «يؤمن» بالبناء للفاعل، وكذا قوله: «ثم يسدد» بالبناء للفاعل، والجملة في الموضعين صفة لـ«عبد» وقوله: «سلك» بالبناء للمفعول، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والتقدير: ما من عبد مؤمن، ثم مستقيم على الطريقة الإسلامية، إلا مسلوك به في مسلك الجنة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 229).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
قوله: «ثم ‌يُسدد» أي: يقتصد فلا يغلو ولا يسرف، والسداد: المقصد. تهذيب اللغة (12/ 196).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
السداد: ‌الاستقامة، ولزوم الصواب. كشف المشكل (3/ 110).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأصل ‌السداد: الاستقامة والقصد في الأمور. المنهاج شرح صحيح مسلم (17/ 43).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
من السداد، وهو الاستقامة في الدين. الكوثر الجاري (5/ 420).
وقال السندي -رحمه الله-:
«ثم يُسدِّد» من التسديد، أي: يأتي بالاستقامة في الأعمال الصالحة، أو يداوم على ذلك. حاشيته على مسند أحمد (4/33).
وقال السندي -رحمه الله- أيضًا:
«إلا سُلِك» على بناء المفعول، أي: أُدخل. كفاية الحاجة (2/ 574).

قوله: «وأرجو ألا يدخلوها حتى تبَوَّؤُوا أنتم ومن صلح من ذراريكم مساكن في الجنة»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأرجو» أي: وأطمع من الله -سبحانه- «ألا يدخلوها» أي: ألا يدخل الأمم السابقة الجنة، أي: مؤمنوهم الجنة «حتى تبَوَّؤُوا» أي: حتى تتخذوا وتنزلوا «أنتم» يا أمتي منازلكم ومأواكم من الجنة، وتستقروا فيها قبل دخولهم الجنة وتزاحمهم عليكم؛ أي: حتى تتخذوا «و» يتخذ «من صلح» وآمن «من ذراريكم» وأولادكم «مساكن في الجنة». مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 229، 230).
وقال السندي -رحمه الله-:
«أن لا يدخلوها» أي: مؤمنو سائر الأمم الجنة. كفاية الحاجة (2/ 574).
وقال السندي -رحمه الله- أيضًا:
«أن لا يدخلوها» أي: السابقون الذين لا حساب عليهم قبل بقية الأمة، ولعل هذا مخصوص بالصحابة، أو بالصالحين من الأمة. حاشيته على مسند أحمد (4/33).
وقال السندي -رحمه الله-:
«مساكنًا» (في رواية أحمد) هكذا في النسخ، وفيه انصراف غير المنصرف من غير حاجة، فالظاهر "مساكن". حاشيته على مسند أحمد (4/33).

قوله: «ولقد وعَدني ربي -عز وجل- أن يُدْخِلَ الجنة من أُمَّتي سبعين ألفًا بغير حساب»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«و» إنما قلت ذلك؛ لأن الله -عز وجل- «لقد وعدني» وأخبرني «ربي» وعد الحق «عز» كماله «وجل» ثناؤه «أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب» أي: بغير محاسبتهم على أعمالهم، ولا مقدار فيما أعطاهم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 230).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «يَدْخُل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب» فيه عظم ما أكرم الله -سبحانه وتعالى- به النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمته زادها الله فضلًا وشرفًا، وقد جاء في صحيح مسلم: «سبعون ألفًا مع كل واحد منهم سبعون ألفًا». المنهاج شرح صحيح مسلم (3/ 88، 89).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«بغير حساب» أي: من كان بهذه الصفات لا يكون لهم معاصٍ ولا مظالم، أو أنهم ببركة هذه الصفات يغفر الله لهم، أو يعفو عنهم. اللامع الصبيح (14/ 307).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«واني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوؤا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة» فهذا يدل على أن ‌مزية ‌السبعين ‌بالدخول ‌بغير حساب لا يستلزم أنهم أفضل من غيرهم، بل فيمن يحاسب في الجملة من يكون أفضل منهم، وفيمن يتأخر عن الدخول ممن تحققت نجاته وعرف مقامه من الجنة يشفع في غيره من هو أفضل منهم. فتح الباري (11/ 409).
وقال العيني -رحمه الله-:
قيل: هم أكثر من هذا العدد، وأجيب: الله أعلم بذلك، مع احتمال أن يراد بالسبعين الكثير، وقال بعضهم: إن العدد المذكور على ظاهره، وقوى كلامه بأحاديث، منها: ما رواه الترمذي من حديث أبي أمامة رفعه: «وعدني ربي أن يُدْخِلَ الجنة من أمتي ‌سبعين ‌ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي».
قلت: احتمال الزيادة في السبعين باقٍ؛ لأن المراد منه ليس خصوص العدد. عمدة القاري (23/ 117).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وعند ابن أبي حاتم والحاكم من حديث جابر «مَن زادت حسناته على سيئاته فذاك الذي يدخل الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته فذاك الذي يحاسب حسابًا يسيرًا، ثم يدخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته فذاك الذي أوبق نفسه، وإنما الشفاعة في مثله».
فإن صح هذا دل على أنَّ الذين يدخلون الجنة بغير حساب أرفع رتبة من غيرهم مطلقًا، لكن قال الحافظ ابن حجر: وليس الأمر كذلك، فقد أخرج أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث رفاعة الجهني قال: «أقبلنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فذكر حديثًا، وفيه: «وعدني ربي أن يُدْخِل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب، وإني لأرجو ألا يدخلوها حتى تبوؤوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة» فهذا يدل على أن مزية السبعين بالدخول بغير حساب لا تستلزم أنهم أفضل من غيرهم، بل فيمن يحاسب في الجملة من يكون أفضل منهم، وفيمن يتأخر عن الدخول، ممن تحققت نجاته، وعرف مقامه من الجنة، من هو أفضل منهم.
ثم ساق حديثًا رواه الطبراني عن أم قيس بنت محصن، وهي أخت عكاشة أنها خرجت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى البقيع، فقال: «يحشر من هذه المقبرة (البقيع) سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، كأن وجوههم القمر ليلة البدر». ا. هـ.
ومن هذا الحديث يستدل الحافظ ابن حجر على أنَّ مزية السبعين ألفًا هذه لا تستلزم مزيتهم على الناس على الإطلاق.
والذي تستريح إليه النفس أن هؤلاء السبعين ألفًا -إذا استثنينا الأنبياء- أفضل من غيرهم، فهم أفضل ممن يحاسب حسابًا يسيرًا، وممن يحاسب فيعذب، ولعلهم السابقون السابقون أو هم من السابقين على الأقل.
نعم. قيل: إن هذا العدد لا مفهوم له، بل المراد به التكثير، شأنه في ذلك شأن السبعة في الآحاد، ومنه قوله تعالى: {وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} لقمان: 27، وقوله: {سَبْع سَنَابِل} البقرة: 261، وقوله: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُم سَبْعِينَ مَرَّة فَلَن يَغْفَرَ اللهُ لَهُم} التوبة: 80.
والأولى أن يعتبر العدد المذكور، ويحمل على ظاهره، لكنه يمكن أن يكون الله قد زاده بناء على طلب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقد روى أحمد والبيهقي عن أبي هريرة «فاستزدتُ ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفًا» وعند أحمد من حديث أبي بكر الصديق «أعطاني مع كل واحد من السبعين ألفًا سبعين ألفًا» والروايات في الزيادة كثيرة ومختلفة، والعلم عند الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقد ورد في مجموع الروايات وصف السبعين ألفًا بأربع صفات هي: أنهم كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. فتح المنعم (2/ 63-64).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌وعدني ‌ربي أن يدخل الجنة من أُمَّتي» من الإدخال؛ لقوله: «سبعين ألفًا» والمراد به: إما هذا العدد أو الكثرة. مرقاة المفاتيح (8/ 3530).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«سبعين ألفًا ...» إلخ كناية عن الكثرة، والمبالغة فيها. لمعات التنقيح (9/ 42).

ويُنظر فتوى الشيخ ابن باز –رحمه الله– في بيان صفات السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وهل مَنِ استرقى واكتوى عند الحاجة يخرج بذلك من السبعين؟


إبلاغ عن خطأ