«أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- دخلَ عليها، فَدَعَا بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ، ثم ناوَلها فَشَرِبَتْ، فقالتْ: يا رسولَ الله، أَمَا إنِّي كنت صائمةً، فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «الصائمُ المتطوِّع أميرُ نفسه، إنْ شاءَ صامَ، وإن شاء أَفْطر».
رواه أحمد برقم: (26893) واللفظ له، والترمذي برقم: (732)، والحاكم برقم: (1599)، والنسائي في الكبرى برقم: (3288)، والدارمي برقم: (1777)، من حديث جعدة عن أم هانئ -رضي الله عنها-.
ولفظ الترمذي: «أمين نفسه».
صحيح الجامع برقم: (3854).
غريب الحديث
«المُتطوِّع»:
أصلُ الـمُطَّوِّع: الـمُتَطَوِّع، فأدْغِمَت التاءُ في الطَّاءِ، وهو: الذي يَفْعَلُ الشَّيءَ تبرُّعًا مِن نفسِهِ، وهو تفعُّل مِن الطَّاعة. النهاية، لابن الأثير (3/ 142).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- دخلَ عليها، فَدَعَا بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ، ثم ناولها فَشَرِبَتْ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، أمَا إنِّي كنتُ صائمةً»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقالت: يا رسول الله، أمَا» بالتخفيف للتنبيه «إني كنتُ صائمةً». مرقاة المفاتيح (4/ 1433).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
«وكُنتُ صائمةً» أي: فما الحكم؟ مرقاة المفاتيح (4/ 1432).
قوله: «فقالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «الصَّائمُ المتطوِّع أميرُ نفسِهِ، إنْ شاءَ صامَ، وإنْ شاءَ أَفطرَ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «الصائم المتطوع أمير نفسه» يفهم أنَّ الصائم غير المتطوع لا تخيير له؛ لأنه مأمور مجبور عليه. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1619)
وقال أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-:
قد روي: «أمين نفسه» (كما في لفظ الترمذي وغيره) رويناه من طريق الدارقطني وغيره، وإنما جعله أمينًا لأن الشرع فوَّض إليه ذلك، ولم يلزمه إياه إلزامًا، وهو مذهب أكثر العلماء. سراج المريدين (3/ 261).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
روي هذا الحديث من غير وجه واحد عن شعبة، وفي سائرها: «أمير أو: أمين نفسه» على الشك، ورواه أبو داود: «أمين نفسه» بالنون من غير تردد، ووجه قوله: «أمير» بالراء مُبيَّن بما بعده من الحديث، وأما وجهه بالنون فهو: أن الأمين إذا كان أمين نفسه فله أن يتصرف في أمانة نفسه على ما يشاء، وإذا كان أمين غيره فليس له ذلك، فالصائم من الفريضة وما وجب عليه إذا أفطر من فريضة فقد خان أمانة الله، والمتطوع في فسحة من ذلك غير منسوب إلى الخيانة، وقد استدل مَن لا يرى القضاء على المتطوع بهذا الحديث، وبقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أم هانئ أيضًا: «فلا يضرك إن كان تطوعًا»، ويدل قوله: «إن شاء صام، وإن شاء أفطر» على أن له أن يفطر؛ نظرًا إلى ما يبدو له من الأمور التي ائتمن عليها، كالذي يضيف قومًا، أو ينزل بقوم وهو يحبون أن يُفطِر، ويرى هو في ترك الإفطار استيحاشًا من جانب صاحبه؛ فله أن يساعده على ما يؤنسه من غير حرج وتَبِعة، وهو أمينٌ على نفسه فيما يراه راعيًا شرائط الأمانة فيما يتوخاه، وهذا معنى قوله: «لا يضرك» وليس في أحد القولين دليل على أن القضاء واجب عليه بعد الإلزام. الميسر (2/ 479).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الصائم» أريد به الجنس «المتطوع» احتراز من المفترض أداء وقضاء «أمير نفسه» أي: حاكمها ابتداءً، وفي رواية: «أمين نفسه» بالنون بدلًا من الراء...
«إن شاء صام» أي: نوى الصيام «وإن شاء أفطر» أي: اختار الإفطار، أو معناه: أمير لنفسه بعد دخوله في الصوم، إن شاء صام أي: أتم صومه، وإن شاء أفطر، إما بعذر أو بغيره. مرقاة المفاتيح (4/ 1433).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«الصائم المتطوع أمير نفسه» وفي رواية: «أمين نفسه»، «إن شاء صام، وإن شاء أفطر» فلا يلزمه بالشروع فيه، ولا يقضيه إن أفطر، وبه قال الأكثر، وقال أبو حنيفة: يلزمه إتمامه. التيسير (2/ 102).
وقال السندي -رحمه الله-:
أما رواية: «أمين نفسه» بالنون، فيحتمل أنْ يُراد به: أنه حافظٌ على نفسه، عالمٌ بها بمشيئة نفسه، فليراع مشيئة نفسه، وهذا المعنى بعيد على ظاهر مقتضى الأمانة، ويحتمل أنَّ المعنى: أنه حافظٌ على نفسه في إتمام هذا الصوم محسوب عليه، فحينئذٍ قوله: «إن شاء صام...» إلخ، ليس للتخيير بين الصوم والإفطار، بل يكون للتلويح على الإفطار، مثل قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} الكهف:29، ويحتمل أن المعنى: أنه حافظٌ على نفسه هذا الصوم، إما بالأداء أو بالقضاء، فله أن يصوم، وله أن يفطر بعد ذلك، فإن صام فقد أدى حق الصوم، وإلا فعليه القضاء مراعاة للأمانة. الحاشية على سنن الترمذي (1/ 628).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم: أن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء عليه، إلا أن يُحِب أن يقضيه، وهو قول سفيان الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي. سنن الترمذي (3/ 101).
وقال البغوي -رحمه الله-:
الحديث يدل على أن المتطوع بالصوم إذا أفطر لا قضاء عليه إلا أن يشاء، وكذلك المتطوع بالصلاة إذا أبطلها، وهو قول عمر وابن عباس وجابر، وإليه ذهب الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال أصحاب الرأي: يلزمه القضاء، وقال مالك: إنْ أفطر أو خرج من الصلاة من غير علة يلزمه القضاء. شرح السنة (6/ 372).
وقال صفي الدين الهندي -رحمه الله-:
المندوب لا يلزم بالشروع إلا في الحج، وخلاف الحنفية فيه مشهور. نهاية الوصول (2/ 646).
وقال الشيخ سليمان بن محمد اللهيميد -حفظه الله-:
فائدة: لكن هؤلاء (من هؤلاء؟) اتفقوا على استحباب إتمامه. شرح بلوغ المرام (2/ 198).