«قالَ لنا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «عليكُنَّ بالتسبيحِ والتهليلِ والتَّقديسِ، واعقِدْنَ بالأَناملِ، فإنهنَّ مسئُولاتٌ مُستنطقاتٌ، ولا تغفُلْنَ فتَنسينَ الرَّحمةَ».
رواه وأحمد برقم: (27089) وأبو داود برقم: (1501) والترمذي برقم: (3583) واللفظ له، وابن حبان برقم: (842) والحاكم برقم: (2007) والطبراني في الأوسط برقم: (5016) والكبير برقم: (180)، من حديث يُسيرة -رضي الله عنها-.
صحيح الجامع برقم: (4087)، صحيح سنن أبي داود برقم: (1345).
غريب الحديث
«التقديس»:
التَّعظِيم، وتقديس الله: تنزيهه عن السُّوء. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص: 102).
وقال الجرجاني -رحمه الله-:
التقديس في اللغة: التطهير، وفي الاصطلاح: تنزيه الحق عن كل ما لا يليق بجنابه، وعن النقائص الكونية مطلقًا...، وهو أخصّ من التسبيح كيفيةً وكميةً، أي: أشدّ تنزيهًا منه وأكثر؛ ولذلك يؤخر عنه في قولهم: سبوح قدوس. التعريفات (ص: 65).
«واعقِدْنَ»:
بكسر القاف، أي: اعدُدن عدد مرات التسبيح وما عطف عليه. مرقاة المفاتيح، للقاري (4/ 1605).
يقال: عقد الشيء بالأنملة: عده. شرح المصابيح، لابن الملك (3/ 130).
«الأنامل»:
الأنملة بالفتح: واحدةُ الأنامِل، وهي رؤوس الأصابع. الصحاح، للجوهري (5/ 1836).
«مُسْتَنْطَقَاتٌ»:
بالبناء للمفعول (أي: ينطقها الله تعالى) للشهادة عليه بما حركهن من خير أو شر. السراج المنير، للعزيزي (3/ 335).
شرح الحديث
قولها: «قالَ لنا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «عليكنَّ بالتسبيحِ والتهليلِ والتقديسِ»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
المراد بقولها: «قال لنا» المبايعات. الأزهار، مخطوط، لوح (236).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال لنا» أي: معشر النساء «رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: عليكنّ» اسم فعل، بمعنى: الْزَمْنَ وأمسكْنَ «بالتسبيح والتهليل والتقديس» أي: قول: سبحان الملك القدوس، أو سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ويمكن أن يراد بالتقديس: التكبير، ويدل عليه ذكره في المعدودات على وفق نظائره من الروايات. مرقاة المفاتيح (4/ 1605).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«عليكن» أيتها النسوة «بالتسبيح» أي: بقول: سبحان الله «والتهليل» أي: التوحيد «والتقديس» أي: قول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح. فيض القدير (4/ 355).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «عليكنَّ» هذه كلمة التحريض والإغراء؛ يعني: الْزَمْنَ، «التسبيح والتهليل والتقديس» «التقديس» قول الرجل: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وليس المراد: تحريضهنّ على هذه الألفاظ الثلاثة فقط، بل المراد منه: جنس الذكر أيّ لفظ كان. المفاتيح (3/ 170).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
التقديس: قول القائل: سبوح قدوس. الأزهار، مخطوط، لوح (236).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
هيلل الرجل وهلل، إذا قال: لا إله إلا الله، وقد أخذنا في التهليل والهيللة، ومثله: حيعل إذا قال: حي على الفلاح، والعرب إذا كثر استعمالهم الكلمتين، ضمنوا بعض حروف إحداهما إلى بعض حروف الأخرى. الميسر (2/ 538).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا:
وهو غير مستقيم من وجوه:
الأول: أن البسملة ونحوها من الكلمات المصنوعة لا العربية الموضوعة.
والثاني: أن هذا مسلَّم في الحوقلة والحيعلة والبسملة، وأما التسبيح والتهليل فمصدران قياسيان، وكذا التقديس، ومعناها: جعل الله مسبَّحًا ومقدَّسًا ...، ومهللًا، أي: مرفوع الصوت بذكر توحيده، وإثبات تفريده، نعم هيلل من قبيل بسمل، وكذا سبحل، وكذا قدسل، لو سُمع أو بني لوجود دلالة بعض من كل منهما على كلمة في مقابلتها، بخلاف ما ذكر من التسبيح والتهليل والتقديس، وأيضًا فهذه مصادر باب التفعيل على طبق الموضوع، والمصدر المصنوع مختصّ بباب الفعللة ملحق به في التصريف، كما هو مقرر ومحقق، ولا يضرنا تفسيرهم التسبيح بسبحان الله، والتهليل بلا إله إلا الله، والتقديس بسبحان الملك القدوس، فإنه تفسير معنوي مجزأ من معنى كُلِّيٍّ هو المفهوم المصدري. مرقاة المفاتيح (4/ 1605).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«والتقديس» هو التعظيم والتمجيد، وإظهار ذكر الله تعالى وتطهير ذكر الله تعالى عما لا يليق به مما نسبه إليه الملحدون، ولعل المراد به هنا: التسبيح كما هو في رواية الترمذي، وإن كان قد ذكر التقديس بعده، وقال بعضهم: التقديس الصلاة. شرح سنن أبي داود (7/ 271).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قال الحكيم (الترمذي) في نوادره: التهليل هو التوحيد، والتقديس: التنزيه، وهو التطهير، قال: والفرق بينه وبين التسبيح: أن التسبيح للأسماء، والتقديس للآلاء، وكلاهما يؤديان إلى الطهر. قوت المغتذي (2/ 967).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ما وجه تخصيص هذه الأذكار؟
قلتُ: التسبيح إشارة إلى النقائص عن المسمى إلى إثبات الكمالات له، والتكبير إلى أنه حقيقة ذاته أكبر من أن تدركها الأوهام، أو تعرفها الأفهام. فتح القريب المجيب (7/ 464).
قوله: «واعقِدْنَ بالأناملِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «واعقدن بالأنامل» يعني: اعدُدن عدد مرات التسبيح بأصابعكنّ. المفاتيح (3/ 170).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«واعقدن بالأنامل» يقال: عقدتُ عليه الأنملة إذا عدَّه، ومنه قولهم: فلان أول مَن يعقد عليه الخناصر، أي: يبدأ به في حصر ذوي الألباب والأحساب، أحب -صلى الله عليه وسلم- أن يحصين تلك الكلمات بأناملهنّ ليحط عنها بذلك ما اجترحته من الأوزار. الميسر (2/ 539).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وأن يعقدن بالأنامل» أي: يقبضنها ويبسطنها للعدد بها؛ ليضبطن بها ما يسبحن به من العدد ويمسكنه، ومنه العقدة على ما تريد إمساكه وتوقيفه، ومنه قيل: عقد البيع، وعقد اليمين، ومراعاة التكبير والتقديس والتهليل، صالح للرجال والنساء، وفيه فضيلة للجميع، لكن النساء أكثر احتياجًا لذلك؛ فإن الرجال كثير منهم يقرؤون القرآن، ويتعبدون بتلاوته بخلاف النساء، فإن النادر منهن مَن تقرأ؛ ولأن النساء ناقصات عقل ودين، فاحتجن إلى كثرة التسبيح والعقد بالأصابع. شرح سنن أبي داود (7/ 271).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال ابن حجر: الباء زائدة في الإثبات على مذهب جماعة.
وهو وهم، وانتقال منه من الباء إلى "من"، وإلا فزيادة الباء في المفعول كثيرة غير مقيدة بالإثبات والنفي اتفاقًا على ما في المغني، كقوله تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} مريم: 25، {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} الحج: 15...، والأنامل: جمع أنملة بتثليث الميم والهمز تسع لغات فيها: الظفر، كذا في القاموس، والظاهر: أن يراد بها: الأصابع من باب إطلاق البعض وإرادة الكل، عكس ما ورد في قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} البقرة: 19؛ للمبالغة، وفيه جواز عد الأذكار، ومأخذ سُبْحة الأبرار، وقد كان لأبي هريرة خيط فيه عقد كثيرة يسبح بها، وزعْم أنها بدعة غير صحيح؛ لوجود أصلها في السنة؛ ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» وإنما قيد العقد بالأنامل دلالة على الأفضل. مرقاة المفاتيح (4/ 1605-1606).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«واعقدن بالأنامل» عقد الشيء بالأنملة: عدَّه؛ حرَّضهن -عليه الصلاة والسلام- على أن يحصين تلك الكلمات بأناملهن؛ ليحط بذلك من الذنوب، يدل على أنهن كنّ يعرفن عقد الحساب. شرح المصابيح (3/ 130).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«واعقدن بالأنامل» أي: اعددن عدد مرات التسبيح بها، وهذا ظاهر في عقد كل أصبع على حدته، لا ما يعتاده كثير من العد بعقد الأصابع. فيض القدير (4/ 355).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«واعقدن بالأنامل» أي: اعددن بها مرات التسبيح، وفيه ندب عد الذكر وعقده بالأنامل؛ لأن الكل طاعات. التنوير (7/ 329-330).
قوله: «فإنهنَّ مسؤولاتٌ مستنطقاتٌ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فإنهنَّ» فإن الأنامل «مسؤولات» يوم القيامة «مستنطقات» بفتح التاء والطاء، أي: مطلوب منهنّ النطق بما عمل بهن صاحبهن من طاعة أو معصية؛ وذلك أنهم يتكلمون بألسنتهم كما كانوا يتكلمون في الدنيا، حتى يختصمون عند ربهم، ثم يجحدون ويختم على ألسنتهم، فيتكلموا، وتسأل الأيدي والأرجل والألسنة والسمع والبصر والقلب فتنطق وتشهد بجميع ما عملت من خير أو شرٍّ تبكيتًا لصاحبها، وإلزامه للحجة عليه، وإظهار حرمة المنعقد بهن على غيره في ذلك المشهد العظيم، ويقال له: سمعتَ ما لا يحل لك، ونطقتَ بما لا يحل، وعزمتَ على فعل ما لا يحل، وعملتَ بيدك وأصابعك ورجلك، وتكلمتَ بلسانك بما لا يحل لك. شرح سنن أبي داود (7/ 271-272).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«مسؤولات» يعني: يوم القيامة بما أتين به، واكتسبن في الدنيا «مستنطقات» يعني: للسؤال. الأزهار، مخطوط، لوح (236).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«فإنهن مسؤولات...» أي: يُسْأَلن يوم القيامة عما اكتسبن، ويُستنطقن فيشهدن على أنفسهن بما اكتسبنها من الأوزار، قال الله تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ} فصلت: 22. الميسر (2/ 539).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«فإنهنّ مسؤولات» أي: فإن الأصابع بل جميع الأعضاء المكتسبة يسأل عنها يوم القيامة بأي شيء استعملت؟ وهذا تحريض على استعمال الرجل أعضاءه في الخيرات، وحفظها عن السيئات، قوله: «مستنطقات» أي: يخلق الله في الأعضاء النُّطق حتى تشهد بما عملت؛ كقوله تعالى: {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فصلت: 20، والمراد بالجلود هنا: الفروج، وقال في آية أخرى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} يس: 65. المفاتيح (3/ 170-171).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
المسؤول والمستنطَق كل الجوارح والأعضاء، ولما كان المراد فيما نحن فيه بسبب العد هي الأصابع خص به، قال اللَّه تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ} فصلت: 22. لمعات التنقيح (5/ 140).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فإنهن مسؤولات» عن عمل صاحبها «مستنطقات» للشهادة عليه، فأما المؤمن فتنطق عليه بخيره، وتسكت عن شرِّه سترًا من الله، والكافر بالعكس، فإن خيره لغير الله فهو هباء. فيض القدير (4/ 355).
قوله: «ولا تغفُلْنَ فتنسينَ الرحمةَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا تغفلن» بضم الفاء، والفتح لحن، أي: عن الذكر، يعني: لا تتركن الذكر، «فتنسين» بفتح التاء، أي: فتتركن «الرحمة» بسبب الغفلة، والمراد بنسيان الرحمة: نسيان أسبابها، أي: لا تتركن الذكر، فإنكن لو تركتن الذكر لحرمتن ثوابه، فكأنكن تركتن الرحمة، قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي} البقرة: 152، أي: بالطاعة، {أَذْكُرْكُمْ} البقرة: 152، أي: بالرحمة، وفي نسخة صحيحة بصيغة مجهولة من الإنساء. مرقاة المفاتيح (4/ 1606).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ولا تغفلن» بضم الفاء بضبط المؤلف (السيوطي) «فتنسين» بضم المثناة الفوقية (وقد سبق أنها بالفتح؛ فهما وجهان)، وسكون النون، وفتح السين بخطه «الرحمة» أي: لا تتركن الذكر فتنسين منها، وهذا أصل في ندب السبحة المعروفة، وكان ذلك معروفًا بين الصحابة، فقد أخرج عبد الله بن أحمد أن أبا هريرة كان له خيط فيه ألفاْ عقدة فلا ينام حتى يسبح به، وفي حديث رواه الديلمي: «نعم المذكر السبحة» (حكم عليه الألباني بالوضع في الضعيفة) لكن نقل المؤلف عن بعض معاصري الجلال البلقيني أنه نقل عن بعضهم أن عقد التسبيح بالأنامل أفضل؛ لظاهر هذا الحديث، لكن محله إن أمن الغلط وإلا فالسبحة أولى. فيض القدير (4/ 355).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولا تغفلن» من الغفلة: الإعراض عن الشيء «فتنسين» بضم المثناه الفوقية أي: ينساكن الله من «الرحمة» أي: يتركن عنها، من قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} التوبة: 67. التنوير (7/ 330).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فتنسين الرحمة» بلفظ المجهول، وقد يروى بلفظ المعلوم. لمعات التنقيح (5/ 140).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«فتَنسَين الرحمة» أي: تُتركنَها، قال بعض الشارحين: وهو على بناء المجهول المخاطب لجميع المؤنث. الأزهار، مخطوط، لوح (236).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«فتنسين الرحمة» النسيان: ترك الإنسان ضبط ما استودع (ما استُحفظ) إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة أو قصد، أي: إنكن استحفظتن ذكر الرحمة، وأمرتن بمسألتها، فإذا غفلتن ضيعتن ما استودعتن (ما استحفظْتُن) عن ذلك. الميسر (2/ 539).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ولا تغفلنَ فتنسينَ الرحمة» يعني: ولا تتركنَ الذكر، فإنكنَّ إن تركتنَّ الذكر حرمتنَّ ثواب الذِّكر، فإن الله تعالى قال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} البقرة: 152. المفاتيح (3/ 171).
وقال الطيبي -رحمه الله- معلقًا:
قوله: «لا تغفلنَ» نهي للأمرين، أي: لا تغفلن عما ذكرتُ، لكن مع اللزوم على الذكر والمحافظة عليه، والعقد بالأصابع توثيقًا، وقوله: «فتنسينَ» جواب له، أي: إنكنَّ لو تغفلنَ عما ذكرتُ لكُنَّ، تركتنَّ سدى عن رحمة الله، هذا من باب قوله تعالى: {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} طه: 81، أي: لا تكن منكنَّ الغفلة، فيكون من الله ترك الرحمة، فعبر بالنسيان عن الترك، كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} طه: 126. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1832).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الحديث الأول («عليكن بالتسبيح والتهليل ...») يدل على مشروعية عقد الأنامل بالتسبيح، وقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه عن ابن عمرو أنه قال: «رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعقد التسبيح» زاد في رواية لأبي داود وغيره: «بيمينه» وقد علل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك في حديث الباب بأن الأنامل مسؤولات مستنطقات، يعني: أنهن يشهدن بذلك، فكان عقدهن بالتسبيح من هذه الحيثية أولى من السبحة والحصى، والحديثان الآخران (حديث سعد بن أبي وقاض: «أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ، فَقَالَ: أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ. سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ »، وحديث صفية: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَبَيْنَ يَدَيَّ أَرْبَعَةُ آلَافِ نَوَاةٍ أُسَبِّحُ بِهَا، فَقَالَ: لَقَدْ سَبَّحْت بِهَذَا أَلَا أُعَلِّمُك بِأَكْثَرَ مِمَّا سَبَّحْت بِهِ؟ ، فَقَالَتْ عَلِّمْنِي فَقَالَ: قُولِي: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ») يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى، وكذا بالسبحة؛ لعدم الفارق؛ لتقريره -صلى الله عليه وسلم- للمرأتين على ذلك، وعدم إنكاره والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز، قد وردت بذلك آثار، ففي جزء هلال الحفار من طريق معتمر بن سليمان عن أبي صفية مولى النبي -صلى الله عليه وسلم- «أنه كان يوضع له نطع (وهو بساط من الأديم وهو الجلد)، ويجاء بزنبيل (وهو الجراب) فيه حصى، فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع، فإذا صلى أتى به فيسبح حتى يمسي»، وأخرجه الإمام أحمد في الزهد، قال: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد عن يونس بن عبيد عن أمه قالت: رأيتُ أبا صفية رجلًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان خازنًا، قالت: فكان يسبح بالحصى.
وأخرج ابن سعد عن حكيم بن الديلم أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح بالحصى، وقال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا عبد الله بن موسى أخبرنا إسرائيل عن جابر عن امرأة خدمته عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب أنها كانت تسبح بخيط معقود فيه، وأخرج عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد عن أبي هريرة أنه كان له خيط فيه ألف عقدة، فلا ينام حتى يسبح، وأخرج أحمد في الزهد عن القاسم بن عبد الرحمن قال: كان لأبي الدرداء نوى من العجوة في كيس، فكان إذا صلى الغداة أخرجها واحدة واحدة يسبح بهن حتى ينفذهن، وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة أنه كان يسبح بالنوى المجموع، وأخرج الديلمي في مسند الفردوس من طريق زينب بنت سليمان بن علي عن أم الحسن بنت جعفر (ابن الحسن) عن أبيها عن جدها عن علي -رضي الله عنه- مرفوعًا: «نعم المذكر السبحة» (حكم عليه الألباني في الضعيفة بالوضع). نيل الأوطار (2/ 365- 366).
وقال الألباني -رحمه الله- تعليقًا على حديث: (نعم المذكر السبحة) وقال: (موضوع):
ومما سبق يتبين لك أن الإسناد ضعيف لا تقوم به حجة، ثم إن الحديث من حيث معناه باطل عندي لأمور:
الأول: أن السبحة بدعة لم تكن في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، إنما حدثت بعده -صلى الله عليه وسلم-، فكيف يعقل أن يحض -عليه الصلاة والسلام- أصحابه على أمر لا يعرفونه؟! والدليل على ما ذكرتُ: ما روى ابن وضاح القرطبي في البدع والنهي عنها (ص: 12) عن الصلت بن بهرام قال: مر ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه، ثم مر برجل يسبح بحصى، فضربه برجله، ثم قال: لقد سبقتم! ركبتم بدعة ظلمًا! ولقد غلبتم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- علمًا! وسنده إلى الصلت صحيح، وهو ثقة من أتباع التابعين، فالسند منقطع.
ثم روى عن أبان بن أبي عياش قال: سألتُ الحسن عن النظام (خيط ينظم فيه لؤلؤ وخرز ونحوهما) من الخرز والنوى ونحو ذلك يسبح به؟ فقال: لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا المهاجرات، ولكن سنده ضعيف جدًّا.
الثاني: أنه مخالف لهديه -صلى الله عليه وسلم-، قال عبد الله بن عمرو: «رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعقد التسبيح بيمينه»...، ثم هو مخالف لأمره -صلى الله عليه وسلم-، حيث قال لبعض النسوة: «عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، ولا تغفلن فتنسين التوحيد» وفي رواية: «الرحمة، واعقدن بالأنامل، فإنهن مسؤولات ومستنطقات» وهو حديث حسن أخرجه أبو داود وغيره، وصححه الحاكم والذهبي، وحسنه النووي والعسقلاني. سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/ 185-186).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
فيه حث على استعمال الأعضاء فيما يرضي الرب تعالى، وتعريض بالتحفظ عن الفواحش والآثام. شرح المصابيح (3/ 130).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
السُّبْحة لا بأس بها، لكن باليد أفضل، وعد بعض الصحابيات بالنوى يدل عليها. الحلل الإبريزية (4/ 217).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
عقد التسبيح بالأصابع، وأنه أفضل من السبحة (وذكر حديث ابن عمرو المشار إليه سابقًا، وحديث يُسَيرة). الوابل الصيب (ص: 222)
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: إشارة إلى أنَّ العد بالأنامل يُكفِّر ما اجترحته واكتسبته، فإنَّهن مسؤولات يوم القيامة، مستنطقات يشهدن على أنفسهن بما اكتسبن، قال الله تعالى: { وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ} فصلت: 22. الأزهار، مخطوط، لوح (236).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفيه: دليل أنَّه يسأل كل عضو من الإنسان، نحو: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ} يس: 65، الآية، ونحو {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ} النور: 24 الآية. التحبير (4/ 289).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- كيف كان -صلى الله عليه وسلم- يعقد التسبيح ؟
- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم التسبيح بالمسبحة وهل هو من البدع ؟