«كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا جاءهُ السَّائل، أو طُلِبت إليه حاجة، قال: اشفعوا تُؤجروا، ويَقضي الله على لِسان نبيِّه -صلى الله عليه وسلم- ما شاءَ».
رواه البخاري برقم: (1432) واللفظ له، ومسلم برقم: (2627) بلفظ: «على لسان نبيِّه ما أَحبَّ»، من حديث أبي موسى -رضي الله عنه-.
غريب الحديث
«اشْفَعُوا»:
(الشفاعة): هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم، يقال: شَفَع يَشفع شفاعة، فهو شافع وشفيع، والمشفِّع: الذي يَقبل الشفاعة، والمشفَّع الذي تُقبل شفاعته. النهاية، لابن الأثير (2/ 485).
شرح الحديث
قوله: «كَانَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، قَالَ»:
قال الملا القاري -رحمه الله-:
«إذا أتاه السائل» أي: للعطية «أو صاحب الحاجة» (كما في لفظ) أي: إليه أو إلى غيره، وهو أعم من السؤال، فـ«أو» للتنويع. مرقاة المفاتيح (7/ 3103).
قوله: «اشفعوا تؤجروا»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«اشفعوا تؤجروا» كذا وقع هذا اللفظ «تؤجروا» بغير فاء، ولا لام، وهو مجزوم على جواب الأمر المضمن معنى الشرط، ومعناه واضح لا إشكال فيه، وقد روي: «فلتؤجروا» بفاء ولام، وهكذا وجدتُه في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب، وينبغي أن تكون هذه اللام مكسورة؛ لأنَّها لام كي، وتكون الفاء زائدة، كما زِيدت في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «قوموا فلأصلي لكم» في بعض رواياته، وقد تقدم قول من قال: إن الفاء قد تأتي زائدة، ويكون معنى الحديث: اشفعوا لكي تؤجروا.
ويحتمل أن يقال: إنها لام الأمر، ويكون المأمور به: التعرض للأجر بالاستشفاع؛ فكأنه قال: استشفعوا وتعرّضوا بذلك للأجر، وعلى هذا فيجوز كسر هذه اللام على أصل لام الأمر، ويجوز تخفيفها بالسكون؛ لأجل حركة الحرف الذي قبلها...، وهذه الشفاعة المذكورة في الحديث هي في الحوائج والرغبات للسلطان وذوي الأمر والجاه، كما شهد به صدر الحديث ومساقه، ولا يخفى ما فيها من الأجر والثواب؛ لأنَّها من باب صنائع المعروف، وكشف الكُرَب، ومعونة الضعيف؛ إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول إلى السلطان وذوي الأمر؛ ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول -مع تواضعه وقربه من الصغير والكبير، إذ كان لا يَحتجب ولا يُحجب-: «أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها»، وهذا هو معنى قوله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} النساء85. المفهم (6/ 632).
وقال إسماعيل الأصبهاني -رحمه الله-:
«اشْفَعُوا» أَيْ: ليشفع بعضُكم في بعض؛ يكن لكم الأجر في ذلك، وأنكم إذا شفعتم إليَّ في حق طالبِ الحاجة فقضيتُ حاجته بما يقضي اللهُ على لساني في تحصيل حاجته؛ حصل للسائل المقصود، ولكم الأجر. شرح صحيح البخاري (3/ 331).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«اشفعوا تؤجروا» وفي بعضها: «فلتؤجروا» بالجمع بين الفاء للدلالة على السببية، واللام الدالة على مبالغة في الحث على ذلك، أو اللام لام عطف على «اشفعوا» والفاء للسببية، وقد جاء بدون الفاء، وهو ظاهر. الكوثر الجاري (9/ 426).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«اشفعوا تؤجروا» سواء قُضيت الحاجة أم لا... وإذا أمر -عليه الصلاة والسلام- بالشفاعة عنده -مع علمه بأنه مستغن عنها؛ لأن عنده شافعًا من نفسه، وباعثًا من جوده- فالشفاعة الحسنة عند غيره ممن يحتاج إلى تحريك داعيه إلى الخير متأكدة بطريق الأولى. إرشاد الساري (3/ 33).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أي: إذا عرض المحتاجُ حاجتَه عليَّ فاشفعوا له إليَّ؛ فإنكم إن شفعتم حصل لكم الأجر، سواء قُبلت شفاعتكم أم لا. فتح الباري (10/ 451).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«اشفعوا تؤجروا» أي: إن تشفعوا تؤجروا، أي: يحصل لكم الأجر بشفاعتكم سواء أقضيت الحاجة أم لا، فتؤجروا جواب الشرط المقدر، ففيه: الحض على الخير بالفعل والتسبب إليه بكل وجه، والشفاعة إلى الكبير في كشف كربة، ومعونة الضعيف؛ إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول للرئيس والتمكن منه؛ ليوضح له مراده، ليعرف حاله على وجهه، ويُستثنى: ما لا تجوز الشفاعة فيه. دليل الفالحين (3/ 42).
وقال الزركشي -رحمه الله-:
سُميت (الشفاعة) به؛ لأنه يَشفع الكلامَ الأولَ، وهي سُنة مؤكَّدة...؛ ولما فيه من إغاثة المسلم، ودفع الضرر عنه. المنثور في القواعد الفقهية (2/ 248).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«اشفعوا إليَّ لِتؤجروا» أي: إذا جاء أحد إليَّ سائلًا اشفعوا له؛ ليحصل لكم أجر الشفاعة من الله سبحانه. بذل المجهود (13/ 521).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
اشفعوا أنتم، ولا تترقبوا أن أقضي على وَفْق شفاعتكم، فإنَّ الله يقضي على لساني ما شاء، فقد أخالفكم أيضًا، ولكن لكم أجرُ الشفاعة في الصورتين؛ فلا تضيعوه. فيض الباري (3/ 107).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
وتارة تكون الشفاعة هي التوسط في أمرٍ خبيث لا يجوز، كأن يتوسط رجل لرجل في امرأة لِتُمَكِّنَهُ من نفسها، أو يتوسط له عند سلطان لينزعَ حقَّ رجل آخر، وما جرى مجرى ذلك من الشفاعة، أو يشفع ليسقط حدًّا من حدود اللَّه، وهذه الشفاعة خبيثة قبيحة صاحبها يُؤْزَرُ عليها، وهي من عظائم الذنوب، وقد أشار اللَّه إلى هذا التفصيل في سورة النساء في قوله: {مَّنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} النساء: 85. العذب النمير (1/ 306).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فهنا يأمر -عليه الصلاة والسلام- أصحابه بأن يشفعوا لصاحب الحاجة،
ومثل ذلك أيضًا لو وجب لك حق على شخص، ورأيت أنك إذا تنازلت عنه هكذا ربما استخفّ بك في المستقبل، وانتهك حُرمتك؛ فهنا لا حرج أن تقول مثلًا لبعض الناس: اشفعوا له عندي؛ حتى تظهر أنت بمظهر القويّ، ولا تَجبن أمامه، ويحصل المقصود.
فالحاصل: أن الشفاعة في غير أمرٍ محرم من الإحسان إلى الغير، كما قال تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} النساء: 85. شرح رياض الصالحين (3/ 31).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
الشفاعة في الصدقة وسائر أفعال البِر مرغَّب فيها، مندوب إليها، ألا ترى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «اشفعوا تؤجروا» فندب أمَّته إلى السعي في حوائج الناس، وشرط الأجر على ذلك. شرح صحيح البخاري (3/ 434).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وكأن مقصوده: أنهم يؤجرون على الشفاعة، وهو إنما يفعل ما أمره الله به. مجموع الفتاوى (17/ 110).
وقال أبو المظفر السمعاني -رحمه الله-:
واعلم أن الشفاعة مستحبة في كل الحقوق إلا في حدود الله تعالى؛ فإنه لا يجوز فيها الشفاعة؛ ليُترك الحد. تفسير السمعاني (1/ 455).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ولا يتأبَّى كبيرٌ أن يشفع عند صغير، فإن شفع عنده ولم يقضها لا ينبغي له أن يتأذى الشافع، فقد شفع الشارعُ عند بَريرة أنْ تردَّ زوجها فأبتْ. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (10/ 330).
وقال النووي -رحمه الله-:
اعلم أنه تُستحبّ الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم من أصحاب الحقوق والمستوفين لها، ما لم تكن شفاعة في حدٍّ أو شفاعة في أمر لا يجوز تركه، كالشفاعة إلى ناظرٍ على طفل، أو مجنون أو وقف أو نحو ذلك في ترك بعض الحقوق التي في ولايته، فهذه كلُّها شفاعة محرّمة تحرم على الشافع، ويحرم على المشفوع إليه قبولها، ويحرم على غيرهما السعي فيها إذا علمها، ودلائلُ جميع ما ذكرته ظاهرة في الكتاب والسنّة وأقوال علماء الأمة. الأذكار (ص: 327).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
وقد أجمع العلماء على تحريم الشفاعة في الحدِّ بعد بلوغه إلى الإمام؛ لهذه الأحاديث، وعلى أنه يحرم التشفيع فيه، فأما قبل بلوغه إلى الإمام فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شرٍّ وأذىً للناس، فإن كان لم يشفع فيه، وأما المعاصي التي لا حدّ فيها وواجبها التعزير فتجوز الشفاعة والتشفيع فيها، سواء بلغت الإمام أم لا؛ لأنها أهون، ثم الشفاعة فيها مستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب أذىً ونحوه. شرح النووي على مسلم (11/ 186).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه: أن معونة المسلم في كل حال بفعل أو قول فيها أجر، وفيه: عموم الشفاعة للمذنبين، وهي جائزة فيما لا حدَّ فيه عند السلطان وغيره، وله قبول الشفاعة فيه والعفو عنه إذا رأى ذلك، كما له العفو عنه ابتداءً، وهذا فيمن كانت منه الزلة والفلتة، وفي أهل الستر والعفاف، ومَن طمع بوقوعه عند السلطان والعفو عنه من العقوبة أن يكون له توبة، وأما الـمُصِرُّون على فسادهم، المستهزئون في باطلهم؛ فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم، ولا ترك السلطان عقوبتهم؛ ليزدجروا عن ذلك، وليرتدع غيرهم بما يفعل بهم، وقد جاء الوعيد في الشفاعة في الحدود. إكمال المعلم(8/ 107).
قوله: «وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسانِ نَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا شَاءَ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله: «وليقض الله على لسان نبيه ما أحب» هكذا صحت الرواية هنا «وليقض» باللام وجزم الفعل بها، ولا يصح أن تكون لام كي كذلك، ولا يصح أيضًا أن تكون لام الأمر؛ لأنَّ الله تعالى لا يُؤمر، وكأن هذه الصيغة وقعت موقع الخبر، كما قد جاء في بعض نسخ مسلم: «ويقضي الله» على الخبر بالفعل المضارع، ومعناه واضح. المفهم (6/ 632).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وقوله: «يقضي الله على لسان رسوله» أي: يجري على لساني ما شاء الله، إن قضيتُ حاجةً من شفاعتكم له فهو بتقدير الله، وإن لم أقض فهو أيضًا بتقدير الله.
أقول: قوله: «على لسان رسوله» من باب التجريد؛ إذ الظاهر أن يقال: على لساني، كأنه قال: اشفعوا إليّ، ولا تقولوا: ما ندري أيقبل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أم لا؛ لأن الله تعالى هو القاضي، فإن قضى لي أن أقبل أقبل، وإلا فلا، وهو من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3177).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
والمراد بـ«ويقضِي اللهُ على لسان نبيِّه ما شاء» ييسره لما يأمر به من العطاء، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «والله في عونِ العَبْد ما كان العبدُ في عونِ أخيه». التوضيح لشرح الجامع الصحيح (10/ 330).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ويُجري الله على لسان نبيِّه ما شاء، أي: من موجبات قضاء الحاجة، أو عدمها، أي: إن قضيتها أو لم أقضها فهو بتقدير الله تعالى وقضائه. فتح الباري (10/ 451).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ويقضي الله» وهو استئناف له عطف على «تؤجروا»؛ ولذا لم يجزم «على لسان نبيه ما شاء» فليس على الشافع قضاء الحاجات، وقد حصل الأجر لسعيه ومعاونته ومقاصديه لذي الحاجة...
والأمران في الحديثين الأصل فيهما الإيجاب، ويحتمل أنه للندب، ويحتمل أن تختلف الأحوال والمقامات والسائلين والمسئولين. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 397).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وَلْيَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيهِ مَا أَحَبَّ»... والمعنى: أنه إذا عَرَض صاحبُ حاجة حاجتَه عليَّ، فاشفعوا له؛ يحصل لكم أجر الشفاعة أي: ثوابها، وإن لم تُقبَل، فإن قُضيت حاجةُ مَن شفعتم له فبتقدير الله تعالى، وإن لم تُقضَ فبتقدير الله تعالى أيضًا.
يعني: أن المطلوب منكم حصول الشفاعة، حتى يحصل لكم الأجر، وأما قضاء الحاجة، وعدم قضائها فموكول إلى الله -سبحانه وتعالى-. البحر المحيط الثجاج (41/ 156).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ودل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ويقضى الله على لسان نبيّه ما شاء» أن الساعي مأجور على كل حال، وإن خاب سعيُه ولم تنجح طِلبته، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». شرح صحيح البخاري (3/ 434).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
ويؤخذ من هذا: أنه ينبغي للمسلم أن يشتغل بقضاء حاجة أخيه، فيقدّمها على حاجة نفسه؛ لينال من الله تعالى كمال الإعانة في حاجاته. منحة العلام (10/ 128).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
الشفاعة الممنوعة: حين تُبطِل حدود الله.