«عن ابنٍ لِسعدٍ أنه قال: سمعني أبي، وأنا أقول: اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ الجَنَّةَ، ونعيمَها، وبهجتَها، وكذا، وكذا، وأعوذُ بكَ من النارِ، وسلاسِلِها، وأغلالِها، وكذا، وكذا»، فقال: يا بُنيَّ، إنِّي سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: «سيكونُ قومٌ يعتدونَ في الدُّعاءِ، فإيَّاكَ أن تكونَ منهم؛ إنَّكَ إن أُعطِيتَ الجنة أُعطِيتَها وما فيها من الخيرِ، وإن أُعِذتَ من النارِ أُعِذتَ منها، وما فيها من الشرِّ».
رواه أحمد برقم: (1483)، وأبو داود، برقم: (1480) واللفظ له، من حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-.
ورواه أحمد برقم: (16796)، وأبو داود برقم: (96)، وابن ماجه برقم: (3864)، بلفظ: أنه سمع ابنه يقول: «اللهم إني أسألك القَصرَ الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتُها، فقال: أيْ بُنَيَّ، سلِ الله الجنة، وتَعوَّذ به من النار، فإني سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إنه سيكون في هذه الأُمَّة قوم يعتدون في الطَّهور والدُّعاء»، من حديث عبد الله بن مغفل-رضي الله عنه-. ولم يذكر ابن ماجه الطَّهور
صحيح الجامع برقم: (2396 ، 3671)، صحيح أبي داود برقم: (96، 1330).
غريب الحديث
«بهجتها»:
البَهْجَة: الحُسن. مختار الصحاح (ص: 73).
«الطهور»:
الطهور بالضم: التَّطَهر، وبالفتح: الماء الذي يُتَطَهَّر به، كالوُضُوء والوَضُوء، والسَّحور والسُّحُور.
وقال سيبويه: الطَّهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معًا، فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها، والمراد بهما التطهر. النهاية، لابن الأثير (3/ 147).
شرح الحديث
قوله: «عن ابنٍ لسعدٍ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «عن ابنٍ لسعدٍ» سعد هذا هو ابن أبي وقاص، وابنه هذا لم يُسمَّ، فإن كان عمرًا فلا يُحْتَج به. شرح أبي داود (5/ 395).
قوله: ««اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمها، وبهجتها»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله «وبهجتها» أي: حسنها وزينتها. المنهل العذب المورود (8/ 145).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «وبهجتها» أي: نَضَارتها، وحسنها وما فيها. فتح الودود (2/ 146).
قوله: «وكذا، وكذا»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«وكذا وكذا» كِناية عمَّا في الجنة من المنازل، والسُّرُر والبُسُط، والغُرَف وغيرها. بذل المجهود (6/ 202).
قوله: «وأعوذ بك من النار، وسَلاسلها، وأَغْلالها»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وسلاسلها» جمع سلسلة، والأغلال: جمع غُلٍ بضم الغين، وهي الحديدة التي تَجْمَع يد المغلول إلى عنقه. شرح أبي داود (5/ 395).
قوله: «وكذا، وكذا»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «كذا وكذا» كناية عن أنواع العذاب في النار. المنهل العذب المورود (8/ 145).
قوله: «إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقول»
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول» عِلَّة لنهيه المذكور، أي: وإنما نهيتك عن ذلك الدعاء؛ لأني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «سيكون...» الحديث. مرشد ذوي الحجا والحاجة (23/ 81).
قوله: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«سيكون» أي: يوجد في أُمَّتي بعد وفاتي. مرشد ذوي الحجا والحاجة (23/ 81).
وقال المناوي -رحمه الله-:
زاد أبو داود في روايته: «مِن هذه الأُمَّة». فيض القدير (4/ 130).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «يعتدون في الدعاء» أي: يتجازون الحدَّ فيه، ولعلَّ سعدًا أنكر على ابنه حيث سأل نعيم الجنة وبهجتها بعد سؤاله الجنة، وحيث استعاذ من سلاسل النار وأغلالها بعد استعاذه من النار، فهو من قبيل تحصيل الحاصل، فيكون من العبثيات. المنهل العذب المورود(8/ 145).
وقال محمود السبكي -رحمه الله- أيضًا:
والاعتداء في الدعاء: أن يَخرج فيه عن الحد المشروع، كأن يدعو بإثم، أو يصيح به، أو يطلب ما لا يليق به. المنهل العذب المورود (1/ 315).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
الاعتداء في الدعاء: أن يدعو بما يستحيل شرعًا، أو عادة، مثل طلب النبوة بعد خاتم النبيين، أو عدم وجود الآدميين، أو ما في معناه من نزول سماء، وطلوع أرض وغيرهما، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يدعو الإنسان أن يَطْلَع السماء، أو تَحَوُّل الجبل الفلاني ذهبًا، أو يجيء له الموت، أو بأمر لا يعلم حقيقته ونحو ذلك، وقد فُسِّر الاعتداء في الدعاء بتكلُّف السجع، وقال بعضهم: الاعتداء هو طلب مما لا يليق به كرتبة الأنبياء، والصعود إلى السماء، وقيل: هو الصياح في الدعاء. بذل المجهود (6/ 202).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
الاعتداء في الدعاء يكون من وجوه كثيرة، والأصل فيه أن يتجاوز عن مواقف الافتقار إلى بِساط الانبساط، أو يميل إلى أَحَدِ شِقَّي الإفراط والتفريط في خاصة نفسه، وفي غيره إذا دعا له أو عليه. الميسر في شرح مصابيح السنة (1/ 148).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الاعتداء في الدعاء يقع بزيادة الرفع فوق الحاجة، أو بطلب ما يستحيل حصوله شرعًا، أو بطلب معصية، أو يدعو بما لم يُؤثَر خصوصًا ما وردت كراهته كالسجع الـمُتكلَّف وترك المأمور. فتح الباري (8/ 298).
وقال العيني -رحمه الله-:
الاعتداء في الدعاء بزيادة السؤال فوق الحاجة...، وبالاعتناء بالأدعية التي لم تُؤثَر خصوصًا إذا كان بالسجع المتكلف، وبرفع الصوت والنداء والصياح، لقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} الأعراف: 55، وأمَرَنا بأن ندعو بالتَّضرع والاستكانة والخفية، ألا ترى أن الله تعالى ذكر عبدًا صالحًا ورضي فعله، فقال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} مريم: 3. عمدة القاري (18/ 232).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
الاعتداء في الدعاء على وجوه:
منها: الجهر الكثير والصياح، كما تقدم.
ومنها: أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي، أو يدعو في مُحِال، ونحو هذا من الشطط.
ومنها: أن يدعو طالبًا معصية وغير ذلك.
ومنها: أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة، فيتخير ألفاظًا مُقفَّاة، وكلمات مُسَجَّعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها، ولا مُعَوَّل عليها، فيجعلها شعاره، ويترك ما دعا به رسوله -عليه السلام-، وكل هذا يُمنع من استجابة الدعاء. الجامع لأحكام القرآن (7/ 226).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ومن العدوان أن يدعوه غير مُتضرِّع، بل دعاء مُدِل كالمستغني بما عنده، الـمُدِل على ربه به، وهذا من أعظم الاعتداء المنافي لدعاء الضارع الذليل، الفقير المسكين، من كل جهة في مجموع حالاته، فمن لم يسأل مسألة مسكين مُتضرِّع خائف فهو معتد. بدائع الفوائد(3/ 13).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
المعتدي في الدعاء لا يُجاب له حتى في وقت الإجابة؛ لأن الله تعالى لا يحب المعتدين، فكيف يُجيبهم!. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 361).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
الاعتداء في الدعاء: أن يكون السؤال فيه تَعنُّت، وسؤال ما لا يليق به أن يسأله، والسؤال بإثم، أو قطيعة رحم. شرح سنن أبي داود(7/ 3).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
ومثل كون الإنسان يسأل منازل النبيين، أو كونه يدعو بقطيعة رحم، فهذا من الاعتداء في الدعاء إذا كان الدعاء فيه مبالغة، وفيه شيء من الخروج عن الحد، كان فيه غلوٌ، أو انحراف فهو من الاعتداء في الدعاء. شرح سنن أبي داود (178/ 37).
قوله: «فإياك أن تكون منهم»:
قال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«فإياك» للتحذير. عون المعبود (4/ 248).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فإياك» أي: اتقِّ نفسك «إن تكون منهم». بذل المجهود (6/ 203).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«إن تكون منهم» أي: من المعتدين في الدعاء. بذل المجهود (6/ 203).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«أن تكون منهم» أي: من المُبالغين في الدُّعاء. عون المعبود (4/ 248).
قوله: «إنك إن أُعطيت الجنة أُعطيتها وما فيها من الخير»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قال تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} آل عمران: 185. المنهل العذب المورود (8/ 145).
قوله: «وإن أُعِذت من النار أُعِذْتَ منها، وما فيها من الشَّر»:
قال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
معنى هذا الحديث أن هناك قومًا يعتدون في الدعاء، وجعل سعد -رضي الله عنه- ما قاله ابنه من الاعتداء في الدعاء، وهو كون الإنسان يدعو بأشياء لا حاجة إليها، ويُكثر من ذكرها وتعدادها، كذكر ما للنار من الصفات، وما فيها من الأهوال، وذكر ما في الجنة وصفاتها وأحوالها، فهذا يعتبر من الاعتداء في الدعاء الذي حذر منه رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. شرح سنن أبي داود (178/ 5).
قوله في الرواية الأخرى: «اللهم إني أسألك القَّصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«أسألك القصر» قال في المجمع: القصر هو الدار الكبيرة المشيَّدة؛ لأنه يُقصَر فيه الحُرُم (النساء اللاتي يحرم على غير الزوج الدخول عليهن). مرعاة المفاتيح (2/ 118).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«عن يمين الجنة» أي: في يمينها «إذا دخلْتها» أي: الجنة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (23/ 81).
قوله: «فقال: أي بُنيَّ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال» أي: عبد الله (ابن مغفل) لابنه «أيْ» بفتح الهمزة، وسكون الياء حرف نداء ينادي القريب. مرقاة المفاتيح (2/ 416).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«بُنيَّ» مُصغَّر، تصغير شفقة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (23/ 81).
قوله: «سَلِ الله الجنة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«سَلِ الله الجنة» أمر من سأل يسأل بالألف، أو من المهموز، لكن بالنقل. مرقاة المفاتيح (2/ 416).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«سَلِ الله الجنة» أي: ينبغي لك أن تكتفي بسؤال الجنة، ولا تجاوز في السؤال عن الحد بزيادة القيود والأوصاف. مرعاة المفاتيح (2/ 118).
قوله: «وتعوذ به من النار»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: تعوذ بالله «من النار» أي: من دخول النار. مرشد ذوي الحجا والحاجة (23/ 81).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
يعني: يكفيك أنك تسأل الله الجنة، والمهم أن تدخل الجنة وأن تسلم من النار، أما أن تسأل شيئًا معينًا في الجنة، وأن يكون قصرًا أبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فهذا من الاعتداء في الدعاء. شرح سنن أبي داود (19/ 14).
وقال المظهري -رحمه الله-:
لا تسأل شيئًا معينًا من الجنة؛ لأنه ربما يكون ذلك الشيء مقدَّرًا في تقدير الله لشخص معين غيرك، فحينئذ سألت ما ليس لك، ومن سأل شيئًا ليس له فقد تعدى في الدعاء؛ لأنه طلب شيئًا ليس له، ومن سأل شيئًا أكثر من قدْره، أو سأل شيئًا ليس له إليه حاجة فقد تعدى في الدعاء. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 404).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
أنكر الصحابي على ابنه في هذه المسألة؛ لأنه طَمَح إلى ما لم يبلغه عملًا وحالًا، حيث سأل منازل الأنبياء والأولياء، وجعلها من باب الاعتداء في الدعاء، لما فيها من التجاوز عن حد الأدب، ونظر الداعي إلى نفسه بعين الكمال. الميسر في شرح مصابيح السنة (1/ 148).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وقيل: لأنه سأل شيئًا معينًا فربما كان مُقدَّرًا لغيره.
وقيل: إنكار عبد الله على ابنه من قبيل سَدِّ باب الاعتداء، فإنه لما سمع ابنه يدعو بهذا الدعاء خاف عليه أن يتجاوز عنه إلى ما فيه الاعتداء حقيقة، فنَبَّه على ذلك، وأنكر عليه؛ سدًا للباب. مرعاة المفاتيح (2/ 118).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
قلت: هذه التأويلات كلها تكلفات بعيدة، فإن القصر الأبيض لا يختص بالأنبياء، وليس هو شيئًا معينًا، والأوجه فيه أن يقال: إن إنكار عبد الله بن مغفل على ابنه من قبيل سد باب الاعتداء، فإنه -رضي الله تعالى عنه- لـمَّا سمع ابنه يدعو بهذا الدعاء خاف عليه أن يتجاوز عنه إلى ما فيه الاعتداء حقيقة، فنَبَّه على ذلك، وأنكر عليه سدا للباب، والله أعلم بالصواب. بذل المجهود (1/ 488).
قوله: «إنه سيكون في هذه الأمة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنه» أي: الشأن. مرقاة المفاتيح (2/ 416).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه أنَّ الاعتداء في الطهور والدعاء مما أُحدِث بَعد، ولم يكن موجودًا في زمانه، وقد حذَّر -صلى الله عليه وسلم- من الـمُحْدَثات بقوله: «إياكم ومحْدَثات الأمور»، ووجود هذه الخِصلة بعده عَلَمٌ مِن أعلام النبوة. شرح سنن أبي داود (1/ 647).
قوله: «قوم يعتدون في الطّهور»:
قال المظهري -رحمه الله-:
وأما التعدي في الطهور: فهو أن يغسل الأعضاء أكثر من ثلاث مرات، أو أسرف في إراقة الماء في الاستنجاء والوضوء والغسل. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 404).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
الاعتداء في الطهور: استعماله فوق الحاجة، والمبالغة في تحرِّي طهوريته حتى يُفضي به إلى الوسواس. الميسر في شرح مصابيح السنة (1/ 148).
وقال العيني -رحمه الله-:
والطهور يحتمل فيه وجهان: ضم الطاء بمعنى الفعل، ويكون المعنى: يعتدون في نفس الطهور بأن يزيدوا في أعداده، وذلك إمَّا من الإسراف وهو حرام، وإمَّا من الوسوسة وهي من الشيطان.
وفتحها بمعنى: الـمُطَهِّر، ويكون المعنى: يعتدون في الماء، بأن يُكثروا صبَّه وسَكبه. شرح أبي داود (1/ 267-267).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قوم يعتدون» أي: يتجاوزون الحدود التي أُمِروا بها من وجوب أو ندبٍ في طهور أو دعاء، وغيرهما «في الطَّهور» بفتح الطاء، وهو الماء الذي يتطهر به، فمن جاوز الثلاث في الغسلات من الوضوء والغسل فهو مُعتدٍ؛ لما روى المصنف (أبو داود) والنسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: «من زاد فقد أساءَ وظلم»، وأما الزيادة على الـمُد في الوضوء، والغسل في الصَّاع، فإن كانت الزيادة يسيرة لا تنتهي إلى السَّرَف لإسباغ الأعضاء وتعميمها، فلا بأس، وإن كانت الزيادة كثيرة من الماء، أو التراب في التيمم فهي مكروهة، وهي الإسراف والاعتداء المنهي عنه؛ لِـما روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بسعدٍ وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السَّرَف؟ " فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهرٍ جارٍ» (ضعَّفه محققو المسند والأرنؤوط والألباني). شرح سنن أبي داود (1/ 648).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
ولا يُقلِّل بحيث يقصر في استيعاب الأعضاء، ويكون فيه شيء من التقصير بسبب التقليل، وإنما يعتدل ويتوسط، فيُسبغ الوضوء ولكن بدون إسراف، فلا يزيد عن ثلاث مرات، وإلا فقد تجاوز الحدود. شرح سنن أبي داود (19/ 14).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وأخذ منه بعضهم أنه تَحرُم الزيادة على التثليث في الطهارة، بل نَقَل الدارمي في الاستذكار عن جَمْع أنه لا يصح وضوؤه، وجرى عليه ابن العربي المالكي، وشنَّع بما منه أنه تعالى قال: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} الأعراف: 55، قال: وأيُّ مصيبة أعظم من أنه يصير إلى حالة لا يحبه الله، ويكون متعديًا بالفعل الذي صار به غيره مطيعًا. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 66).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فإذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} الأعراف: 55، وعلمت أن الله يحب عبادته، أنتج لك من هذا أن وُضوء الموسوس ليس بعبادة يقبلها الله تعالى، وإنْ أسقطَت الفرض عنه، فلا تُفتح أبواب الجنة الثمانية لوضوئه يدخل من أيها شاء. إغاثة اللهفان(1/ 142).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
والحديث عام يتناول الغسل، والوضوء، وإزالة النجاسة. مرعاة المفاتيح (2/ 120).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فقه الحديث:
والحديث يدل على أن الله -عزَّ وجلَّ- يُطْلِع نبيَّه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- على ما شاء من المغيَّبات.
وعلى أن الأمة لا تضل كلها حيث قال -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-: «سيكون في هذه الأمة قوم» إلخ، ولم يقل: ستعتدى أمتي، ويؤيده قوله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» رواه الحاكم عن عمر، وصححه، وروى ابن ماجه نحوه.
وعلى أن تجاوز الحد في الوضوء والغسل وإزالة النجاسة والدعاء مذموم شرعًا كما يقع من أناس لا خلاق لهم، ويعتقدون أن ذلك الاعتداء إحكامٌ للعبادة؛ لاستحواذ الشيطان عليهم. المنهل العذب المورود (1/ 315).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قيل: فيه إرشاد إلى استدعاء الختم بالخير والإيمان، وهو غاية منتهى الخائفين. مرقاة المفاتيح (2/ 416).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وهذا فيه دليل أيضًا: على أن العبد يعبد الله -عزَّ وجلَّ- ويرجو جنته ويخاف عذابه، ويرجو رحمته ودخوله الجنة، ويخاف غضبه ودخوله النار، وليس الأمر كما تقول بعض الصوفية: إنه لا يُعبد الله رغبة في جنته ولا خوفًا من ناره، وإنما شوقًا إليه، فالإنسان يَعبد الله محبة وخوفًا ورجاءً، كل ذلك يفعله الإنسان، وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقدوتهم رسول الله -عليه الصلاة والسلام- كانوا يسألون الله الجنة، ويعوذون به من النار، وإبراهيم الخليل -عليه الصلاة والسلام- يقول: {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} الشعراء:85، فالقول: بأن الإنسان لا يعبد الله رغبة في جنته ولا خوفًا من ناره هذا غلط، بل يعبد الله محبة وخوفًا ورجاءً. شرح سنن أبي داود (19/ 14).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم الدعاء بقول: "اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك طمعًا في جنتك فاحرمني منها..".
- وهل الدعاء بنزع الرياء من القلب من الاعتداء في الدعاء ؟