الخميس 6 ذو القعدة 1447 | 2026-04-23

A a

«لا تزول قَدَم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عُمره فيم أفْنَاه، وعن شَبَابه فِيم أَبْلَاه، وماله من أين اكتسبه وفِيْمَ أنفقه، وماذا عمل فيما عَلِم».


رواه الترمذي برقم: (2416)، من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
ورواه الترمذي -أيضًا-برقم: (2417)، والدارمي في سننه برقم: (554)، من حديث أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- بلفظ: «...وعن جسمه فِيم أَبْلَاه».
صحيح الجامع برقم: (7299)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (946) وصحيح الترغيب والترهيب برقم: (126).


غريب الحديث


«أَفْنَاه»:
فنِيَ المال يَفْنَى: من باب تعب، فناءً، وكل مخلوق صائر إلى الفناء. المصباح المنير، للفيومي (2/ 482).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
الفناء: نقيض البقاء. لسان العرب (15/ 164).

«أبلاه»:
بَلِيَ الثوب يَبْلَى من باب تعب: بَلِي بالكسر والقصر، وبلَاء بالفتح والمد: خَلِقَ، فهو بَال، وبَلِيَ الميت أفنته الأرض. المصباح المنير، للفيومي (1/ 62).


شرح الحديث


قوله: «لا تزول قَدَمَ ابن آدم يوم القيامة من عند ربه»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«لا تزول قدمَا عبد» أي: من موقفه للحساب إلى جنة أو نار. دليل الفالحين (4/ 300).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«عبد» هنا: يراد به العموم؛ لأنه نكرة في سياق النفي، لكنه مُخصَّص بمن لا حساب عليه. المفهم (7/ 158).

قوله: «حتى يُسأل عن خمس»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«حتى يُسأل» بالبناء للمفعول. دليل الفالحين (4/ 300).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يُسأل عن خمس» أي: خمسة أحوال، تُذكَّر وتؤنث. مرقاة المفاتيح (8/ 3254).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
إنما أنثه بتأويل الخصال، والمراد بالخصال ها هنا ما يحصل للرجل. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3295).

قوله: «عن عمره فيم أفناه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«عن عمره» بضمتين، ويُسكَّن الميم، أي: عن مدة أجله. مرقاة المفاتيح (8/ 3254).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
أي: حياته وبقائه في الدنيا. دليل الفالحين (4/ 300).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فيما أفناه» أي: صرفه. مرقاة المفاتيح (8/ 3254).
وقال فيصل بن مبارك -رحمه الله-:
«فيما أفناه» أفي طاعة أم معصية؟. تطريز رياض الصالحين (ص: 275).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فيما أفناهُ» (كما في لفظ بإثبات الألف) في طاعة أم معصية، فـ«ما» استفهامية فيه، وفيما بعده، وإثبات ألفها مع كونها مجرورة قليل والكثير حذفها. دليل الفالحين (4/ 300).

قوله: «وعن شبابه فيم أبْلاه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وعن شبابه» أي: قوته في وسط عمره «فيما أبلاه». مرقاة المفاتيح (8/ 3254).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فيما أبلاه» كأنه من بَلِيَ الثوب وأَبْلَاه، كأن الشباب في قوته كالثوب الجديد، فلمَّا ولى الشباب وضعف البدن فكأنما بَلِيَ. لمعات التنقيح (8/ 431).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فيما أَبلاه» أي: ضيعه، وفيه تخصيص بعد تعميم، وإشارة إلى المسامحة في طرفيه من حال صغره وكبره. مرقاة المفاتيح (8/ 3254).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
وإنما ذكر شبابه بعد ذكر عمره؛ لأنه الزمان الذي يتمكن فيه على أقوى العبادات. شرح المصابيح (5/ 405).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فإن قلتَ: هذا داخل في الخصلة الأولى فما وجهه؟
قلتُ: المراد سؤاله عن قوته وزمانه الذي يتمكن منه على أقوى العبادة. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3296).

قوله: «وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«وعن ماله من أين اكتسبه» أمن حلال ذلك أو حرام؟ دليل الفالحين (4/ 301).
وقال فيصل بن مبارك -رحمه الله-:
«وفيما أنفقه» أفي البر والمعروف، أو الإسراف والتبذير؟ تطريز رياض الصالحين (ص: 275).

قوله: «وماذا عمِل فيما عَلِم» وفي رواية: «وعن عِلمه فيم فعل»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
أي: لوجه الله تعالى خالصًا فيثاب عليه، أو رياء وسمعة، فيعاقب عليه إن شاء الله تعالى. دليل الفالحين (4/ 300).
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وماذا عمل فيما علِم؟» ولعل العدول عن الأسلوب؛ للتفنن في العبارة المؤدية للمطلوب. مرقاة المفاتيح (8/ 3254).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
إنما غير السؤال في الخصلة الخامسة حيث لم يقل: عن علمه ماذا عمل به؟؛ لأنها أهم شيء وأولاه، وفيه: إيذان بأن العلم مقدمة العمل وهو لا يعتد به لولا العمل. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3296).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-متعقبًا:
وأما ما ذكره الطيبي -رحمه الله-... غير ظاهر، نعم يمكن أن يكون نُكتة لختم الخصال بها ترقيًا، ثم قال: وفيه إيذان بأن العلم مقدمة العمل، وهو لا يعتد به لولا العمل اهـ. وهو غير صحيح بإطلاقه، وإنما يصلح هذا في العلم بالفروع الدنيوية، وأما العلم بذات الله تعالى وصفاته ومعرفة كتابه وآياته ونحو ذلك من الأصول الدينية، فأشرف العلوم، وأفضلها، وألطفها، وأكملها؛ ولذا قال الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير -قُدِّس سِره-، لأبي علي بن سينا -سامحه الله تعالى-: ما تعلم علمًا ينتقل معك لانتقالك، وفيه إشارة إلى ما ورد من أن أهل الجنة فيها يحتاجون إلى العلماء أيضًا، هذا وفي حديثٍ رواه ابن عساكر، عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-: «كيف أنت يا عُوَيْمِر إذا قيل لك يوم القيامة: أعلمت أم جهلت؟ فإن قلتَ: علمتُ، قيل لك: فماذا عملت فيما علمت؟ وإن قلتَ: جهلتُ، قيل لك: فما كان عذرك فيما جهلت ألا تَعَلَّمت»، ومع هذا رُوي: «ويل للجاهل مرة، وويل للعالم سبع مرات»، وفي حديث صحيح: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه». مرقاة المفاتيح (8/ 3254).

قوله: «وعن جسمه فيم أبْلاهُ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«وعن جسمه فيما أبلاه» في طاعة مولاه أم في سواه. دليل الفالحين (4/ 301).
وقال الشيخ أحمد حطيبة -حفظه الله-:
«وعن جسمه فيم أبلاه» أي: يسأل عن قوته وشبابه وقُدرته فيم أبلاهن؟ هل في طاعة الله -عزَّ وجلَّ- وعبادته في الصلاة والصوم؟ هل أخرج عرقه في طاعة الله سبحانه؟ أم أنه ضيع ذلك في المعاصي، وأتلف بدنه فيما يسُمُّه ويفسده ويتلفه ويهلكه؟. شرح رياض الصالحين (26/ 5).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ظاهره (أي: الحديث): أنه يُسأل عن هذه الأربع (كما في لفظ) مجملة كما نطق بها، وليس كذلك، بل يسأل عن آحاد كل نوع منها، فيسأل عن أزمانه من وقت تكليفه زمانًا زمانًا، وعما عمل، عملًا عملًا، وعن معلوماته، وما عمل بها واحدًا واحدًا، وهكذا في سائرها تعيينًا، وتعديدًا وتفصيلًا، والدليل على ذلك قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} الزلزلة: 7-8، وقالوا: {يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} الكهف: 49، وقوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} الأنبياء: 47. المفهم (7/ 159).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
ويستثنى من ذلك الأنبياء، وبعض صالحي المؤمنين، كالذين يدخلون الجنة بغير حساب. دليل الفالحين (4/ 301).
وقال ابن حجر –رحمه الله-:
تنبيه: هذه الأحاديث (في الذين يدخلون الجنة بغير حساب) تخص عموم الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي برزة الأسلمي، رفعه: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن علمه فيما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه»، وله شاهد عن ابن مسعود عند الترمذي، وعن معاذ بن جبل عند الطبراني، قال القرطبي: عموم الحديث واضح؛ لأنه نكرة في سياق النفي، لكنه مخصوص بمن يدخل الجنة بغير حساب، وبمن يدخل النار من أول وهْلَة على ما دلَّ عليه قوله تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ...} الآية، الرحمن : 41، قلت: وفي سياق حديث أبي برزة إشارة إلى الخصوص، وذلك أنه ليس كُل أحدٍ عنده عِلم يُسأل عنه، وكذا المال فهو مخصوص بمن له عِلم، وبمن له مال دون من لا مال له، ومن لا علم له، وأما السؤال عن الجسد والعمر فعام، ويخص من المسؤولين من ذكر، والله أعلم. فتح الباري (11/ 414).


إبلاغ عن خطأ