«أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عادَ رجلًا من المسلمين قد خَفَتَ فصَار مثلَ الفَرْخِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: هلْ كُنْتَ تدعو بشيءٍ أو تسألُهُ إيَّاه؟ قال: نعم، كنت أقولُ: اللهمَّ ما كنتَ مُعاقبي به في الآخرة، فعَجِّلْهُ لي في الدنيا، فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: سبحانَ اللهِ! لا تُطِيقُهُ -أو لا تستطيعُهُ- أفلا قلتَ: اللهمَّ آتِنَا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ، قال: فدَعا اللهَ له، فشَفَاهُ».
رواه مسلم برقم: (2688)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
غريب الحديث
«خَفَتَ»:
الخَفَت من قَوْلهم: خَفَتَ الرجل إِذا أَصَابَهُ ضعف من مرض أَو جوع، والاسم: الخفات. جمهرة اللغة، لابن دريد (1/ 389).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«خَفَتَ»: سكن وَانْقطع صَوته، «وخفت»: ضعف. مشارق الأنوار (1/ 244).
شرح الحديث
قوله: أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عادَ رجلًا من المسلمينَ قد خَفَتَ فصارَ مثلَ الفَرْخِ:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عاد» أي: زار «رجلًا من المسلمين» لم أرَ أحدًا من الشراح ذكر اسمه، ووقع في مسند أبي يعلى أنَّه من الأنصار. الكوكب الوهاج (25/ 39).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عاد» من العيادة، أي: زار «رجلًا» أي: مريضًا «من المسلمين قد خَفَتَ» بفتح الفاء أي: ضعُف، مِن خفت إذا ضعف وسكن «فصار» أي: بسبب الضعف «مثلَ الفرْخ» وهو: ولد الطير، أي: مثله في كثرة النحافة، وقلة القوة. مرقاة المفاتيح (5/ 1738).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«قد خَفَتَ» بفتح الفاء من باب نصر، أي: ضعُف من خَفَتَ الصوت إذا ضعف وسكن، وفي الترمذي: «قد جُهِد» وهو بصيغة المجهول، قال في القاموس: جهد المرض فلانًا: هزله، «مثل الفرخ» بفتح الفاء وسكون الراء: ولد الطير عند خروجه من البيضة، يعني: أضعفه المرض حتى صار ضعيفًا مثل الفرخ؛ لضعفه وكثرة نحافته، وفي الأدب المفرد: «دخل على رجل قد جُهِد من المرض فكأنه فرخ منتوف» أي: ولد الطائر الذي استوصل ريشه، وفي شرح السنة: «عاد رجلًا قد صار مثل الفرخ المنتوف». مرعاة المفاتيح (8/ 284).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إنه -صلى الله عليه وسلم- عاد رجلًا من المسلمين قد خَفَتَ حتى صار مثل الفرخ» أي: ضَعُفَ ونَحُلَ في جسمه، وخفي كلامه، وتشبيهه له بالفرخ يدل على أنه تناثر أكثر شعره، ويحتمل أن يكون شبهه به لضعفه، والأول أوقع في التشبيه، ومعلوم أن مثل هذا المرض لا يبقى معه شعر ولا قوة. المفهم (7/ 31).
قوله: فقالَ لهُ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «هلْ كُنْتَ تدعو بشيءٍ أو تسألُهُ إيَّاهُ؟» قالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أقولُ: اللهمَّ ما كُنْتَ مُعاقبي بهِ في الآخرةِ، فعَجِّلْهُ لي في الدنيا:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هل كنتَ تدعو» الله «بشيء أو» قال له: هل كنتَ «تسأله» أي: تسأل الله «إياه» أي: شيئًا من الحوائج، بالشك من الراوي «قال» الرجل: «نعم كنتُ» أدعوه تعالى و«أقول» في دعائه: «اللهم ما كنتَ معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا». الكوكب الوهاج (25/ 39).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال: نعم» فيه دلالة على أن «أو» للشك من الراوي لا للترديد منه -صلى الله عليه وسلم-، «كنتُ أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة» شرطية أو موصولة «فعجله لي في الدنيا». مرقاة المفاتيح (5/ 1738- 1739).
وقال ابن تيمية –رحمه الله-:
حمَله خوفه من عذاب النار، ومحبته لسلامة عاقبته على أن يطلب تعجيل ذلك في الدنيا، وكان مخطئًا في ذلك غالطًا، والخطأ والغلط مع حسن القصد وسلامته وصلاح الرجل وفضله ودينه وزهده وورعه وكراماته كثير جدًا، فليس من شرط ولي الله أن يكون معصومًا من الخطأ والغلط، بل ولا من الذنوب، وأفضل أولياء الله بعد الرسل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: له لـمَّا عبَّر الرؤيا: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا». مجموع الفتاوى (10/ 693)
قوله: «فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: سبحانَ اللهِ! لا تُطِيقُهُ -أو لا تستطيعُهُ- أفلا قلتَ: اللهمَّ آتِنَا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ، قال: فدعا اللهَ لَهُ، فشَفَاهُ»
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «سبحان الله! لا تطيقه» يعني: أن عذاب الآخرة لا يطيقه أحد في الدنيا؛ لأن نشأة الدنيا ضعيفة لا تحتمل العذاب الشديد والألم العظيم، بل إذا عظم عليه ذلك هلك ومات، فأما نشأة الآخرة فهي للبقاء، إما في نعيم أو في عذاب؛ إذ لا موت، كما قال في حق الكفار: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} النساء: 56، فنسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة، ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرشده إلى أحسن ما يقال، وهو قوله: «آتنا في الدنيا حسنة». المفهم (7/ 31- 32).
وقال ابن جرير الطبري –رحمه الله-:
اختلف أهل التأويل في معنى الحسنة... عن قتادة،..قال: في الدنيا عافية، وفي الآخرة عافية... وقال آخرون: بل عنى الله -عزَّ وجلَّ- بالحسنة في هذا الموضع: في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة. جامع البيان (3/ 544)
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وقوله: «لا تطيقه» بعد ما صار الرجل كالفرخ، وبعد قوله: «كنتُ أقول» لحكاية الحال الماضية المستمرة إلى الحال والاستقبال. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1935).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«لا تطيقه أو لا تستطيعه» الضمير يعود على العقاب الذي يطلبه، وفي ملحق الرواية: «لا طاقة لك بعذاب الله»، «أفلا قلتَ» حضٌّ على أن يقول. فتح المنعم (10/ 240).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرشده إلى أحسن ما يقال وهو قوله: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة» حيث قال له: تقول ذلك؟! «أفلا قلتَ» أي: فهلا قلتَ: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قال» أنس: «فدعا الله له» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الشفاء «فشفاه» الله تعالى، ودلَّ الحديث على أنَّه لا ينبغي للعبد أن يطلب لنفسه البلاء، سواء كان لتعجيله في الدنيا حذرًا عن إصابته في الآخرة؛ لأن البشر ضعيف لا يطيق البلايا، فربما يضعف عن تحملها ويقع في كفران النعمة والجزع وعدم الصبر، أعاذنا الله تعالى منه. الكوكب الوهاج (25/ 39- 40).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«آتنا في الدنيا حسنة» وهي العافية والرزق الحسن وتوفيق الخير «وفي الآخرة حسنة» وهي المغفرة والجنة وما يتبعها من النعيم، وفيه: كراهة تمني البلاء، وطلب تعجيله في الدنيا تفاديًا عما يخشى وقوعه منه في الآخرة؛ وذلك لئلا يتضجر العبد من ذلك البلاء ويسخطه ويشكوه؛ ولئلا يوقع نفسه في امتحان وانتقام يخشى أن لا يطيقه، ولا يتعرض لعذاب الله، وإنما السبيل المستقيم أن يسأل العبد السلامة والعافية، والعفو والمغفرة في الدنيا والآخرة. منة المنعم (4/ 238).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«اللهم آتنا» أي: أعطنا «في الدنيا حسنة» أي: عافية من البلاء والأمراض، «وفي الآخرة حسنة» أي: معافاة من العذاب والعقاب، «وقنا عذاب النار» وكان هذا الدعاء أكثر ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو به، كما سيأتي من حديث أنس -رضي الله عنه-؛ وذلك لأنه من الدعوات الجوامع التي تتضمن خير الدنيا والآخرة، وذلك أن «حسنة» نكرة في سياق الطلب، فكانت عامة، فكأنه يقول: أعطني كل حالة حسنة في الدنيا والآخرة... «قال» أنس -رضي الله عنه-: «فدعا» النبي -صلى الله عليه وسلم- «الله» -سبحانه وتعالى- «له» أي: لذلك الرجل حتى يشفيه، «فـ» استجاب الله دعاء حبيبه -صلى الله عليه وسلم- «شفاه» أي: أبرأهُ من ذلك المرض، وهذا الذي شرحتُ به من أن الضمير في «فدعا» للنبي -صلى الله عليه وسلم- هو ظاهر السياق؛ لقوله: «فدعا له» باللام، ووقع في المشكاة بلفظ: «فدعا به»، وعليه جرى الشراح، فقالوا: «فدعا الله به» أي: دعا الرجل بهذا الدعاء الجامع... إلخ، ويؤيد هذا ما سيأتي من رواية النسائي بلفظ: «فقالها الرجل، فعوفي»، فإنه صريح في كون الرجل هو الداعي لنفسه بهذا الدعاء، ويحتمل حمل رواية مسلم هذه عليها، فيكون معنى قوله: «فدعا له» أي: دعا الرجل لنفسه، أو يحمل بأنه دعا لنفسه، ودعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- أيضًا، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (42/ 110).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فيه جواز التسبيح عند العجب من الأمر، وفيه كراهة تمني البلاء وإن كان على الوجه الذي فعله هذا، فإنه قد لا يطيقه فيحمله شدة الضرر على السخط والتندم والشُّكى من ربه، وفيه أن الدعاء بما قصه -عليه السلام- أفضل لعامة الناس وأسلم، وقد ذكر بعد هذا أنه كان أكثر دعائه -عليه السلام-، وقد اختلف المفسرون في تأويل الآية، فقيل: الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة، وقيل: في الدنيا: العافية، وفي الآخرة: العافية، وقيل: في الدنيا: المال، وفي الآخرة: الجنة، وقيل: الحسنة هنا: النعمة، وقيل: حظوظ حسنة، وفيه إجابة دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- له. إكمال المعلم (8/ 186- 187).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة.
وفيه فضل الدعاء بـ"اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".
وفيه جواز التعجب بقول: "سبحان الله"، وقد سبقت نظائره.
وفيه استحباب عيادة المريض والدعاء له.
وفيه كراهة تمني البلاء؛ لئلا يتضجر منه ويسخطه، وربما شكا.
وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا: أنها العبادة والعافية، وفي الآخرة: الجنة والمغفرة، وقيل: الحسنة تعمّ الدنيا والآخرة. المنهاج شرح مسلم (17/ 13- 14).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث): ما تحته خط يحتويه انقل عن النووي السابق
منها: مشروعية عيادة المريض، ولو كان العائد أميرًا أو نحوه.
-ومنها: استحباب سؤال المريض سبب مرضه؛ ليبحث له عن الأدوية المناسبة له.
-ومنها: استحباب الدعاء بهذا الدعاء الجامع لخيرات الدنيا والآخرة، وكان أكثر دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما تقدم.
-ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يسأل الله -عز وجل- العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (42/ 111- 112).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
فيه: أنه ينبغي للإنسان إذا تعجب أن يقول: سبحان الله، أو يكبر، وليس له أن يصفق، كما يفعل بعض الناس إذا تعجبوا من شيء أو أعجبهم شيء صفقوا، والتصفيق من أخلاق المشركين، قال تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} الأنفال: 35، فالمكاء هو: الصفير، والتصدية: التصفيق، وكذلك يكون التصفيق للنساء (في الصلاة)، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: «إذا أنساني الشيطان شيئًا من صلاتي، فليسبح الرجال، ولتصفق النساء». توفيق الرب المنعم (7/ 507).
وينظر هل صح حديث: إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا؟