الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«كان رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، إذا اشْتَكى منَّا إنسانٌ، مَسَحَهُ بيمينِهِ، ثم قال: «أَذْهِبِ الباسَ، رَبَّ النَّاسِ، واشْفِ أنتَ الشَّافي، لا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا» فلمَّا مَرِضَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وثَقُلَ، أخذتُ بيده لأصنع به نحو ما كان يصنع، فَانْتَزَعَ يده من يدي، ثم قال: «اللهم اغفر لي، واجعلني مع الرَّفِيق الأعلى» قالت: فذهبتُ أنظرُ، فإذا هو قدْ قَضَى».


رواه البخاري برقم: (5675)، ومسلم برقم: (2191)، واللفظ له، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
ولفظ البخاري: «أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، كان إذا أَتَى مريضًا، أو أُتِيَ به...».  


غريب الحديث


«اشتكى»:
الاشْتِكَاءُ إِظْهارُ مَا بِكَ مِنْ مَكْروهٍ أَو مَرَضٍ ونحوِه. لسان العرب، لابن منظور (14/ 439).

«البأس»:
‌الشدَّة على العموم ثمَّ قد تخص بهَا الحرب. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص:542).
‌‌وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
البأس: شِدة المرض، والبأس أيضًا الحرب، ومنه: كُنَّا إذا احمرّ ‌البأس. مشارق الأنوار: (1/٧٥).

«يُغَادِرُ»:
غَادَر الشيء مُغَادَرة، وغدارًا، وأَغْدَره: تركه. لسان العرب، لابن منظور (5/ 9).

«سَقَمًا»:
السَّقَامُ، والسُّقْم، والسَّقَم: المرض. لسان العرب، لابن منظور (12/ 288).

«الرفيق الأعلى»:
الرفيق: جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، وهو اسم جاء على فعيل، ومعناه: الجماعة، كالصديق والخليط يقع على الواحد والجمع، ومنه قوله تعالى {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} النساء: 69.
والرفيق: المرافق في الطريق.
وقيل: معنى «ألحقني بالرفيق الأعلى»: أي: بالله تعالى، يُقال: الله رفيق بعباده، من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل، ومنه حديث عائشة: «سمعته يقول عند موته: بل الرفيق الأعلى» وذلك أنه خُيِّرَ بين البقاء في الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله. النهاية، لابن الأثير(2/ 246).

«قضَى»:
يقال: قضى الرجل، وقضَّى: إذا مات. لسان العرب، لابن منظور (15/ 187).


شرح الحديث


قوله: «كان رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، إذا اشْتَكَى منَّا إنسانٌ»:
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«إذا اشتكى منَّا إنسانٌ» أي: إذا مرض منا نحن آل البيت رجل أو امرأة، وتألم من مرضه، ففي الرواية الخامسة: «إذا مرض أحد من أهله»، ويحتمل أنْ يُراد إذا مرض منا معشر المسلمين، ففي الرواية الثانية: «إذا عاد مريضًا»، وفي الرواية الثالثة: «إذا أتى المريض» وفي الرواية التاسعة: «كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح». فتح المنعم (8/ 571).

قوله: «مَسَحَهُ بيمينِهِ»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«مسحه» أي: النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ذلك المريض، وقيل: موضع الوجع؛ تفاؤلًا لزوال ذلك الوجع. مرعاة المفاتيح (5/ 219).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: إذا أَنَّ واحدٌ من مرضٍ وضعَ يده اليمنى على جبهته، أو على يده، أو موضع آخر، وقرأ به هذا الدعاء. المفاتيح (2/ 390).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«مسحه -صلى الله عليه وسلم- بيمينه» عند الرَّقي، دليل على جواز ذلك، وحكمته: التبرُّك باليمين، وأنَّ ذلك غاية تمكُّن الرَّاقي، فكأنَّه مد يده لأخذ المرض وإزالته. المفهم (5/ 578).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«مسحه بيمينه» أي: مسح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيمينه المريض في مكان وجعه غالبًا، وفي ملحق الرواية: «مسحه بيده» أي: اليمنى، وفي الرواية التاسعة: «قال بإصبعه هكذا» أي: وضع سبابته على الأرض، ثم رفعها، ثم وضعها على مكان المرض، ولا تعارض، فأحيانًا يفعل هذا، وأحياناً يفعل ذاك. فتح المنعم (8/ 571).

وفي لفظ البخاري: «أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، كان إذا أَتَى مريضًا، أو أُتِيَ به»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«كان إذا أتى مريضًا» يعوده «أو أُوتي به» بالمريض «إليه» -صلى الله عليه وسلم-، والشك من الراوي. إرشاد الساري (8/ 358).

قوله: «ثم قال: أَذْهِبِ الباسَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أذهِب» أمر من الإذهاب، أي: أزل. مرقاة المفاتيح (7/ 2879).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«الباس» بغير همز للمُؤاخاة، وأصله الهمز، أي: الشِّدة والعذاب. فيض القدير (5/ 86).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«الباس» أي: الضرر والمرض والألم، بقلب همزته ألفًا؛ لغرض السجع. الكوكب الوهاج (22/ 194).
وقال المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «أذهب الباس» أي: أزل شِدَّة المرض. تحفة الأحوذي (10/ 8).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أذهب الباس» أي: المرض والوجع والألم عن هذا المريض يا «رب الناس» ومالكهم. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (22/ 198).

قوله: «رَبَّ النَّاسِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«رب الناس» بحذف حرف النداء. شرح المصابيح (2/ 304).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا الدعاء «اللهم رب الناس» فيتوسل إلى الله -عزَّ وجلَّ- بربوبيته العامة، فهو الرب -سبحانه وتعالى- الخالق المالك الـمُدبِّر لجميع الأمور، فأنت -أيها المريض- تقول: خلقني الله -عزَّ وجلَّ- ولا بأس بي، ثم قدَّر عليَّ المرض، والذي قدَّر عليَّ المرض بعد الصحة قادر على أن يشفيني. شرح رياض الصالحين (4/ 479).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «أذهب الباس ربَّ الناس» فيه إشارة إلى الرُّقى والدواء، لا ينسب إليهما من إذهاب الداء شيء، إنما يُذْهِبُه اللهُ. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (27/ 328).

قوله: «واشْفِ أنتَ الشَّافي»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«واشفِ» أي: أوجد له الشفاء والعافية من مرضه وارزقه لأنك «أنت» يا رب «الشافي». الكوكب الوهاج(22/ 195).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الشفاء إزالة المرض، وبُرْءُ المريض، فيقال: «اشفِ» ولا يقال: أَشْف؛ لأن الثانية -أَشْف- بمعنى: أهلك، وأما الأولى «اشْفِ» فمعناها: البُرء من السُّم، ولهذا يقال: اللهم اشفِ فلانًا، ولا تُشفه، فالكلمتان عند العامة يظن أن معناهما واحد، ولكن بينهما هذا الفرق العظيم. شرح رياض الصالحين (4/ 479).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«الشافي» أي: أنت الإله الذي يوجد الشفاء والعافية من المرض، وفي رواية للبخاري: «اشفِ وأنت الشافي» وفي أخرى: «واشفه وأنت الشافي» بزيادة الهاء، وهي إما ضمير يعود على المريض، أو زائدة للسَّكْتِ. الكوكب الوهاج(22/ 195).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله- أيضًا:
«أنت الشافي» أي: أنت القادر على شفائه. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (22/ 198).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أنت الشافي» يؤخذ منه جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن بشرطين:
أحدهما: أن لا يكون في ذلك ما يُوْهِم نقصًا.
والثاني: أن يكون له أصل في القرآن، وهذا من ذاك، فإنَّ في القرآن {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} الشعراء: 80. فتح الباري (10/ 207).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا ابن حجر:
الحق أنه إذا ورد تسمية الله تعالى في الحديث الصحيح جاز لنا أن نسميه به، ولو لم يرد في القرآن؛ وذلك كالجميل والرفيق والشافي، ونحو ذلك، فتنبه، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (36/ 44).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أنت الشافي» ولم يقل: وأنت الـمُمْرض أدبًا، كما قيل في قوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} الشعراء: 80؛ ولـمَّا لم يفهم كل أحد هذا المعنى صرح الصديق بهذا المعنى، وقال: الذي أمرضني يشفيني. مرقاة المفاتيح (3/ 1124).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الشافي هو الله -عزَّ وجل-؛ لأنه الذي يشفي المرض، وما يُصنع من الأدوية، أو يُقرأ من الرُّقى، فما هو إلا سبب قد ينفع وقد لا ينفع، فالله هو المسبب -عزَّ وجلَّ-؛ ولهذا ربما يمرض رجلان بمرض واحد، ويداويان بدواء واحد، وعلى وصفة واحدة، فيموت هذا، ويسلم ذاك؛ لأن الأمر كله بيده الله -عزَّ وجلَّ-، فهو الشافي، وما يُصنع من أدوية، أو يُقال من رقى فهو سبب، ونحن مأمورون بذلك السبب، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تداووا، ولا تَتَدَاوَوا بالحرام»، وقال: «ما أنزل الله من دَاء إلا وأنزل له دَواء»...، والشافي هو الله، فليس الطبيب وليس الدواء هما اللذان يشفيان، بل الطبيب سبب، والدواء سبب، وإنما الشافي هو الله. شرح رياض الصالحين (4/ 479-480).

قوله: «لا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُكَ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«لا شفاء» بالمد مبني على الفتح، والخبر محذوف تقديره: لنا، أو له «إلا شفاؤك» بالرفع على أنه بدل من محل «لا شفاء». فيض القدير (5/ 86).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا شفاء إلا شفاؤك» هذا مؤكد لقوله: «أنت الشافي». مرقاة المفاتيح (3/ 1124).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
لأن تدبير الطبيب ونفع الدواء لا ينجع في المريض إذا لم يُقدِّر الله تعالى الشفاء. الكاشف عن حقائق السنن(4/ 1335).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي إن لم يصادف تقدير الله تعالى وإلا فلا يَنْجَع (فلا ينفع ولا يؤثّر). فتح الباري (10/ 207).

قوله: «شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لا يُغَادر» بالغين المعجمة، أي: لا يترك. فتح الباري (10/ 207).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: لا يترك سقمًا قليلًا ولا كثيرًا. الكوكب الوهاج (22/ 195).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«لا يُغادر سُقْمًا» أي: لا يترك مرضًا. شرح المصابيح (2/ 304).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وفائدة قوله: «لا يُغادر»: أنه قد يحصل الشفاء من ذلك المرض فيخلفه مرض آخر يتولد منه مثلًا، فكان -عليه الصلاة والسلام- يدعو للمريض بالشفاء المطلق لا بمطلق الشفاء. إرشاد الساري (8/ 358).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ومن حكمته: إظهار عجز الراقي عن الشفاء، وصحة تفويضه ذلك إلى الله تعالى؛ ولذلك قال عند ذلك: «لا شفاء إلا شفاؤك». المفهم (5/ 578).

قولها: «فلمَّا مَرِضَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وثَقُلَ»:
قال الشيخ محمد الهرري -رحمه الله-:
«فلما مرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» وجعه الذي توفي فيه، «وثقل» أي: ضعف عن تحريك أعضائه لشدة المرض. الكوكب الوهاج (22/ 195-196).

قولها: «أخذتُ بيدِهِ لِأَصْنَعَ به نَحْوَ ما كان يَصْنَعُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أخذتُ بيده» الشريفة «لأصنع به» وأفعل «نحو» أي: مثل «ما كان يصنع» بنفسه عند خِفَّة مرضه وبغيره في حال صحته من القراءة على يده، والمسح بها. الكوكب الوهاج (22/196).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وفي الحديث: استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له. مرعاة المفاتيح (5/ 220).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ومسحه -صلى الله عليه وسلم- بيمينه عند الرقي دليل على جواز ذلك، وحكمته: التَّبَرُك باليمين، وأن ذلك غاية تمكن الراقي، فكأنه مد يده لأخذ المرض وإزالته. المفهم (5/ 578).

قولها: «فانتزَع يدَهُ مِن يَدِي»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فانتزع» أي: جَذَبَ وأخذ «يده» الشريفة «من يدي» كالكاره لأخذي إياها. الكوكب الوهاج(22/ 196).
وقال السندي -رحمه الله-:
«فنزع يده» فيه دلالة على أنه مرض الموت، والمطلوب فيه المغفرة واللحوق مع الرفيق الأعلى. كفاية الحاجة(1/ 493).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فانتزع يده من يدي» وفي رواية لابن حبان: «فقال -صلى الله عليه وسلم-: ارفعي يدكِ، فإنها كانت تنفعني في الـمُدَّة». البحر المحيط الثجاج (36/ 45).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«فانتزع يده من يدي» وقع هذا في اللحظة الأخيرة من حياته -صلى الله عليه وسلم-، أما قبلها فقد روى البخاري في الطب عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّ -صلى الله عليه وسلم- كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه، بالمعوذات، فلما ثقل كنتُ أنفث عليه بهن، وأمسح بيده نفسه لبركته». منة المنعم (3/ 450-451).

قولها: «ثم قال: اللهُمَّ اغْفِرْ لي»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم» بعدما انتزع يده من يدي «قال: اللهم اغفر لي». الكوكب الوهاج (22/ 196).

قوله: «واجْعَلْنِي مع الرَّفِيقِ الأعلى»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«واجعلني» من المرافقين «مع الرفيق الأعلى» فسَّره بعض العلماء بأن المراد من الرفيق الأعلى المرافقون في المكان الأعلى، وهو الجنة، أي: اجعلني مع المرافقين في الجنة من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين، وعباد الله الصالحين. الكوكب الوهاج (22/ 196).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ظاهره: أنَّ الرفيق المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع المذكورين، وفي رواية الزهري: «في الرفيق الأعلى»، وفي رواية عباد عن عائشة بعد هذا قال: «اللهم اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق» وفي رواية ذكوان عن عائشة «فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قُبض»، وفي رواية ابن أبي مليكة عن عائشة وقال: «في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى» وهذه الأحاديث تَرُدُّ على من زعم أنَّ الرفيق تغيير من الراوي، وأن الصواب: "الرقيع" بالقاف والعين المهملة، وهو من أسماء السماء.
وقال الجوهري: الرفيق الأعلى: الجنة، ويؤيده ما وقع عند أبي إسحاق: «الرفيق الأعلى الجنة» وقيل: بل الرفيق هنا اسم جنس يشمل الواحد وما فوقه، والمراد الأنبياء ومن ذكر في الآية، وقد ختمت بقوله: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} النساء: 69.
ونكتة الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد: الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد، نبَّه عليه السهيلي.
وزعم بعض المغاربة: أنه يحتمل: أن يراد بالرفيق الأعلى: الله -عزَّ وجلَّ-؛ لأنه من أسمائه، كما أخرج أبو داود من حديث عبد الله بن مغفل رفعه: «إن الله رفيق، يحب الرفق» كذا اقتصر عليه، والحديث عند مسلم عن عائشة، فَعَزْوُه إليه أولى، قال (بعض المغاربة): والرفيق يحتمل: أن يكون صفة ذات، كالحكيم، أو صفة فعل، قال (بعض المغاربة): ويحتمل: أنْ يُراد به حضرة القدس، ويحتمل: أنْ يراد به الجماعة المذكورون في آية النساء، ومعنى كونهم رفيقًا تعاونهم على طاعة الله، وارتفاق بعضهم ببعض، وهذا الثالث هو المعتمد، وعليه اقتصر أكثر الشراح، وقد غلَّط الأزهري القول الأول، ولا وجه لتغليطه من الجهة التي غلَّطه بها، وهو قوله مع الرفيق أو في الرفيق؛ لأن تأويله على ما يليق بالله سائغ.
قال السهيلي: الحكمة في اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة كونها تتضمن التوحيد، والذكر بالقلب حتى يستفاد منه الرخصة لغيره أنه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان؛ لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع فلا يضره إذا كان قلبه عامرًا بالذكر. انتهى ملخصًا. فتح الباري (8/ 137-138).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: هذا تمني الموت الذي نهى عنه؟
قلتُ: ليس هذا من ذاك، فإن هذا بَعد أن خُيِّر بين الدنيا وبين ما عند الله.
فإنْ قلتَ: قد تمنى يوسف الصديق الموت في قوله: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} يوسف: 101، وكذا سليمان في قوله: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} النمل: 19؟
قلتُ: لم يتمن، ولكن سأل حسن العافية ، كما يقول أحدنا: اللهم أمتني على الإيمان، وتحقيقه: أنَّ الأمر لا يدل على الفور. الكوثر الجاري (9/ 249).

قوله: «قالت: فذهبتُ أنظرُ، فإذا هو قدْ قَضَى»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قالت» عائشة -رضي الله عنهما-: «فذهبتُ أنظر» إليه -صلى الله عليه وسلم-، «فإذا هو قد قضى» أي: مات، يقال: قضى فلان، أي: مات. البحر المحيط الثجاج (36/ 46).
وقال النووي -رحمه الله-:
قد نقلوا بالإجماع على جواز الرُّقى بالآيات وأذكار الله تعالى. شرح صحيح مسلم (14/ 168).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: في هذه الآثار من الفقه: أنَّ الرغبة إلى الله في عافية في الجسم أفضل للعبد، وأصلح له من الرغبة إليه في البلاء؛ وذلك أنه -عليه السلام- كان يدعو للمرضى بالشفاء من عِللهم. شرح صحيح البخاري (9/390).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد استُشكل الدُّعاء ‌للمريض ‌بالشفاء ‌مع ‌ما ‌في ‌المرض ‌من ‌كفارة الذُّنوب والثواب كما تضافرت الأحاديث بذلك، والجواب أن الدعاء عبادة، ولا ينافي الثواب والكفارة؛ لأنهما يحصلان بأول مرض وبالصبر عليه، والدَّاعي بين حسنتين: إمَّا أن يحصل له مقصوده، أو يعوض عنه بجلب نفع أو دفع ضُرٍّ، وكُل من فضل الله تعالى. تحفة الأحوذي(10/ 8).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: استحباب مسح المريض باليمين، والدعاء له، وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار، وهذا المذكور هنا من أحسنها. المنهاج شرح صحيح مسلم (14/ 180).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وفيه: دليل على جواز السجع في الدعاء والرقى إذا لم يكن مقصودًا، ولا متكلفًا. المفهم (5/ 577).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وفيه: التبرك باليمنى لفضلها على اليُسرى، وفيه معنى الفأل. التوضيح (27/ 502).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان مشروعية الرقى، واستحبابها.
ومنها: بيان استحباب الدعاء للمريض، ومسحه باليد اليمنى عند الرقية.
ومنها: بيان ما كان يصيب النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأسقام، والأمراض؛ ليرفع الله -عز وجل- بذلك درجاته. البحر المحيط الثجاج، باختصار (36/ 57-59).


إبلاغ عن خطأ