«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرُ بالبَاءة، وينهى عن التَّبتُّل نهيًا شديدًا، ويقول: تزوجوا الودُود الولود، إِني مُكاثرٌ الأنبياء يوم القيامة».
رواه أحمد برقم: (12613)، وابن حبان برقم: (4028)، والطبراني في الأوسط برقم: (5099)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
قال الألباني: صحيح، إرواء الغليل برقم: (1784).
غريب الحديث
«بالباءة»:
أراد بالباءة: النكاح والتزويج...، ويُقال: الجماع نفسه باءة، والأصل في الباءة: المنزل، ثم قيل لعقد التزويج باءة؛ لأن من تزوج امرأة بوَّأها منزلًا، والهاء في الباءة زائدة. لسان العرب، لابن منظور (1/ 36).
«التَّبتُّل»:
يعني: ترك النكاح، ومنه قيل لمريم -عليها السلام-: البكر البتول؛ لتركها التزويج، وأصل التبتل: القطع. غريب الحديث، للقاسم بن سلام (4/ 19).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«التَّبتُّل» الانقطاع عن النساء، وترك النكاح، وامرأة بتول: منقطعة عن الرجال لا شهوة لها فيهم، وبها سُميت مريم أم المسيح -عليهما السلام-، وسميت فاطمة البتول؛ لانقطاعها عن نساء زمانها فضلًا ودينًا وحسبًا، وقيل: لانقطاعها عن الدنيا إلى الله تعالى. النهاية (1/ 94).
«الودود»:
الودود: المحب. لسان العرب، لابن منظور (3/ 454)
«الولود»:
الوَلود: الكثيرة الولد. شمس العلوم، لنشوان الحميري (11/ 7285).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأَمرُ بالبَاءة»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
الباءة: كناية عن النكاح. معالم السنن (3/ 179).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «كان» يقول الأصوليون: إن "كان" إذا كان خبرها فعلًا مضارعًا فهي تدل على الدوام غالبًا، فإذا قلت: كان يفعل كذا، فهو يعني: أن هذا من شأنه غالبًا، وليس دائمًا. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 429، 430).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
الباءة الباة: من أسماء النكاح، سُمِّي به؛ لأن الرجل يتبوأ من أهله، أي: يتمكن منها، كما يتبوأ من داره. الميسر (3/ 737).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
الباءة: النكاح، مشتق من اللفظ الذي يدل على الإقامة والنزول، والباءة: المنزل، فلما كان الزوج ينزل بزوجته سمي النكاح باءة؛ لمجاز الملازمة. إحكام الأحكام (2/ 168).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«يأمر بالباءة» أي: الجماع، نكاح أو ملك بشرط. فتح العلام (ص:512).
وقال السندي -رحمه الله-:
الباءة: بالمد والهاء على الأفصح، يطلق على الجماع والعقد. كفاية الحاجة (1/ 566).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«كان يأمر بالباءة» يعني: النكاح، وهل المراد هنا العقد الشرعي أو الوطء؟ فيه احتمالان، لكن من المعلوم أن العقد لا يراد به إلا الوطء، كذا زعمه ابن بزيزة، وهو في حيز المنع، فقد يريد الرجل العقد لتصلح المرأة له شأنه، وتضبط بيته وعياله على العادة المعروفة، ولا يريد الوطء، والصواب أن المراد الوطء؛ لتصريح الأخبار بأن حثه على التزويج؛ لتكثير أمته، وذا لا يحصل بمجرد العقد، فافهم. فيض القدير (5/ 196).
قوله: «وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
«التبتل» ترك النكاح، والانقطاع عنه، يقال: رجل متبتل، وأصله البتل: القطع، ومنه قولهم في الصدقات: بَتَّة بتْلة، يريدون أنها منقطعة عن الأملاك، خارجة منها، وكان التبتل من شريعة النصارى، فأما نبينا -صلى الله عليه وسلم- فقد نهى عنه، ودعا إلى النكاح، وحض عليه؛ ليكثر النسل والعدد، ويدوم بهم الجهاد، ولا ينقطع. أعلام الحديث (3/ 1954).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ينهى عن التبتل»...سُمِّي ترك النكاح تبتلًا؛ لأن فيه انقطاعًا عن النساء إلى عبادة الله تعالى. فتح العلام (ص:512).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: إنما نهى -عليه السلام- عن التبتل والترهب؛ من أجل أنه يكاثر بأمته الأمم يوم القيامة، وأنه في الدنيا مقاتل بهم طوائف الكفار، وفي آخر الزمان يقاتلون الدجال، فأراد -عليه السلام- أن يكثر النسل. شرح صحيح البخاري (7/ 168).
وقال ابن بطال -رحمه الله- أيضًا:
خصاء بني آدم حرام؛ وذلك أن التبتل إذ كان منهيًّا عنه، ولا جناية فيه على النفس غير منعها المباح لها، فمنعها ما فيه جناية عليها بإيلامها وتعذيبها بقطع بعض الأعضاء أحرى أن يكون منهيًّا عنه، فثبت بهذا أن قطع شيء من أعضاء الإنسان من غير ضرورة تدعوه إلى ذلك حرام عليه. شرح صحيح البخاري (7/ 169).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
وعن أنس قال: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا، ويقول: تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» رواه سعيد (ابن منصور).
وهذا حث على النكاح شديد، ووعيد على تركه، يقربه إلى الوجوب، والتَّخلِّي منه إلى التحريم، ولو كان التَّخلي (لعبادة الله) أفضل لانعكس الأمر؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج، وبالغ في العدد، وفعل ذلك أصحابه، ولا يشتغل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه إلا بالأفضل، ولا تجتمع الصحابة على ترك الأفضل، والاشتغال بالأدنى، ومن العجب أن من يفضل التخلي لم يفعله، فكيف أجمعوا على النكاح في فعله، وخالفوه في فضله، أفما كان فيهم من يتبع الأفضل عنده، ويعمل بالأولى؟ ولأن مصالح النكاح أكثر، فإنه يشتمل على تحصين الدِّين وإحرازه، وتحصين المرأة وحفظها، والقيام بها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وغير ذلك من المصالح الراجح أحدها على نفل العبادة، فمجموعها أولى. المغني (7/ 5).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
ويكون ذلك التبتل المردود ما انضم إليه مع ذلك من الغلو في الدين، وتجنب النكاح وغيره، مما يدخل في باب التشديد على النفس بالإجحاف بها. إحكام الأحكام (2/ 171).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«التبتل» هو ترك النكاح، والبتول المنقطعة عن الزوج. فتح الباري (1/ 84).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الفقهاء -رحمهم الله- قسّموا النكاح إلى عدة أقسام فقالوا: إنه واجب وحرام ومكروه ومُباح ومسنون، على حسب ما تقتضيه الحال، والأصل فيه عند الفقهاء السُنِّية، ولا يجب إلا لسبب، فما هو الواجب؟ قالوا: النكاح الواجب هو الذي يكون على من يخاف الزنا بتركه...، لأن فيه وقاية من الوقوع في الحرام، والحرام واجب الاجتناب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب....
الثاني: ويكون حرامًا إذا كان في دار الحرب، يعني: مثلًا لو أننا كنا نقاتل الكفار ونحن في بلادهم فإن النكاح هنا يحرم؛ لأنه يخشى من استرقاق الولد ربما يستولي الكفار على المسلمين ويسبوا ذريتهم فيسترقون أولادهم، وما لا يتم دفع الحرام إلا به فهو واجب، إذن فاجتناب النكاح واجب لكن قالوا: إذا كانت هناك ضرورة بأن خاف الزنا بتركه فإنه يجوز.
الثالث: ويكره لإنسان فقير ليس له شهوة، لماذا؟ لأن هذا الزواج لا يستفيد منه إلا الإرهاق، يرهق نفسه بالإنفاق على زوجته ورعايتها، وهذا لا شك أنه شاق لا داعي له ما دام الرجل ليس فيه شهوة فلا حاجة للتزوج.
الرابع: المباح، ويكون لإنسان له شهوة ولكن لا مال له، فهنا نقول: يُباح لك النكاح من غير وجوب أو استحباب، وذلك لأنك غير قادر على الباءة، فإذا تزوجت فهذا مُباح، لكنه ليس مستحبًا بل هُوَ من باب المباح، وكذلك الإنسان الذي عنده مال وليس له شهوة فالنكاح في حقه من قسم المباح؛ لأنه ليس فيه ما يدعو إلى النكاح، لكن إذا تزوج صار فيه مصلحة، فالزوجة تخدمه وهو أيضًا يعف الزوجة ويحصل فيه مصالح.
الخامس: المسنون، وهو الأصل؛ ولذلك نجد أن الأحكام الأربعة الأخرى كلها تحتاج إلى سبب يحولها من الاستحباب إلى الوجوب أو التحريم أو الكراهة أو الإباحة. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 422).
قوله: «ويقول: تزوجوا الودود»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«الودود» التي تشتد محبتها للزوج، ويشترك في هذا الوزن المذكر والمؤنث...، يعني: تزوجوا امرأة تعرفون كونها شديدة المحبة لزوجها؛ لأن المرأة إذا اشتدت محبتها لزوجها تلاعب زوجها، وتطيب نفسها، فيكثر جريان الوطء بينهما، ويكثر الأولاد بينهما، وإذا كثر الأولاد تكثر أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-. المفاتيح (4/ 15).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الودود، أي: المتحببة إلى زوجها بلطف أخلاقها وخدمتها. التنوير (5/ 35).
وقال السندي -رحمه الله-:
«الودود» أي: كثرة المحبة للزوج، كأنَّ المراد بها البكر، أو يُعرف ذلك بحال قرابتها. فتح الودود (2/ 455).
قوله: «الولود»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«الولود» التي تكثر ولادتها. المفاتيح (4/ 15).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«الولود» أي: التي تلد، ويعرف كون البكر ولودًا بأقاربها «الودود» أي: المحبة لمعارفها. فتح العلام (ص:512).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«الولود» أي: من هي مظنة الولادة، وهي: الشابة. التيسير (1/ 447).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وإنما أتى بالقيدين؛ لأن الولود إذا لم تكن ودودًا لم يرغب الزوج فيها، والودود إذا لم تكن ولودًا لم يحصل المطلوب. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2263).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «تزوجوا الودود الولود» فإن قلت: كيف تُعرف هاتان الصفتان في الأبكار؟ قلنا: يعرف من أقاربهن؛ لأن الغالب سراية طباع الأقارب من بعضهن إلى بعض. لمعات التنقيح (6/ 15).
قوله: «إني مكاثر الأنبياء يوم القيامة»:
قال المظهري -رحمه الله-:
المكاثرة: المفاخرة بكثرة الأتباع والأهل، يعني: أفاخر الأنبياء بكثرة أمتي، وأقول: أنا أكثر الأنبياء أمة. المفاتيح (4/ 15).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
والمكاثرة المغالبة، يقال: كاثرته فكَثَرْته، أي: غلبته بأن زدت عليه في الكثرة. فتح العلام (ص:512).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله- أيضًا:
في هذا الحديث: الأمر بالنكاح، وهو سنة لمن تاقت نفسه إليه، ووجد أهبته.
وفيه: النهي عن التبتل، وهو محمول -أخذًا مما مر- على كراهة التنزيه للتائق الواجد للأهبة.
وفيه: طلب نكاح مَن وُصِفت بكونها ولودًا ودودًا، والكلام على ذلك مستوفى في كتب الفقه. فتح العلام (ص:513).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفيه: جوازها (أي: المكاثرة والمفاخرة) في الدار الآخرة، ووجه ذلك أنَّ مَن أمته أكثر، فثوابه أكثر؛ لأن له مثل أجر من تبعه. سبل السلام (2/ 162).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد الحديث: أن الأوامر والنواهي تتفاضل، فبعضها أوكد من بعض، يعني: بعض المنهيات أو بعض المأمورات أوكد من بعض؛ لقوله: «ينهى نهيًا شديدًا»، وقد عرفتم أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، والصغائر تتفاوت، وكذلك الكبائر تتفاوت.
ومن فوائد الحديث: مشروعية انتقاء المرأة الودود الولود....
ومن فوائد الحديث: أنه كلما كانت المرأة أقوى ودًّا للرجل كان ذلك أسعد للحياة، ويؤيد هذا قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} الروم: 21؛ لتقوي ذلك السكون وهو كذلك، ووجهه: أن المودة محلها القلب، والقلب مدبر الأعضاء، فإذا صلح صلحت، وإذا فسد فسدت، وإذا أحب أحبت، وإذا كره كرهت، فهو المدبر، فإذا ألقى الله الود بين المرأة وزوجها، حصل لهما من الألفة والسعادة ما لا يحصل لو كان الأمر بالعكس. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 431).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث:
من فوائد كثرة النسل: تحقيق مباهاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومكاثرته بأمته الأنبياء يوم القيامة، فهي مفخرة كبيرة، ومباهاة عظيمة..
(وفيه): الدين الإسلامي دين حركة وعمل، وليس دين عزلة وانقطاع وبعد عن معترك الحياة، على ألا تطغى أعمال الدنيا على أعمال الآخرة، وعلى أن تكون أعمال الدنيا مقصودًا بها رفعة الإسلام وعزه، والنفع المتعدي، فإن الإسلام دين ودولة، وليس يقتصر على العبادات، ثم إن أعمال الدنيا وعاداتها إذا قصد بها الإصلاح والنفع العام أو الخاص أصبحت عبادات.
فيه: دليل على أن المسارعة إلى فعل الخير، والتسابق إليه، والتنافس فيه، لا يعد من الرياء المذموم، ما دام العبد يقصد وجه الله تعالى والدار الآخرة. توضيح الأحكام (5/ 221 - 223).
وقال الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان -حفظه الله-:
في الحديث دليل على أن العمل على تحديد النسل المسمى تضليلًا تنظيم النسل، ليس من هدي الإسلام، ولا من تعاليمه، بل هو كيد للإسلام وأهله بتقليل عدد المسلمين، وإضعاف كيانهم؛ ليقوى عدوهم على السيطرة على بلادهم، واستعمار أهلها، والتمتع بثروات البلاد الإسلامية وخيراتها، كما أن في الأخذ بهذه النظرية ضربًا من أعمال الجاهلية، وسوء ظن بالله تعالى، والمراد بذلك ما يمنع الحمل منعًا مستمرًّا بحيث يقل النسل، وهذا خلاف مقصود الشارع من تكثير الأمة، وأما منعه منعًا مؤقتًا كأن تكون الأم كثيرة الحمل، والحمل يتعبها، فتحب أن تنظم حملها كل سنتين مرة أو نحو ذلك، فهذا جائز إذا أذن به الزوج، ولم يكن به ضرر عليها، ودليل ذلك أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يعزلون عن نسائهم. منحة العلام (7/ 182).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- حكم الزواج من المرأة العقيم.
- فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- تعالى في حكم الزواج من المرأة العقيم>