«صلَّى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه الظهر، قالَ: فدخلَ رجلٌ من أصحابِهِ فقالَ له النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ما حَبَسَكَ يا فلان عن الصلاةِ؟ قالَ: فذكرَ شيئًا اعْتلَّ بِهِ، قالَ: فقامَ يصلي فقالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ألا رجلٌ يتصدقُ على هذا فيصلي معه؟ قال: فقام رجلٌ من القوم فصلَّى معه».
رواه أحمد برقم: (11408) واللفظ له، وأبو داود برقم: (574)، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (2652)، مشكاة المصابيح برقم: (1146).
شرح الحديث
قوله: «صلى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بأصحابِهِ الظهرَ قالَ: فدخلَ رجلٌ من أصحابِهِ فقالَ له النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ما حَبَسَكَ يا فلانُ عن الصلاةِ؟ قالَ: فذكرَ شيئًا اعْتلَّ بِهِ، قالَ: فقامَ يصلي، فقالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "ألا رجلٌ يتصدقُ على هذا فيُصلي معهُ؟" قال: فقامَ رجلٌ من القومِ فصلَّى معَهُ»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «ألا رجل يتصدَّق على هذا» يعني: يفعل معه خيرًا، وفى رواية لأحمد: «مَن يتصدق على ذا»، وفي رواية الترمذي: «أيكم يتَّجِر على هذا»، وفي رواية الدارقطني: «مَن يَتَّجر على هذا فيصلي معه» أي: مقتديًا به؛ ليحصل له ثواب الجماعة، فقام أبو بكر وصلى معه، كما ذكره ابن أبي شيبة، وسمى رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- الصلاة معه صدقة؛ لأنه قد صنع معروفًا، ففي رواية البخاري عن جابر ومسلم عن حذيفة: «كل معروف صدقة». المنهل العذب المورود (4/ 276).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ألا رجُل» الهمزة للاستفهام، و«لا» بمعنى "ليس"، أو المجموع كلمة العرض، وقوله: «فيصلي» مرفوع على الأول، ومنصوب على الثاني، وقوله: «يتصدق» أي: يحسن إليه، والصدقة لا تختص بالمال، بل يشمل كل نفع واصل إلى الغير دنيويًّا كان أو دينيًّا، والنفع ها هنا حصول الدرجات الحاصلة بالجماعة، وقوله: «فقام رجل» هو أبو بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- كما في سنن البيهقي. لمعات التنقيح (3/ 269).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن يتصدق على هذا» (كما في لفظ) فيه تسمية مثل هذا صدقة، وهو موافق لقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: «كل معروف صدقة» رواه البخاري من رواية جابر، ومسلم من رواية حذيفة، وفيه استحباب إعادة الصلاة في جماعة لمن صلاها في جماعة، وإن كانت الثانية أقل من الأولى، وأنه تستحب الشفاعة إلى مَن يصلي مع الحاضر، وأن المسجد المطروق لا يُكره فيه جماعة بعد جماعة، وأن الجماعة تحصل بإمام ومأموم.
أما حكم المسألة فقال أصحابنا: إن كان للمسجد إمامٌ راتب وليس هو مطروقًا، كُره لغيره إقامة الجماعة فيه ابتداء قبل فوات مجيء إمامه، ولو صلى الإمام كره أيضًا إقامة جماعة أخرى فيه بغير إذنه، هذا هو الصحيح المشهور، وبه قطع الجمهور، وحكى الرافعي وجهًا: أنه لا يكره -ذَكَرَهُ في باب الأذان - وهو شاذ ضعيف.
وإن كان المسجد مطروقًا أو غير مطروق وليس له إمام راتب لم تكرهُ إقامة الجماعة الثانية فيه؛ أما إذا حضر واحد بعد صلاة الجماعة فيستحب لبعض الحاضرين الذين صلوا أنْ يصلِّي معه لتحصل له الجماعة، ويستحب أن يشفع له مَن له عذر في عدم الصلاة معه إلى غيره ليصلي معه للحديث، والله أعلم. المجموع (4/ 222).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«ألا رجل يتصدق على هذا» سمَّاه صدقة؛ لأنها لا تختص بالمال بل يشمل كل نفع وأصل للغير أخروي أو دُنيوي كما نطقت به الأحاديث الصحيحة، منها: «كُل معروف صدقة» والنفع هنا أنه لو صلى منفردًا حصلت له درجة واحدة فبصلاته معه تحصل له ستة وعشرون درجة. فتح الإله (4/ 428).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «يتصدق على هذا» كأن بصلاته معه يتصدق عليه بفضل الجماعة، وفيه دليل على فضيلة الجماعة الثانية، وعلى أن الفضل في جماعة الفرض لا يتوقف على كون المقتدي مفترضًا. فتح الودود (1/ 372).
وقال البخاري -رحمه الله-:
كان الأسود إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر، وجاء أنس (بن مالك) إلى مسجدٍ قد صُلِّي فيه فأذن وأقام وصلَّى جماعة. الصحيح (1/ 131).
وقال ابن حزم -رحمه الله- معلقًا:
هذا مما لا يُعرف فيه لأنس مخالف من الصحابة -رضي الله عنهم-. المحلى بالآثار (3/ 156).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وغيرهم من التابعين، قالوا: لا بأس أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صُلِّي فيه جماعة، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال آخرون من أهل العلم: يصلون فرادى، وبه يقول سفيان وابن المبارك ومالك والشافعي يختارون الصلاة فرادى. السنن (1/ 429).
وقال المباركفوري -رحمه الله- معلقًا:
قوله (أي: الترمذي): "وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم من التابعين"، وهو قول ابن مسعود -رضي الله عنه- قال ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا إسحاق الأزرق عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل: «أن ابن مسعود دخل المسجد وقد صلوا فجمع بعلقمة ومسروق والأسود»، وإسناده صحيح، وهو قول أنس بن مالك -رضي الله عنه-. تحفة الأحوذي (2/ 8).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: مَن ذهب من الأئمة إلى اشتراط الجماعة لصحة الصلاة أو إلى وجوب الجماعة عينًا من غير أن يجعلها شرطًا أجاز تكرار الجماعة مطلقًا، وكل مَن ذهب إلى عدم وجوبها عينًا أو إلى سنيتها كرهها. مرعاة المفاتيح (4/ 104).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
وإذا كان للمسجد إمام راتب ففاتت رجلًا أو رجالًا فيه الصلاة صلوا فرادى، ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة، فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه، وإنما كرهْت ذلك لهم؛ لأنه ليس مما فَعل السلف قبلنا بل قد عابه بعضهم، وأحسب كراهية مَن كره ذلك منهم إنما كان لتفرق الكلمة، وأن يرغب رجل عن الصلاة خلف إمام جماعة فيتخلف هو ومَن أراد عن المسجد في وقت الصلاة فإذا قُضيت دخلوا فجمعوا؛ فيكون في هذا اختلاف وتفرق كلمة، وفيهما المكروه، وإنما أكره هذا في كل مسجد له إمام ومؤذن، فأما مسجدٌ بُني على ظهر الطريق، أو ناحية لا يؤذِّن فيه مؤذن راتب ولا يكون له إمام معلوم ويصلي فيه المارة ويستظلون فلا أكره ذلك فيه؛ لأنه ليس فيه المعنى الذي وَصَفْتُ مَن تفرق الكلمة، وأن يرغب رجال عن إمامة رجل فيتخذون إمامًا غيره، وإن صلى جماعة في مسجد له إمام، ثم صلى فيه آخرون في جماعة بعدهم كرهت ذلك لهم؛ لما وصفت وأجزأتهم صلاتهم. الأم (1/ 180).
وقال البغوي -رحمه الله-:
ففيه دليلٌ على أنه يجوزُ لِمَن صلَّى في جماعةٍ أن يُصلِّيها ثانيًا مع جماعةٍ آخرين، وأنه يجوزُ إقامة الجماعةِ في مسجدٍ مرَّتين، وهو قولُ غيرِ واحدٍ من الصحابةِ والتابعين.
جاء أنسٌ إلى مسجدٍ قد صُلِّيَ فيه، فأذَّن، وأقام، وصلَّى جماعةً، وبه يقولُ أحمدُ وإسحاق. وكرِه قومٌ إقامةَ الجماعةِ في مسجدٍ مرَّتين، واختاروا للجماعةِ الثانيةِ أن يُصلُّوا فُرادى، وبه قال سفيانُ ومالك وابنُ المباركِ والشافعي وأصحابُ الرأي. شرح السنة(3/٤٣٧).
وبوب ابن خزيمة -رحمه الله-:
باب الرخصة في الصلاة جماعة في المسجد الذي قد جمع فيه ضد قول من زعم أنهم يصلون فرادى إذا صلى في المسجد جماعة مرة. صحيح ابن خزيمة(3/٦٣).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ومَن دخل مسجدًا قد صُلِّي فيه، فإن شاء أذن وأقام، نص عليه أحمد؛ لما روى الأثرم وسعيد بن منصور أنه دخل مسجدًا قد صلُّوا فيه، فأمر رجلًا فأذن وأقام، وصلى بهم في جماعة، وإن شاء صلَّى من غير أذان ولا إقامة؛ فإن عروة قال: إذا انتهيت إلى مسجد قد صلَّى فيه ناس أذنوا وأقاموا، فإن أذانهم وإقامتهم تجزئ عمَّن جاء بعدهم، وهذا قول الحسن والشعبي والنخعي إلا أن الحسن، قال: كان أحب إليهم أن يقيم، وإذا أذَّن فالمستحب أن يخفي ذلك ولا يجهر به؛ ليغرّ الناس بالأذان في غير محله. المغني (2/ 79).
وقال محمد الحصكفي -رحمه الله-:
ويكره تكرار الجماعة بأذان وإقامة في مسجد محلة لا في مسجد طريق أو مسجد لا إمام له ولا مؤذن. الدر المختار (ص: 76).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
الحِكمة في عدم الجواز أنه يؤدي إلى تقليل الجماعة الأولى؛ لأن الناس إذا علموا أن الجماعة تفوتهم يتعجلون فتكثر، بخلاف ما إذا علموا أنه إذا فاتتهم الجماعة الأولى أدركوا جماعة ثانية فيتأخرون، ويؤدي أيضًا إلى تفرق الكلمة وتشتيت الجُموع الذي شرعت من أجلها الجماعة، وهذا عام في كلِّ المساجد. المنهل العذب المورود (4/ 278).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
من أتى مسجدًا قد صُلِّيت به صلاة فرض جماعة بإمام راتب، وهو لم يكن صلاها، فليصلِّها في جماعة، ويجزئه الأذان الذي أُذِّن فيه قبل، وكذلك الإقامة، ولو أعادوا أذانًا وإقامة: فحسن، لأنه مأمور بصلاة الجماعة. المحلى بالآثار (3/ 154).
ولمزيد من الفائدة ينظر:
- فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- في جواز إقامة جماعة ثانية بعد سلام الإمام.
- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم إقامة جماعة ثانية في المسجد.