«مَن رأى من أميره شيئًا يكرهه، فليصبر عليه؛ فإنه مَن فارق الجماعة شِبرًا فمات، إلا مات مِيتة جاهلية».
رواه البخاري برقم: (7054) واللفظ له، ومسلم برقم: (1849)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
غريب الحديث
«شبرًا»:
الشِّبر: ما بين أَعلى الإبهام وأعلى الخنصر، مُذكر، والجمع: أشبار. لسان العرب، لابن منظور (4/ 391).
شرح الحديث
قوله: «مَن رأى مِن أميره شيئًا يكرهه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من رأى من أميره شيئًا» أي: أمرًا أو فعلًا «يكرهه» أي: شرعًا أو طبعًا. مرقاة المفاتيح (6/ 2394).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«من كَرِه مِن أميرهِ شيئًا» دنيويًا كان كاستئثار عليه، وظلم له، أو دينيًا كأن فسق بعد عدالته، فلا ينعزل الإمام الأعظم بفسقه، نعم إن كُفر انعزل بكفرهِ كما تقدم من حديث: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا»، فمَن رأى ما لا ينعزل به الإمام مما يكرهه «فليصبر». دليل الفالحين لطرق (5/ 136).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «من رأى شيئًا يكرهه» يعني: من الظلم والجور، فأما من رأى شيئًا من معارضة الدين ببدعة أو قلب شريعة فليخرج من تلك الأرض ويهاجر منها. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (32/ 438).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «شيئًا» الشيء يتناول القليل والكثير إلا أنه في هذا الموضع لا ينصرف إلى ما ينقم غالبًا، ثم إنه -صلى الله عليه وسلم- لما رأى أن الإنكار على الإمام يفضي إلى الفرقة واختلاف الأمة، أمر بالصبر على ذلك الشيء؛ كراهية أن يتصل القول فيه إلى ما يفرق به الكلمة، ويؤول إلى إراقة الدماء. الإفصاح عن معاني الصحاح (3/ 83).
قوله: «فليصبر عليه»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فليصبر» أي بعدم الخروج على الأمير، أما الإنكار عليه بمراتبه إذا لم يؤد إلى شق العصا والخروج عليه فمطلوب، الحديث: «أفضل الشهداء حمزة، ورجل قال كلمة حق عند سلطان جائر فقتله». دليل الفالحين لطرق (5/ 136).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فليصبر» يعني: فليصبر على ذلك المكروه، ولا يخرج عن طاعته؛ لأن في ذلك حقن الدماء وتسكين الفتنة، إلا أن يكفر الإمام ويُظهر خلاف دعوة الإسلام، فلا طاعة لمخلوق عليه. عمدة القاري (24/ 178).
قوله: «فإنه من فارق الجماعة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإنه» الفاء للتعليل، والهاء ضمير الشأن، أي: لأن الأمر والشأن «من فارق الجماعة شبرًا». البحر المحيط الثجاج (32/ 177).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
والجملة بعد تفسير، وذلك تعليل للأمر بالصبر على ما يكرهه. دليل الفالحين لطرق (5/ 136).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«من فارق الجماعة» أي: جماعة الإسلام، وخرج عن طاعة الإمام. إرشاد الساري (10/ 169).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
قوله: «من فارق الجماعة» ظاهره سواد الناس، وما اجتمعوا عليه في الإمارة، وقيل: هم العلماء، وهو أصح. مطالع الأنوار (2/ 141).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«من فارق الجماعة» معناه: كل جماعة عقدت عقدًا يوافق الكتاب والسنة فلا يجوز لأحد أن يفارقهم في ذلك العقد، فإن خالفهم فيه استحق الوعيد. النهاية (3/ 439).
وقال ابن الأثير -رحمه الله- أيضًا:
مفارقة الجماعة: ترك السنة، واتباع البدعة. النهاية (2/ 190).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ليس أحد يفارق الجماعة» أي: المنتظمة بنصب الإمامة. مرقاة المفاتيح (6/ 2394).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«من فارق الجماعة شبرًا» يعني: به أنه من خرج من أرض عليها يد الإمام إلى أرض لا يد له عليها ولو مقدار شبر بنية المفارقة له فميتة جاهلية. الإفصاح عن معاني الصحاح (3/ 83).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يفارق» أي: فيموت على ذلك من غير توبة. مرقاة المفاتيح (6/ 2394).
قوله: «شبرًا»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «شبرًا» أي: قدر شبر، وهو كناية عن خروجه، ولو كان بأدنى شيء. عمدة القاري (24/ 178).
قال الكوراني -رحمه الله-:
كلام عن طريق المثل، أي: أدنى شيء. الكوثر الجاري(11/ 7).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وهي كناية عن معصية السلطان ومحاربته. فتح الباري (13/ 7).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
المفارقة ها هنا في قبول الإمامة، وذكر الشبر على سبيل المثل. كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 375).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن أبي جمرة: المراد بالمفارقة: السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير، ولو بأدنى شيء، فكني عنها بمقدار الشبر؛ لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق. فتح الباري (13/ 7).
قوله: «فمات إلا مات ميتة جاهلية»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «فمات عليه» (كما في لفظ) أي: على ذلك الخروج، يعني: أنه لم يتب منه. البحر المحيط الثجاج (32/ 179).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«إلا مات ميتة جاهلية» أي: موتًا يشبه الموت في الجاهلية، أي: عاصيًا، أو موتًا غير مرضي، والكلام سِيْق للزجر عن المفارقة. الكوثر الجاري(11/ 7).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«إلا مات ميتة جاهلية» -بكسر الميم-: بيان لهيئة الموت، وحالته التي يكون عليها، أي: كما يموت أهل الجاهلية من الضلال والفرقة. مصابيح الجامع (10/ 80).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«جاهلية» صفة «مِيتة» أي: مات على الضلالة كما يموت أهل الجاهلية عليها، من جهة أنهم كانوا لا يطيعون أميرًا، ولا يتبعون إمامًا؛ استنكافًا، بل كان يأكل القوي منهم الضعيف. شرح المصابيح (4/ 244).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«ميتة جاهلية» يعني: ليس ميتة الإسلام -والعياذ بالله-.
وهذا يحتمل معنيين:
الأول: يُحتمل أنه يموت ميتة جاهلية، بمعنى: أنه يُزاغ قلبه -والعياذ بالله-، حتى تكون هذه المعصية سببًا لِردته.
الثاني: يحتمل: المعنى الآخر: أنه يموت ميتة جاهلية؛ لأن أهل الجاهلية ليس لهم إمام، وليس لهم أمير، بل لهم رُؤساء وزُعماء لكن ليس لهم ولاية كولاية الإسلام، فيكون هذا مات ميتة جاهلية. شرح رياض الصالحين (3/ 667-668).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
المراد بالميتة الجاهلية -وهي بكسر الميم-: حالة الموت، كموت أهل الجاهلية على ضلال، وليس له إمام مطاع؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرًا، بل يموت عاصيًا.
ويحتمل: أن يكون التشبيه على ظاهره، ومعناه: أنه يموت مثل موت الجاهلي، وإن لم يكن هو جاهليًا، أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير، وظاهره غير مراد، ويؤيد أن المراد بالجاهلية التَّشبيه: قوله في الحديث الآخر: «من فارق الجماعة شبرًا، فكأنما خلَع رِبقة الإسلام من عُنقه» أخرجه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان ومُصحَّحًا من حديث الحارث بن الحارث الأشعري، في أثناء حديث طويل. فتح الباري (13/ 7).
وقال المظهري -رحمه الله-:
فمن ترك طاعة الإمام أو طاعة نائبه فقد خرج من الجماعة، ومن خرج من الجماعة فهو مخالف لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الإمام نائب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن خالف نائب رسول الله فقد خالف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 288-289).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
في الحديث: أن السلطان لا ينعزل بالفسق؛ إذ في عزله سبب للفتنة وإراقة الدماء، وتفريق ذات اليمين، فالمفسدة في عزله أكثر منها في بقائه. إرشاد الساري (10/ 169).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
في هذه الأحاديث حجة في ترك الخروج على أئمة الجور، ولزوم السمع والطاعة لهم، والفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلب طاعته لازمة، ما أقام الجُمُعات والجهاد، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، ألا ترى قوله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: «سترون بعدى أثَرة وأمورًا تنكرونها» فوصف أنهم سيكون عليهم أمراء يأخذون منهم الحقوق ويستأثرون بها، ويؤثرون بها من لا تجب له الأثرة، ولا يعدلون فيها، وأمرهم بالصبر عليهم والتزام طاعتهم على ما فيهم من الجور. شرح صحيح البخاري (10/ 8).
قال الكشميري -رحمه الله-:
واعلم أنه يجب عندنا طاعة الأمير في السياسيات إذا كان فيه مصلحة، أما إذا لم يشتمل على معنى صحيح، أو مصلحة عامة أو خاصة، فلا تجب عليهم طاعته، نحو أن يأمرهم أن يصعدوا هذا الجبل، وينزلوا منه، فهذا الوجوب غير ما يكون في أبواب الفقه، أي: الفروع الاجتهادية والمسائل، وهذا معنى قوله: «إنما الطاعة في المعروف».
وعلى هذا معنى المعصية ما ليس فيه معنى صحيح، فلا طاعة له فيه...، ومن ههنا يظهر معنى قوله: «لو دخلوها -أي النار بأمر أميرهم- ما خرجوا منها أبدًا»، فإن الأمر بدخول النار مما لا معنى له، فلا طاعة فيه، فلو كانوا دخلوا فيها، ما خرجوا منها إلى يوم الحشر...
وجملة الأمر فيه: أن الإمام لو أمر بالكفر البواح، يجب الخروج عليه وخلعه عن الإمارة، وإن عصى أو آذى الناس يجب عليهم الصبر، وإن أمر غيره بها لا تجب طاعته. فيض الباري(6/ 479).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر بالصبر عند رؤية المكروه من الإمام. الإفصاح عن معاني الصحاح (3/ 83).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي:
أولًا: أنّ من الفتن التي يصاب بها العبد المسلم أن يرى من ولي الأمر شيئًا من المعاصي والظلم، فيجب عليه في هذه الحالة الصبر والسمع والطاعة، محافظة على جماعة المسلمين، ما دام لم ير منه كفرًا صريحًا، ولم يكرهه على معصية، لما جاء في الحديث عن ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»، أخرجه الشيخان وأبو داود.
ثانيًا: التحذير الشديد من الخروج على إمام المسلمين، وكونه كبيرة من الكبائر؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية» فإن هذا الوعيد الشديد لا يترتب إلا على مرتكب الكبيرة، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأنَّ طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء.
ثالثًا: استدل به الأصوليون على حجية الإجماع. منار القاري(5/ 360).