الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«‌لا ‌جَلَبَ ‌ولا ‌جَنَبَ، ‌ولا ‌تُؤْخذ ‌صدقاتُهم ‌إلا ‌في ‌دُورِهم».


رواه أحمد برقم: (7024)، وأبو داود برقم: (1591)، وابن خزيمة برقم: (2280)، والبيهقي في الكبرى برقم: (7360)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (7484)، صحيح سنن أبي داود برقم: (1417).


غريب الحديث


«لا جَلَب ولا جَنَب»:
الجَلَب: بمعنى الجلبة وهي التصويت.
والجَنَب: مصدر، جنب الفرس إذا اتخذه جنيبة.
والمعنى فيهما في السباق: أن يتبع فرسه رجلًا يجلب عليه ويزجره، وأن يجنب إلى فرسه فرسًا عريًّا، فإذا شارف الغاية انتقل إليه؛ لأنه أودع فسبق عليه.
وقيل، الجلب في الصدقة: أي: يجلبوا إلى الـمُصدِّق أنعامهم في موضع ينزله، فنهى عنه؛ إيجابًا لتصديقها في أفنيتهم. الفائق في غريب الحديث للزمخشري(1/ 224).


شرح الحديث


قوله: «‌لا ‌جَلَب ‌ولا ‌جَنَب»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
الجلَبُ يُفسَّر تفسيرين: يقال: إنه في رهان الخيل، وهو أن يَجلِب عليها عند الركض، ويقال: هو في الماشية، يقول: لا ينبغي للمُصدِّق أن يُقيم بموضِع ثم يُرسل إلى أهل المياه فيَجلبوا إليه مواشيهم فيُصدِّقها، ولكن ليأتهم على مياههم حتى يُصدِّقهم هناك.
وأما الجَنَب فتفسيره أيضًا على وجهين: أحدهما: أن يكون في الصدقة، وهو أن أصحاب الأموال لا يُجنِبون على مواضعهم، أي: لا يَبعُدون عنها حتى يحتاج المصدِّق إلى أن يتبعهم ويُمعِن في طلبهم.
وقيل: إن الجَنَب في الرهان، وهو: أن يركب فرسًا فيُركِضه وقد أجنَبَ معه فرسًا آخر، فإذا قارب الغاية ركبه وهو جامٌّ فيسبق صاحبَه. معالم السنن (2/ 40).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
(الجَلب) بسكون اللام وفتحها: تعب الحيوان وسوقها من موضع إلى آخر، ومنه: الجَلَّاب (الذي: يجلب الـمِيرَة والمتاع إلى الـمُدن)، والمراد به ها هنا: ألا يأتي الساعي القومَ ويأمرهم بجلب النَّعَم إليه، ليَعُدَّه ويميز عنه الصدقة؛ فيَشُق عليهم.
والجَنَب: سوق الدابة إثر أخرى، ومنه: الجَنبة (بسكون النون وفتحها: الناحية)، والمراد به: أن يذهب أرباب المواشي بها، ويُجنِّبوا عن مواضعهم المعهودة؛ ليشق على الساعي تتبعهم، نهى الساعي أن يكلِّف أربابَ المواشي سوقَ النَّعَم عن منازلهم إليه، ونهاهم أن يجتنبوا عن محالهم المتعارفة؛ فرارًا عن الساعي، فيتعبوه في الطلب، وأخرج النهي في صورة النفي؛ تأكيدًا. تحفة الأبرار (1/ 460).

قوله: «‌ولا ‌تُؤخذُ ‌صدقاتُهُم إلا في دُورِهِم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا تؤخذ» بالتأنيث، وتُذكَّر «صدقاتهم إلا في دورهم» أي: منازلهم وأماكنهم ومياههم وقبائلهم. مرقاة المفاتيح (4/ 1274).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «‌ولا ‌تؤخذ ‌صدقاتهم ‌إلا ‌في ‌دُورهم» على سبيل الحصر؛ لأنه كنَّى به عنهما (أي: الجلَب والجَنب)؛ فإنّ أخذ الصدقة في دُورهم لازم لعدم بُعد الساعي عنها، فيُجلب إليه، ولعدم بُعد المزكي؛ فإنه إذا بَعُد عنها لم يؤخذ فيها. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1483).
وقال الطيبي -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «ولا تُؤخذ صدقاتهم» لو جُعلت الواو كما في قولك: جاء زيد وذهب عمرو، ينبغي أن يُفسَّر: «لا جلب ولا جنب» بما يغايره من السباق في الخيل؛ فإن الجلب حينئذٍ بمعنى الصوت والزجر ليزيد في شأنه، والجنب بمعنى جانب فرس آخر في جنب فرسه.
ولو جُعلت كما في قولك: أعجبني زيد وكرَمُه، يجب أن يفسَّر بما يقع مبينًا له، فالجلب هو أن ينزل الساعي موضعًا ويبعث إلى أرباب المواشي ليَجلبوا إليه مواشيهم، فيأخذ صدقاتهم، والجنب هو أن يَبعد أربابُ المواشي عن مواضيعهم فيَشق على المصدِّق طلبُهم، ولو جُعل الواو كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ} النمل: 15، لم يبعُد، فيجعل قوله: «لا تؤخذ صدقاتهم» مسببًا عن قوله: «لا جلب ولا جنب» بأن يخبر عن الأمرين، ويفوّض الترتيب إلى الذهن، والله أعلم. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2480).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
هذا الحديث يدل على أنه لا يجب على أرباب الأموال حمل الزكاة إلى الإمام بأنفسهم، بل يبعث الإمام السعاة لأخذها، وقال بعض العلماء: يجب الحمل، ويمنعه قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} التوبة: 103. الأزهار مخطوط لوح (253).
وقال المغربي -رحمه الله-:
في الحديث دلالة على أنّ المصدِّق هو الذي يأتي إلى رَبِّ المال، فيأخذ صدقته من المحل الذي يكون فيه المال. البدر التمام (4/ 302).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد هذا الحديث:
1. مشروعية بعث السُعاة لقبض الزكاة.
2. ومنها أيضًا: أنَّ الواجب على العامل أنْ يذهب بنفسه إلى بلاد من عليهم الزكاة ليجلبها.
3. ومنها: مراعاة التيسير على أهل الزكاة، وجهه: أنه يذهب إليهم، وهذا من التيسير؛ لأن المزكِّي في الحقيقة قد أخذ منه الزكاة، فإذا أخذ منه وكلِّف أن يسافر بذلك صار في هذا نوع من المشقة عليه وثقلت، ثم لو طلب منه أن يأتي بها هو فربما يتأخر ويتكاسل، فإذا ذهب الساعي إليه أخذ منه الزكاة. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 38).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فقه الحديث:
1. دلَّ الحديث على أنه لا يجوز لكل من العامل والمالك أن يفعل ما فيه مشقة على الآخر.
2. وعلى أنه لا يجوز إلحاق الضرر بالدواب.
3. وعلى أنه لا يجوز لأحد المتسابقين أن يفعل ما فيه غبن لصاحبه (على أحد التفسيرين لرواية: «ولا جَنَبَ»). المنهل العذب المورود (9/ 195).


إبلاغ عن خطأ