السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«‌إذا ‌كنتم ثلاثة فلا ‌يتناجى رجلان ‌دون ‌الآخر ‌حتى ‌تَخْتَلِطوا ‌بالناس؛ ‌من ‌أَجل ‌أن ‌يُحْزِنَه».


رواه البخاري برقم: (6290)، ومسلم برقم: (2184) واللفظ له، من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
ولفظ البخاري: «‌‌أَجْلَ ‌أن ‌يُحْزِنَه»، بدون «مِن».


غريب الحديث


«يتناجى»:
التَّناجي: كلام في سرٍّ يكون بين اثنين وأكثر، وهو من النجوة: وهي المكان المرتفع، كأن المتناجِيَيْن بانفرادهما عن الجماعة الباقين ارتفعا عنهما. كشف المشكل، لابن الجوزي (1/ 298).


شرح الحديث


قوله: «إذا كنتم ثلاثة»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إذا كنتم ثلاثة» فإنها (أي: كان) فيها ناقصة بمعنى: صرتم ثلاثة. المفهم (5/ 524).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «إذا كنتم ثلاثة» أي: في المصاحبة سفرًا أو حضرًا. مرقاة المفاتيح (7/ 3110).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «إذا كنتم» أي: الجلساء أو الخلطاء؛ لدلالة السياق «ثلاثة». التنوير (2/ 194).

قوله: «فلا يَتناجَى رَجلانِ دونَ الآخَرِ»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
«فلا يتناجَى» نفي، بمعنى النهي، للحُرمة، وفي رواية: «لايَنْتَجي». الأزهار (422).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أي: لا يتسارّ اثنان ويتركا صاحبهما. شرح صحيح البخاري (9/ 62).
وقال ابن عبد البَر -رحمه الله-:
لِعِظَم حرمة المؤمن «إذا كان ثلاثة فلا ‌يتناجى اثنان دون واحد» قال نافع -رحمه الله-: فربما كان لعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- حاجة ومعه رجلان إلى أحدهما، فلا يكلمه حتى يأتي رابع، فإذا جاء قال: «شأنك وصاحبك؛ فإن لي إلى صاحبي هذا حاجة» قال أبو عمر (ابن عبد البر): هذا لئلا يظن به أنه ينال منه، أو يتكلم فيه، وهو معنى حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-: «فإن ذلك يُحزِنه». التمهيد (15/ 290).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: لا يتكلمان بالسِّر «دون الآخر»؛ لأنه رُبَّما يتوهم أنَّ نجواهما لأجل قصدهما له بِشَر. شرح المصابيح (5/ 298).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «فلا ‌يتناجى» من المناجاة بالجيم أي: يتسارّا «اثنان دون» أي: متجاوزين عنه، ويأتي تعليله بأن ذلك ‌يُحزنه، ومفهوم العدد مراد هنا؛ لأنه إذا كان معه غيرهما فإنه لا ‌يُحزنه تناجيهما؛ لأن عنده من يخاطبه ولا ‌يحزنه إلا تجردهما عنه؛ لأنه يفهمه أنه ممن يُطوى عنه الأسرار، أو أن التناجي فيما يضره. التنوير (2/ 194).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «دون الآخر» لأن الواحد إذا بقي فردًا وتناجى اثنان حَزِن لذلك إذا لم يساراه فيها؛ ولأنه قد يقع في نفسه أنَّ سِرَّهما في مَضرَّته. عمدة القاري (22/ 269).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
والنهي على سبيل التحريم، بدليل تعليله بقوله: «من أجل أن ذلك ‌يحزنه» بفتح أوله وثالثه، وبضم أوله، وكسر ثالثه، ومن المعلوم أن ذلك إيذاء له، والله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} الأحزاب: 58. دليل الفالحين (8/ 438).
وقال ابنُ حبان -رحمه الله-:
قال أبو صالح (ذكوان): فقلت لابن عمر -رضي الله عنه-: فأربعة؟ قال: لا يضرك. صحيح ابن حبان (3/ 247).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
روى أشهب عن مالك أنه قال: «لا ‌يتناجى ثلاثة...» لأنه قد نهى أن يُترك واحدٌ، قال: ولا أرى ذلك ولو كانوا عشرةً أن يتركوا واحدًا. شرح صحيح البخاري (9/ 64).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
يستوي في ذلك كلُّ الأعداد، فلا يتناجى أربعةٌ دون واحد، ولا عشرةٌ، ولا ألفٌ مثلًا؛ لوجود ذلك المعنى في حقه، بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون بالمنع أولى، وإنما خص الثلاثة بالذكر؛ لأنه أول عدد يتأتى فيه ذلك المعنى. المفهم (5/ 524).
وقال البغوي -رحمه الله-:
وقد صح عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «إنّا كنّا أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- عنده، فأقبلت فاطمة، فلما رآها رحّب، ثم سارّها» ففيه: دليلٌ على أن المسارّة في الجمع، وحيثُ لا رِيبة جائزةٌ، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. شرح السنة (13/ 91).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فإن صاروا أربعة جاز أن ‌يتناجى اثنان منهم؛ لأن ذلك المعنى يزول؛ لانفراد اثنين بنجوى، فيكون لكل واحد من الممنوعين بالإدخال في السر أسوة بالآخر؛ فلا يتعين انقباض من الواحد، بل لو تناجى ثلاثة دون الرابع كان كتناجي اثنين دون الثالث في الكراهية. الإفصاح (2/ 58).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم إلا أن يأذن، وكذلك يحرم عليهم التحدث بلسان لا يعرفه مع قدرتهم على لسانه، ففي هذه الأحاديث النهي عن تناجي اثنين بحضرة ثالث، وكذلك ثلاثة وأكثر بحضرة واحد، وهي نهي تحريم. فتح القريب المجيب (1/ 455).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذه الأحاديث: النهي عن تناجي اثنين بحضرة ثالث، وكذا ثلاثة وأكثر بحضرة واحد، وهو نهي تحريم، فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم إلا أن يأذن.
ومذهب ابن عمر -رضي الله عنهما- ومالك وأصحابنا (الشافعية) وجماهير العلماء أنَّ النهي عام في كل الأزمان، وفي الحضر والسفر، وقال بعض العلماء: إنما المنهي عنه المناجاة في السفر دون الحضر؛ لأن السفر مظنة الخوف، وادَّعى بعضهم أنَّ هذا الحديث منسوخ، وإن كان هذا في أول الإسلام، فلما فشا الإسلام، وأمِن الناس سقط النهي، وكان المنافقون يفعلون ذلك بحضرة المؤمنين؛ ليحزنوهم، أما إذا كانوا أربعة فتناجى اثنان دون اثنين، فلا بأس، بالإجماع، والله أعلم. شرح مسلم (14/ 167-168).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
بَيْد أنه يجوز أن يستأذنه؛ لأن ذلك صريح حقه. عارضة الأحوذي 10/200).

قوله: «حتى تَختَلِطُوا بالناس»:
قال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «حتى تختلطوا بالناس» أي: تمتزجوا بهم. التيسير (1/ 127).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يختلطوا بالناس» فبيَّن غاية المنع، وهو أن يجد الثالث من يتحدث معه، كما فعل ابن عمر -رضي الله عنه-، وذلك: أنه كان يتحدث مع رجل، فجاء آخر يريد أن يناجيه، فلم يناجه حتى دعا رابعًا، فقال له وللأول: تأخّرَا، وناجى الرجل الطالب للمناجاة. المفهم (5/ 524).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قوله: «حتى يختلطوا بالناس» وهذا يؤذِنُ بأن النهي خاصٌ بموضعٍ لا يأمن الشخصُ فيه صاحبَه على نفسه. شرح المصابيح (5/ 298).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «حتى يختلطوا» أي: حتى يختلط الثلاثة بغيرهم، سواء كان الغير واحدًا أو أكثر. عمدة القاري (22/ 269).

قوله: «مِن أجلِ أن يُحزِنَه»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «أجل أن يُحزنه» أي: مِن أجل أن يحزنه، وقد يتكلم به مع حذف «مِن» كقول الشاعر:
أَجْلَ أنَّ الله قد فَضَّلكم *** فوق مَن أحكأ صلبًا بإزار
(أحكأ العقدة: شدَّها، وروي البيت: فوق ما أحكي بصلب وإزار). أعلام الحديث (3/ 2235).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
جاءَ في الحديث: «كراهية أن يحزنه» فإنْ كان من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد انحسم التأويل، وإن كان من قولِ الراوي، فهو أولى من تأويلِ غيره. القبس(ص: 1169).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
«من أجل أن يحزنه» إنما ‌يحزنه ذلك لأحد معنيين:
أحدهما: أنه ربما يتوهم أن نجواهما إنما هو لتبييت رأي فيه، أو دسيس غائلة له.
والمعنى الآخر: أن ذلك من أجل الاختصاص بالكرامة، وهو محزن صاحبه. معالم السنن (4/ 117).
وقال الخطابي -رحمه الله- أيضًا:
قد أخبر -صلى الله عليه وسلم- بالسبب في ذلك وهو: أن الواحد من الثلاثة إذا بقي فردًا وصاحباه يتناجيان؛ حزن لذلك أن لم يكن أُسوَتهم في النجوى، ولعله قد يسوء ظنُّه بهما فيما يستخليان به من الحديث، فيخطر بباله أنهما يدبِّران عليه سوءًا؛ فأرشد -صلى الله عليه وسلم- إلى الأدب في ذلك؛ بقيًا على الثالث، ومحافظةً على حقّه. أعلام الحديث (3/ 2234).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وقد قيل: إن ذلك إنما يكره في السفر وحيث لا يعرف المتناجيان، ولا يُوثق ويُخشى الغدر منهما.
وحجة من قال ذلك: حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة أن ‌يتناجى اثنان دون صاحبهما» قال أبو عمر -رحمه الله- قد استعمل ابنُ عمر -رضي الله عنهما- هذا الحديث في السوق بالمدينة، على ما حكى عبد الله بن دينار -رحمه الله- ولا أراه سمع حديث السفر، وسمع الحديث دون ذلك فحمَلَه على عمومه وظاهره، والله أعلم. الاستذكار (8/ 572).
وقال ابن رشد الجد -رحمه الله-:
فالصواب أن تحمل الأحاديث التي ليس فيها ذكر السفر على عمومها في السفر والحضر، بدليل قوله فيه: «لا يحل» فإذا خشي المتناجيان دون صاحبهما أن يُظن بهما أنهما يتناجيان في عورة، فلا يحل لهما أن يتناجيا دونه، كان ذلك في سفر أو حضر، وإذا أُمِن من ذلك فهو مكروه لهما في الحضر والسفر؛ من أجل أن ذلك ‌يحزنه ويسوؤه، وبالله التوفيق، لا رب غيره. المقدمات الممهدات (3/ 448).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
لكن المعنى في السفر أولى منهُ في الحضَرِ، وقد تتزايل العلة الشرعية، ويبقى الحكم على حاله، وهذا المنع اختلف الناس هل يزول بالإذن أم لا؟ والصحيح أنه يزول؛ لأنّ الحق له، فإذا أسقطه سقط. القبس (ص: 1169-1170).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
واختُلف في ذلك (أي: في حكم التَّناجي) على أربعة أقوال:
الأول: ما جاء في الحديث الصحيح: «فإن ذلك يحزنه» وهو ضرر؛ والضرر لا يحل بإجماع، وبالنص: «لا ضرر ولا ضرار»
الثاني: أن ذلك كان في صدر الإسلام حين كان الناس بين مؤمن وكافر، ومنافق ومخلص، حتى فشا الإسلام فسقط اعتبار ذلك.
الثالث: أن ذلك في السفر حيث يتوقع الرجل على نفسه من حيلة لا يمكنه دفعها.
الرابع: أنه من حسن الأخلاق وجميل الأدب، وهو راجع إلى الأول.
والصحيح بقاء النهي وتمادي الأمر وعمومه في الحضر والسفر، والدليل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث. «مخافة أن يحزنه»، وأيضًا فإن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يمشي مع عبد الله بن دينار -رضي الله عنهما- فأراد رجل أن يكلِّمه فدعا رابعًا وأوقفه مع عبد الله بن دينار -رحمه الله- ريثما تكلَّم الرجل.
قال ابن القاسم عن مالك -رحمه الله-: «لا يتناجى ثلاثة دون» يعني: أربع، وهذا صحيح؛ لأن العلة إذا عُلمت بالنظر اطَّردت حيثما وُجدت، وتعلق الحكم بها أينما كانت، وقد بيَّنا أن علة النهي تحزين الواحد، وهو موجود في كل موضع، وكلما كثر العدد كان التحزين أكثر، فيكون المنع آكد. أحكام القرآن (1/ 627).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
من حسن المعاشرة، وجميل المخالطة، وأدب المجالسة، أخلاق كريمة، ونُبَذ شريفة، منها: عدم المناجاة، ومنجاة الرجل دون الرجل شغلٌ لباله، ولو كانوا في إلف، بَيْد أنه لما كان أمرًا محتاجًا إليه، وكان أصله في الشرع أن يكون لحاجة، أو لما قال الله من مصلحة، كالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس...، فمن الحق أن يصون الرجل مروءته ودينه، فلا يناجي إلا في أربعة أحوال، إما في حاجة له، أو في الثلاثة المذكورة في كتاب الله. عارضة الأحوذي (10/200).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ظاهر هذا الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال، وإليه ذهب ابن عمر، ومالك، والجمهور...
والصحيح: ما صار إليه الجمهور، والله تعالى أعلم. المفهم (5/ 524).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «من أجل أن ‌يحزنه» يجوز أن يكون علة للنهي، أي: لا تتناجوا لئلا يحزن صاحبك، وأن يكون علة للفعل المنهي، أي: لا ينبغي أن يصدر منكم تناجٍ هو سبب للحزن، فعُلم أن هناك تناجيًا غير منهي. شرح المشكاة (10/ 3182).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يؤخذ من التعليل استثناء صورة مما تقدم عن ابن عمر -رضي الله عنهما- من إطلاق الجواز إذا كانوا أربعة، وهي: مما لو كان بين الواحد الباقي وبين الاثنين مقاطعة بسبب يُعذران به أو أحدهما؛ فإنه يصير في معنى المنفرد، وأرشد هذا التعليل إلى أن المناجي إذا كان ممن إذا خَص أحدًا بمناجاته أحزن الباقين؛ امتناع ذلك إلا أن يكون في أمرٍ مُهم لا يقدح في الدين. فتح الباري (11/ 83).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: بيان النهي عن تناجي الاثنين إذا كان معهما ثالث، إلا إذا كانوا أكثر من ثلاثة؛ لانتفاء العلة التي نُصّ عليها، وهي أنه يحزنه انفراده، وإيهام أنه ممن لا يؤهَّل للسرّ، أو يوهمه أن الخوض من أجله.
ومنها: أنه دلّت العلة على أنهم إذا كانوا أربعةً فلا نهي عن انفراد اثنين بالمناجاة؛ لفقد العلة.
ومنها: أن ظاهره عامّ لجميع الأحوال، في سفر، أو حضر، وإليه ذهب ابن عمر ومالك وجماهير العلماء، وادَّعَى بعضهم نَسْخه، ولا دليل عليه. البحر المحيط الثجاج (35/ 691).

وينظر في كلام الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في بيان معنى النجوى المنهي عنها. 


إبلاغ عن خطأ