الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«أَكْثِرُوا مِن شهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ قبلَ أنْ يُحَالَ بينكم وبينها، ولَقِّنُوهَا موتَاكُمْ».


رواه الطبراني في الدعاء برقم: (1143) واللفظ له، وأبو يعلى برقم: (6147)، وابن عدي في الكامل برقم: (165)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (1212)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (467).


غريب الحديث


«لَقِّنُوها»:
‌لَقَّنَني فلانٌ كلامًا تَلقينًا أي: فهَّمَني منه ما لم أَفهم. لسان العرب (13/ 390).


شرح الحديث


قوله: «أكثروا من شهادة أَنْ لا إله إلا الله»:
قال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «أكثروا من شهادة أَنْ لا إله إلا الله» أي: أكثروا النطق بها، مع استحضارها في القلب. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 202).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أمر أنْ يُلَقَّن الميت إياها عند موته، وإنَّ من أكبر أسباب ذِكر الإنسان لها عند موته: أن يكون مكثرًا لها في حياته، فإن من أكثر من شيء أَلِفَهُ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله قبل أن يُحَال بينكم وبينها». الضياء اللامع (2/ 374).

قوله: «قبل أَنْ يُحَال بينكم وبينها»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «قبل أَنْ يُحَال بينكم وبينها» بالإصمات بالموت. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 64).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «قبل أَنْ يُحَال بينكم وبينها» بالموت؛ فلا تستطيعون الإتيان بها، وما للعمر إذا ذهب مُسْتَرْجَعٌ، ولا للوقت إذا ضاع مُسْتَدْرَكٌ. فيض القدير (2/ 89).

قوله: «ولقِّنوها»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «لقِّنوا» من التلقين، وهو كالتفهيم وزنًا ومعنىً وتعْدِيَةً. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 74).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «لقِّنوا» معنى التلقين: أنْ الإنسان يقول الشيء ليتبعه غيره؛ كما يُلَقِّنُ المدرس الطفل الصغير القراءة مثلًا، يقرأ ثم ذاك يتبعه، فالمعنى: قولوا: «لا إله إلا الله» من أجل أن يتبعوكم. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 503).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله (في حديث أبي سعيد في مسلم): «لَقِّنوا» للندب والاستحباب، والتلقين: العرض، وهو أنْ يُقال عند المحتضِر: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أو غيره؛ ليذكر، وإذا قالها مرة، فلا يُعاد ما لم يتكلَّم. الأزهار شرح مصابيح السنة، مخطوط، لوح (194).

قوله: «موتاكم»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «موتاكم» أي: من قرب منكم من الموت، سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازًا. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1372).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «موتاكم» أي: الذين هم في سياق الموت؛ سماهم الموتى؛ لأن الموت قد حضر لهم. مرعاة المفاتيح (5/ 307).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
المراد: «موتاكم» من حضره الموت؛ لأنه لا يزال في دار التكليف، ومن الممكن أن يستفيد من تلقينه؛ فيتذكر الشهادة ويقولها، فيكون من أهل الجنة. السلسلة الصحيحة (1/ 466).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«موتاكم» أي: مَن حضر الموت، بأنْ نزلت به مقدماته على حَدِّ: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} يوسف: 36، وإلا فالميت لا يُلقَّن..، وأخذ أئمتنا من الحديث (حديث أبي سعيد) أنَّه يندب هذا التلقين، أي: ندبًا متأكِّدًا، كيف وظاهر الحديث يقتضي وجوبه، وجرى عليه جمع، بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه، وقد يُجاب بأنَّ المعنى: وهو عدم حدوث مفسدة على الترك، يقتضي أنه مندوب لا غير، وأنه يُسنُّ الاقتصار على (لا إله إلا الله) لظاهر الأخبار؛ ولأنه موحِّد، ومن ثم لو كان كافرًا لُقِّنَ الشهادتين، وأمر بهما لخبر اليهودي السابق.
ويُسنُّ لِمُلَقِّنِهِ ألا يأمره فلا يقُل له: قُل؛ لئلا يقول: لا أقولها، فيكفر، على ما أطلقه بعض الأئمة، بل يذكرها عنده؛ ليتذكر ولا يُلِحُّ عليه، فلا يزيد على مرَّة، وقال جماعة: على ثلاث، وأنَّ يكون ممن لا يتَّهمه لإرث أو عداوة، وإذا قالها لم تعُدْ عليه، حتى يتكلم بدنيوي. فتح الإله في شرح المشكاة(6/24).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
المراد «موتاكم» موتى المسلمين، وأما موتى غيرهم فيعرض عليهم الإسلام، كما عرضه -صلى الله عليه وسلم- على عمه عند السياق، وعلى الذِّمِّي الذي كان يخدمه، فعاده وعرض -عليه الإسلام- فأسلم، وكأنَّه خصَّ في الحديث: موتى أهل الإسلام؛ لأنهم الذين يقبلون ذلك؛ ولأن حضور أهل الإسلام عندهم هو الأغلب، بخلاف الكفار، فالغالب أنه لا يحضر موتاهم إلا الكفار. سبل السلام (1/ 465).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله (في حديث أبي سعيد): «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» ... والأمر بهذا التلقين أمر ندب، وأجمع العلماء على هذا التلقين. شرح مسلم (6/ 219).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
الجمهور على أنه يندب هذا التلقين، وظاهر الحديث: يقتضي وجوبه، وذهب إليه جمعٌ، بل نقل بعض المالكية: الاتفاق عليه. مرقاة المفاتيح (3/ 1166).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
(التلقين) ليس على سبيل الوجوب، وإنما على سبيل الاستحباب؛ إذ لم يعلم أنَّ أحدًا من أهل العلم قال بوجوبه. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 504).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «ولقنوها موتاكم» أي: لا إله إلا الله فقط، يعني: من حضره الموت، فيندب تلقينه لا إله إلا الله، ولا يلقن محمد رسول الله، خلافًا لجمع، ويلقن كلمة الشهادة مرة فقط، بلا إلحاح، ولا يقال له: قل، بل يذكرها عنده. فيض القدير (2/ 89).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
قوله (في حديث أبي سعيد): «لقنوا موتا كم لا إله إلا الله» ... وليس التلقين ذكر الشهادة بحضرة الميت وتسميعها إياه، بل هو أمره بأن يقولها، خلافًا لما يظن البعض، والدليل حديث أنس -رضي الله عنه-: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عاد رجلًا من الأنصار، فقال: يا خال، قل: لا إله إلا الله، فقال: أخال أم عم؟ فقال: بل خال، فقال: فخير لي أن أقول: لا إله إلا الله؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: نعم». أحكام الجنائز (1/ 10-11).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله (في حديث أبي سعيد): «لقنوا موتاكم قول: لا إله إلا الله» والتلقين يكون بذكر الشهادة عنده، فيتشهد المُلقِّن عنده، فإن تشهد وإلا قال له: قل: لا إله إلا الله، فالمقصود من التلقين: هو أنه يقول: لا إله إلا الله، فإذا حصل ذلك بذكر الله عنده فهو المطلوب، وإلا فإنه يقال له: قل: لا إله إلا الله، حتى يكون آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله، فإن تكلم بعد ذلك أُعِيْدَ عليه التلقينُ. شرح سنن أبي داود (363/ 20).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «لا إله إلا الله» يحتمل أن يُراد: كلمة الشهادتين معًا، اقتصر على الأولى؛ لأنه يعلم أنهما قرينتان لا يفترقان، ولا تقبل أحدهما بدون الأخرى. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 74).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «لا إله إلا الله» والمراد به: تمام الكلمة الطيبة، اكتفى بالجزء الأول، كما يقال: قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} الإخلاص: 1. لمعات التنقيح (4/ 82).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
عبارة «لا إله إلا الله» أصبحت لقبًا يُقْصَدُ به الشهادتان شرعًا. فتح المنعم (4/ 182).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله (في حديث أبي سعيد): «لقِّنوا مَوْتَاكم» ... واعلم أن جماعة من أصحابنا قالوا: نُلَقِّن ونقول: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» واقتصر الجمهور على قول: «لا إله إلا الله». الفتوحات الربانية (4/ 113-114).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «لا إله إلا الله» اختلف العلماء لماذا لم يقل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؟ فقيل: لأن من أقر بالتوحيد فإنه مُقِرٌّ بالرسالة؛ لأن ألوهية الله -عزَّ وجلَّ- تقتضي لكمالها أن يكون محمد رسول الله، وقيل: إن المعنى: لقِّنوهم لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فحذف الثانية استغناء عنها بالأولى، ولكن ظاهر الحديث: أنه لا حذف فيه، وأنَّ من شهد أن لا إله حق إلا الله، فإن هذه الشهادة تتضمن الإقرار بأنَّ محمدًا رسول الله؛ ولهذا في حديث أسامة الذي لحق بالرجل المشرك، فلما أدركه، قال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله أسامة -رضي الله عنه-؛ فلما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك قال له: «قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟» قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوُّذًا -يعني: يستعيذ من القتل- فجعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يُكرِّرها: «قتلتَه بعد أن قال: لا إله إلا الله؟» حتى قال أسامة: تمنيت أن لم أكن أسلمتُ بعد، فهذا يدل على أن «لا إله إلا الله» إذا قالها الإنسان فهو مؤمن، ثم يُطَالَبُ بعد ذلك بلوازمها. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 504).
وقال المازري -رحمه الله-:
قوله (في حديث أبي سعيد): «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» يحتمل أن يكون أمر -عليه السلام- بذلك؛ لأنه موضع يتعرض الشيطان فيه لإفساد اعتقاد الإنسان، فيحتاج إلى مُذَكِّرٍ ومُنَبِّه له على التوحيد، ويحتمل أن يريد -صلى الله عليه وسلم- ليكون ذلك آخر كلامه؛ فيحصل له ما وعد به -عليه السلام- في الحديث الآخر: أن «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة». المعلم بفوائد مسلم (1/ 483).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال (في حديث أبي سعيد): «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» قال المهلب: لا خلاف بين أئمة المسلمين أنه من قال: لا إله إلا الله، ومات عليها أنه لا بد له من الجنة، ولكن بعد الفصل بين العباد، ورد المظالم إلى أهلها. شرح صحيح البخاري (3/ 236).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قوله: «ويُلَقَّن» ندبًا المحتضر ولو مميزًا على الأوجه؛ ليحصل له الثواب الآتي، وبه فارق عدم تلقينه (أي: المميز) في القبر؛ لأَمْنِهِ من السؤال «الشهادة» أي: لا إله إلا الله فقط؛ لخبر مسلم «لقنوا موتاكم» أي: من حضره الموت «لا إله إلا الله» مع الخبر الصحيح «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» أي: مع الفائزين، وإلا فكل مسلم ولو فاسقًا يدخلها ولو بعد عذاب وإن طال، خلافًا لكثير من فرق الضلال كالمعتزلة والخوارج. تحفة المحتاج بشرح المنهاج (ص: 2).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله (في حديث أبي سعيد): «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» ...، ويتضمن الحديث الحضور عند المحتضر؛ لتذكيره وتأنيسه وإغماض عينيه والقيام بحقوقه، وهذا مُجْمَعٌ عليه. شرح مسلم (6/ 219).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله (في حديث أبي سعيد): «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» يعني: قولوا له: قل كلمتي الشهادة، فإن قال فهو المراد، وإن لم يقل لا يكلف عليه؛ لأنه ربما لا يقدر على الكلام أو يكون مشغولًا بفكر، ولكن يقول الحاضرون: كلمتي الشهادة؛ حتى يوافقهم بقلبه. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 419).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«لا إله إلا الله» هي العاصمة للدم في الدنيا لكل من قالها، فإذا قالها القادم على الآخرة رُجي أن تكون عاصمة له من عذاب الآخرة، كما كانت عاصمة من عذاب الدنيا...؛ (و) أنه لو قد بُهِتَ الإنسان عند الموت أو شُدَهَ عن قول: «لا إله إلا الله» حتى لقَّنَه مُلَقِّنٌ فقالها، كُتبت له كما لو قالها من غير تلقين. الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 133).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
في تلقين الميت هذه الكلمة ستة أوجه:
أحدها: أنها أول ما يلزمه النطق به في بداية التكليف، فأراد أن تكون خاتمة الأقوال.
والثاني: أنه إن كان قالها في زمن السلامة شاكًّا في صحَّتها أو غافلًا عن مضمونها، فعند الموت يحضر قلبه، فينطق بها بيقين.
والثالث: أن الأعمال بطلت بقوة المرض، فلم يبق إلا الأقوال، وهي أفضل الأقوال.
والرابع: أن الأعمال بخواتيمها، وهي أشرف ما ختم به.
والخامس: ليقر المؤمن في زمن الشدة بما كان مقرًّا به في زمن السلامة والعافية، ومثله ابتلاء منكر ونكير.
والسادس: أن هذه الكلمة كانت عاصمة في الدنيا من عذابها، فأُمر بقولها عند استقبال الآخرة؛ ليُنَجَّى من عذابها.
ويُستحب أن تكون آخر كلام المريض، فإن لُقِّنها، ثم تكلم بعدها أُعِيْدَتْ عليه؛ لتكون آخر كلامه، وإن ثقُل عليه النطق فكُرِّرت عليه ثلاثًا فلم يطق النطق لم تكرر عليه، فكان اعتقاده قائمًا مقام النطق. كشف المشكل (3/ 163-164).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال جماعات من أصحابنا: يُستحب تلقين الميت عقب دَفنه، فيجلس عند رأسه إنسان، ويقول: يا فلان ابن فلان، ويا عبد الله ابن أمة الله، اذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا، زاد الشيخ نصر (المقدسي): ربي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، فهذا التلقين عندهم مستحب؛ ممن نص على استحبابه: القاضي حسين والمتولي والشيخ نصر المقدسي والرافعي وغيرهم، ونقله القاضي حسين عن أصحابنا (الشافعية) مطلقًا، وسئل الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح -رحمه الله- فقال: التلقين هو الذي نختاره، ونعمل به، قال: وروينا فيه حديثًا من حديث أبي أمامة ليس إسناده بالقائم، لكن اعتضد بشواهد وبعمل أهل الشام قديمًا، هذا كلام أبي عمرو، قلتُ: حديث أبي أمامة رواه أبو القاسم الطبراني في معجمه بإسناد ضعيف، ولفظه: عن سعيد بن عبد الله الأزدي قال: شهدتُ أبا أمامة -رضي الله عنه- وهو في النزع، فقال: إذا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «إذا مات أحد من إخوانكم فسوَّيْتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه، ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعدًا، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا -رحمك الله-؛ ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن إمامًا، فإن منكرًا ونكيرًا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه، ويقول: انطلق بنا ما نقعد عند من لقّن حجته، فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم نعرف أمه، قال: فينسبه إلى أمه حواء، يا فلان ابن حواء» قلتُ: فهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، فيُستأنس به، وقد اتفق علماء المحدثين وغيرهم على المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، وقد اعتضد بشواهد من الأحاديث، كحديث: «واسألوا له الثبيت» ووصية عمرو بن العاص، وهما صحيحان، ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا في زمن من يُقتَدى به وإلى الآن، وهذا التلقين إنما هو في حق المكلَّف الميت، أما الصبي فلا يُلَقَّن -والله أعلم-. المجموع(5/ 303-304).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
تلقين الميت: هذا داخل تحت قوله: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} الذاريات: 55، وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير بالله عند تغيُّر الحال، وكسوف البال، وما يعرو المرء بغمرات الموت من الاختلال، ويختلسه عند ذلك الشيطان، فيُذكَّر بالله سبحانه، فيتذكر إن شاء الله. عارضة الأحوذي (4/158).
وقال ابن العربي -رحمه الله- أيضًا:
فإذا أُدخل الميت قبره فإنه يُستحبُّ تلقينه في تلك الساعة، وهو مُستحب، وهو فعل أهل المدينة، والصالحين والأخيار؛ لأنه مطابق لقوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} الذاريات: 55، وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير بالله تعالى عند تغير الحال، وخروج الروح، وعند سؤال الملك؛ لأنه يخاف عند ذلك أن يختلسه الشيطان، فيُذكَّر بالله تعالى؛ ولقوله: «لَقِّنوا أمواتكم لا إله إلا الله». المسالك في شرح موطأ مالك (3/ 513).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
وأما التلقين بعد الموت وهو في القبر، فقيل: يُفْعَلُ؛ لحقيقة ما روينا، ونُسب إلى أهل السنة والجماعة وخلافه إلى المعتزلة، وقيل: لا يُؤمر به، ولا يُنهى عنه. فتح القدير (2/ 104).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «لقِّنوا موتاكم» المراد: من حضره الموت، لا من مات، والتلقين: أن يُذكر عنده لا أن يأمره به، والتلقين بعد الموت قد جزم كثير أنه حادث. حاشية السندي على سنن النسائي (4/ 5).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
أما تلقينه بعد الموت فمع أنه بدعة لم ترد في السُّنة فلا فائدة منه؛ لأنه خرج من دار التكليف إلى دار الجزاء؛ ولأنه غير قابل للتذكُّر: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} يس: 70. سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 466).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وأما التلقين بعد الدفن، فإنه بدعة؛ لعدم ثبوت الحديث عن النبي -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- في ذلك، ولكن الذي ينبغي أن يُفعل: ما رواه أبو داود حيث كان النبي -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: «استغفروا لأخيكم، اسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل» وأما القراءة عند القبر وتلقينه في القبر، فهذا بدعة، لا أصل له. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 75).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
مشروعية تلقين المحتضر شهادة التوحيد، رجاء أن يقولها فيفلح. السلسلة الصحيحة (1/ 466).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وروي في تلقين الميت بعد الدفن حديث فيه نظر، لكن عمل به رجال من أهل الشام الأولين، مع روايتهم له؛ فلذلك استحبه أكثر أصحابنا، وغيرهم. اقتضاء الصراط المستقيم (ص: 326).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
تلقينه بعد موته ليس واجبًا بالإجماع، ولا كان من عمل المسلمين المشهور بينهم على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه، بل ذلك مأثور عن طائفة من الصحابة؛ كأبي أمامة وواثلة بن الأسقع، فمِن الأئمة مَن رخص فيه كالإمام أحمد، وقد استحبه طائفة من أصحابه، وأصحاب الشافعي، ومن العلماء من يكرهه لاعتقادهِ أنه بدعة، فالأقوال فيه ثلاثة: الاستحباب، والكراهة، والإباحة، وهذا أعدل الأقوال، فأما المستحب الذي أمر به وحضَّ عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو الدعاء للميت. الفتاوى الكبرى (3/ 25).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
وتلقين الميت بعد دفنه قيل: مباح، وقيل: مستحب، وقيل: مكروه، وفعله واثلة بن الأسقع وأبو أمامة، والأظهر: أنه مكروه؛ لأنه لم يفعله الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بل المستحب الدعاء له. المستدرك على مجموع الفتاوى (3/ 147).

وللفائدة يُنظر:
فضل من مات على التوحيد.

- حديث: «لَقِّنُوا موتاكم لا إله إلا الله؛ فإنه من كان آخر كلمته لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة»


إبلاغ عن خطأ