الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: «سَمَّيتُ ابنتي بَرَّةَ، فقالَتْ لي زينبُ بنتُ أبي سلَمةَ: إنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- نهى عن هذا الاسمِ، وَسُمِّيْتُ بَرَّةَ، فقالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: لا تُزَكُّوا أنفسَكُم، اللهُ أعلمُ بأهلِ البِرِّ منكم، فقالوا: بِمَ نُسَمِّيها؟ قالَ: سَمُّوها زينبَ».


رواه مسلم برقم: (2142)، من حديث زينب بنت أبي سلمة -رضي الله عنهما-.


شرح الحديث


قوله: «عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميتُ ابنتي بَرَّةَ فقالَتْ لي زينبُ بنتُ أبي سلمةَ: إنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- نهى عن هذا الاسمِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«عن محمد بن عمرو بن عطاء» أنه «قال: ‌سمَّيت ‌ابنتي ‌بَرَّة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة» عبد الله بن عبد الأسد: «إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن هذا الاسم» أي: عن التسمي بِبَرَّة. البحر المحيط الثجاج (35/ 328).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«عن محمد بن عمرو بن عطاء» العامري المدني «أن زينب بنت أبي سلمة» بن عبد الأسد المخزومي ربيبة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأمها أم سلمة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولدت زينب بأرض الحبشة «سألته» (كما في لفظ أبي داود) أي: سألت محمد بن عمرو بن عطاء، وقد صرح بذلك في رواية مسلم فقال: «عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: ‌سميت ‌ابنتي ‌برة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن هذا الاسم»... فيه أن المرأة إذا كانت عالمة بشيء من أمور الدين ورأت رجلًا محتاجًا إليه فلها أن تعلمه به. شرح سنن أبي داود (19/ 56).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «برة» بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المهملة من البِرّ بكسر الباء: فعل الخير، ففي هذا الاسم تزكية بأنها فاعلة الخيرات. الحاشية على سنن ابن ماجه (2/ 405).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ويجري هذا المجرى في المنع ما قد كثر في هذه الديار من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية، كزكي الدين، ومحيي الدين، وما أشبه ذلك من الأسماء الجارية في هذه الأزمان التي يقصد بها المدح والتزكية، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء في هذا الزمان ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها، فصارت لا تفيد شيئًا من أصل موضوعاتها، بل ربما يسبق منها في بعض المواضع، أو في بعض الأشخاص نقيض موضوعها، فيصير الحال فيها كالحال في تسمية العرب: الـمَهْلَكة بالمفازة، والحقير بالجليل، تجملًا بإطلاق الاسم، مع القطع باستقباح المسمى. المفهم (5/ 465).

قوله: «وسُمِّيَتْ وسُمِّيْتُ بسكون الياء، وضم التاء بَرَّةَ فقالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: لا تُزَكُّوا أنفسَكُم، اللهُ أعلمُ بأهلِ البِرِّ منكم»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقولها: «سُمِّيْت برة» إنما كان هذا الاسم يدل على التزكية؛ لأنه في أصله اسم علم لجميع خصال البر. المفهم (5/ 466).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«و» ذلك أني «سُمِّيتُ» أولًا «بَرَّة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا تزكوا» أي: لا تفضلوا «أنفسكم» على غيركم بنسبتها إلى البر والخير «الله» سبحانه وتعالى «أعلم» أي: عالم «بأهل البر» والخير والتقوى «منكم» أي: دونكم. الكوكب الوهاج (22/ 35).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» مبيِّنًا سبب نهيه عن التَسمِّي ببرَّة: «لا تزكوا أنفسكم» أي: لا تمدحوها وتشكروها وتَمـُنُّوا بأعمالكم، وقوله: «الله أعلم بأهل البر» أي: الطاعة «منكم» تعليل للنهي عن تزكية النفس. البحر المحيط الثجاج (35/ 329).

قوله: «فقالوا: بِمَ نُسَمِّيها؟ قالَ: سَمُّوها زينبَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقالوا» أي: فقال أهلي وأقاربي له -صلى الله عليه وسلم-: «بمَ نسميها» أي: بأي اسم نسميها يا رسول الله، «قال» لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «سموها زينب» أي: اجعلوا اسمها زينب؛ فإنه أحسن من برَّة؛ لعدم دلالته على تزكية النفس كالبَرَّة. الكوكب الوهاج (22/ 35).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقال: ما» لفظ مسلم: فقالوا: «بمَ» «نسميها؟ قال: سموها زينب»، وكذلك دخلت عليه زينت بنت جحش واسمها برَّة فسماها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- زينب. شرح سنن أبي داود (19/ 58).
وقال الباجي -رحمه الله-:
والمنع يتعلق بالأسماء على ثلاثة أوجه:
أحدها: ما تقدم من قبيح الأسماء كحَرْب وحزن ومُرة.
والثاني: ما فيه تزكية من باب الدِّين، والأصل في ذلك ما رواه ابن نافع عن أبي هريرة: «أن ‌زينب ‌كان ‌اسمها ‌برة، فقيل: تزكي نفسها، فسماها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زينب»، وقالت زينب بنت أبي سلمة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «نهاني عن هذا الاسم، وسميت برة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا تزكوا أنفسكم والله أعلم بأهل البر منكم»، قال مالك: ولا ينبغي أن يتسمى الرجل بياسين، ولا بمهدي، ولا بجبريل، قيل له: فالهادي؟ قال: هذا أقرب؛ لأن الهادي هادي الطريق، وروي عن كريب عن ابن عباس قال: «كانت جويرية اسمها برَّة، فحوَّل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اسمها جويرية»، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة، فتعلق المنع لوجهين:
أحدهما: لما فيه من تزكيتها نفسها بما تسمت به، والوجه الثاني: لـِهُجْنَة اللفظ في قولهم عنه: خرج من عند برَّة.
وقد روي عن سمرة بن جندب: «نهانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نسمي رقيقنا بأربعة أسماء: أفلح، ورباح، ويسار، ونافع».
وروي عنه: ولا نجيحًا، مكان نافع، وقال: فإنك تقول: أثَم هو، فلا يكون ثَم، فيقول: لا، فأشار إلى معنى التفاؤل، بأن يقول: ليس هنا يسار، أو ليس هنا أفلح، أو ليس هنا رباح.
وقد روى جابر بن عبد الله: «أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ينهى أن يُسمى بمُقبِل وببركة وأفلح ويسار ونافع وبنحو ذلك، ثم رأيتُه سكت بَعدُ عنها، فلم يقل شيئًا، ثم قُبض ولم ينه عن ذلك»، ثم أراد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن ينهى عن ذلك ثم تركه.
وقد روى سمرة بن جندب النهي، وإنما هو نهي على الكراهية للفظ، ويحتمل -والله أعلم- أن يكون حديث سمرة في كراهية التسمية بذلك في المستقبل، وحديث جابر بن عبد الله في أنه أراد النهي على التحريم، والتغيير لاسم مَن كان سُمِّي به بعد ذلك، فمات النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يغير شيئًا من ذلك، وإنما غيَّر من الأسماء مَن أراد الأخذ فيه بالأفضل، دون مَن أراد حمله على الجائز؛ ولذلك أقر حزنًا على ما أراد من الاستمساك باسمه، ورضيه وكره تغييره، ولو كان ذلك محرمًا لم يقره على ذلك؛ ولذلك أقر حربًا ومرة على أسمائهما ولم يأمرهما بتغييرهما مع كراهيته، والله أعلم وأحكم. المنتقى (7/ 295- 296).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه: تحويل الأسماء إلى ما هو أحسن وأولى، وذلك على طريق الندب والترغيب، إلا ما جاء في ملك الأملاك، فذلك ممنوع بالجملة وحرام، وقد جاء فيه من الوعيد. إكمال المعلم(7/ 16- 17).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أنه لا يحسن بالإنسان أن يسمي نفسه بما يزكيها به، نحو التقي والزكي والأشرف والأفضل، كما أنه لا ينبغي أن يسمي نفسه اسمًا يُتشاءم به كدار له وضربه، ونحو هذا، بل يسمي نفسه عبد الله وعبد الرحمن، وغير ذلك. الإفصاح (7/ 190).

وينظر فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم أفضل الأسماء .


إبلاغ عن خطأ