الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«ما مِن مولود يولد ‌إلَّا ‌نَخَسَهُ ‌الشيطان، فيَستهلُّ صارخًا من نَخسةِ الشيطانِ، إلا ابنَ مريمَ وأمَّهُ، ثمَّ قال أبو هريرةَ: اقرؤوا إن شِئتُم {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} آل عمران: 36».


رواه البخاري برقم: (4548)، ومسلم برقم: (2366) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«فيَستهلُّ»:
الاستهلال: رفع الصوت، والمراد به الصِّياح. الإفصاح، لابن هبيرة (6/ 57).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الاستهلال: صياح المولود عند الولادة. جامع الأصول (8/ 522).

«صارخًا»:
الصُّراخ: الصياح والبكاء. جامع الأصول، ابن الأثير (8/ 522).

«نخسةِ»:
وأصل النَّخس: الدَّفع والحرَكة. النهاية، ابن الأثير(5/ 32).

«الرَّجِيمِ»:
والرَّجم: اللعن، والشيطان ‌الرَّجيم، بمعنى: المرجُوم، وهو الملعون المبعد. تهذيب اللغة، الأزهري (11/ 49).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
الشيطان ‌الرجيم: أي: المرجوم بالكواكب، وقيل: رجيم: ملعون، مرجوم باللعنة. المحكم والمحيط الأعظم (7/ 419).


شرح الحديث


قوله: «ما من مولود يُولد ‌إلا ‌نَخَسَهُ ‌الشيطان»:
قال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي -رحمه الله-:
«إلا نَخَسَه» بنون وخاء معجمة، ثم سين مهملة؛ أي: طعنه «الشيطان» يقال: نَخَسْت الدابة نخسًا، من باب نصر: طعنتها بعود أو نحوه، فهاجت، والفاعل: نَخَّاس مبالغة، ومنه قيل لدلَّال الدواب ونحوها: نَخَّاس. البحر المحيط الثجاج (38/ 80).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله: «كل مولود (كما هي رواية أحمد)، وما من مولود» ظاهر قوي في العموم والإحاطة، ولـمَّا استثنى منه مريم وابنها التحق بالنصوص لا سيما مع النظر الذي أبديناه، فأفاد هذا: أن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء، والأولياء، إلا مريم وابنها، وإن لم يكن كذا بطلت الخصوصية بهما، ولا يُفهم من هذا: أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس وإغواؤه، فإن ذلك ظنٌّ فاسد، وكم قد تعرض الشيطان للأنبياء، والأولياء بأنواع الإفساد، والإغواء، ومع ذلك يعصمهم الله مما يرومه الشيطان، كما قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} الحجر: 42، هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وُكِل به قرينه من الشياطين، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى هذا فمريم وابنها -وإن عُصما من نخسه- فلم يُعصما من ملازمته لهما ومقارنته، وقد خَصَّ الله تعالى نبينا -صلى الله عليه وسلم- بخاصية كمل عليه بها إنعامه، بأن أعانه على شيطانه حتى صح إسلامه، فلا يكون عنده شر، ولا يأمره إلا بخير، وهذه خاصة لم يُؤتها أحد غيره، لا عيسى، ولا أمه، وفي غير كتاب مسلم: «فذهب الشيطان ليطعن في خاصرته فطعن في الحجاب» أي: في الحجاب الذي حُجِب به عيسى -عليه السلام-، فإما حجاب مهْده، وإما حجاب بيته. المفهم (6/ 178).

قوله: «فيستهلُّ صارخًا مِن نَخْسَةِ الشيطانِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فيَستهلُّ» أي: يبكي ذلك المولود حالة كونه «صارخًا» أي: رافعًا صوته بالبكاء «من نخسة الشيطان» وطعنته...، وأصل النخس: غمز الدابة بعود أو نحوه. الكوكب الوهاج (23/ 269).
وقال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي -رحمه الله-:
«فيستهل» أي: يصيح، ويرفع صوته، وقوله: «صارخًا» حال مؤكد، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} البقرة: 60...
وقوله: «من نخسة الشيطان» تعليل لاستهلاله صارخًا أي: إنما يستهل صارخًا من أجل تألمه؛ بسبب طعنة الشيطان له. البحر المحيط الثجاج (38/ 80).
وقال المناوي -رحمه الله-: يغني عن هذا النقل قول ابن حجر الآتي
«فيَستهلُّ» أي: ‌يرفع ‌المولود ‌صوته «‌صارخًا» أي: باكيًا، الصراخ: الصوت، والمراد هنا: البُكاء، أي: فسبب صراخه أول ما يولد «مِن» ألمِ «مسِّ الشيطان» بأصبعه حالتئذ، وهذا مُطَّرد في كل مولود. فيض القدير (5/ 475).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان» يعني به: أوَّل وقتِ الوِلادةِ حين يَستَهِلُّ أوَّلَ استِهلالٍ، بدليلِ قولِه في الروايةِ الأُخرى: «يومَ يُولَد» أي: حينَ يُولَد، والعربُ قد تُطلِقُ اليومَ وتُريدُ به الوقتَ والحينَ، كما قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا} الأحقاف: 35، أي: حينَ يَرَوْن.
كما تقدَّم في الحديثِ قبل هذا: «لَيَأتِيَنَّ على أحدِكم يومٌ لا يَراني» أي: زَمَنٌ ووقتٌ، وهو كثيرٌ.
وكأنَّ النَّخْسَ من الشيطانِ إشعارٌ منه بالتمكُّنِ والتَّسليط.المفهم(6/ 177).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فيَستهلُّ صارخًا من مَسِّ الشيطان» في رواية معمر المذكورة: «من نخسة الشيطان» أي: سبب صراخ الصبي أول ما يولد، الألم من مس الشيطان إياه، والاستهلال: الصياح. فتح الباري (6/ 470).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
مَسُّ الشيطان: تعلقه بالمولود ‌وتشويش ‌حاله، والإصابة بما يؤذيه ويؤلمه أولًا، كما قال تعالى حكاية عن أيوب -عليه السلام-: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} ص: 41، والاهتمام بحصول ما يصير ذريعة ومتسلقًا له في إغوائه.
والاستهلال والإهلال: رفع الصوت، والصراخ: هو الصوت. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 82).

قوله: «إلا ابنَ مريمَ وأمهُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي -رحمه الله-:
«إلا ابن مريم» عيسى «وأمه» مريم -عليهما السلام-، وقد جاء في رواية للبخاري بيان المس المذكور، ولفظه: «كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب» أي: في المشيمة التي فيها الولد...
تنبيه آخر: مريم بالسريانية الخادم، وسُميت به والدة عيسى، فامتنع الصرف للتأنيث والعلمية، ويقال: إن مريم بلسان العرب: من تُكثر من زيارة الرجال من النساء، كالزِّير، وهو من يُكثر زيارة النساء، واستشهد من زعم هذا بقول رؤبة:
قلتُ لِزِيْر لم تَصِله مَرْيَمُه
حكاه أبو حبان في تفسير سورة البقرة، وفيه نظر، قاله في الفتح. البحر المحيط الثجاج (38/ 81- 82).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وحفظ الله تعالى لمريم وابنها من نخسته تلك التي هي ابتداء التسليط ببركة إجابة دعوة أمها حين قالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} آل عمران: 36 فاستجاب الله لها لما حضرها في ذلك الوقت من صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وصحة التوكل. المفهم (6/ 177).
وقال المناوي -رحمه الله- متعقبًا:
«غير مريم» بنت عمران الصديقة بنص القرآن «وابنها» روح الله عيسى، فإنه ذهب ليطعن فطعن في الحجاب الذي في المشيمة، وهذا الطعن ابتداء التسلط، فحفظ منه مريم وابنها؛ ببركة قول أمها: {أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} آل عمران: 36،كذا ذكره بعضهم، واعتُرض بأن الاستعاذة كانت بعد وضعها، والمس كان حال الولادة، فقد يكون استعاذتها من الإغواء. فيض القدير (5/ 475).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ظاهره: أنه مُنع من ذلك؛ إجابة لدعوة زكريا -عليهما السلام- وأيضًا فإن الأنبياء معصومون من الشيطان بكل وجه، وقد جاء في هذا الحديث في غير مسلم: «فذهب الشيطان ليطعن في خاصرته فطعن في الحجاب». إكمال المعلم (7/ 338).
وقال النووي -رحمه الله-:
«إلا ابن مريم وأمه» هذه فضيلة ظاهرة، وظاهر الحديث: اختصاصها بعيسى وأمه، واختار القاضي عياض أن جميع الأنبياء يتشاركون فيها. شرح صحيح مسلم (15/ 120).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «غير مريم وابنها» تقدم في باب إبليس بذكر عيسى خاصة، فيحتمل أن يكون هذا بالنسبة إلى المس (كما هو في رواية أخرى: المس بدل النَّخس)، وذاك بالنسبة إلى الطعن في الجنب، ويحتمل أن يكون ذاك قبل الإعلام بما زاد.
وفيه بُعد؛ لأنه حديث واحد، وقد رواه خلاس عن أبي هريرة بلفظ: «كل بني آدم قد طعن الشيطان فيه حين ولد، غير عيسى وأمه، جعل الله دون الطعنة حجابًا، فأصاب الحجاب، ولم يصبها» والذي يظهر أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، والزيادة من الحافظ مقبولة، وأما قول بعضهم: يحتمل أن يكون من العطف التفسيري، والمقصود: الابن، كقولك: أعجبني زيد وكرمه، فهو تعسف شديد. فتح الباري (6/ 470).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«إلا ابن مريم وأمه» وفي الرواية الخامسة: «إلا مريم وابنها» وفي رواية للبخاري: «غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب» والمراد من الحجاب: الجلدة التي فيها الجنين، أي: المشيمة، أو الثوب الملفوف على الطفل، والاقتصار على عيسى في هذه الرواية دفع بعضهم أن يقول عن روايات مريم وابنها: إنه من عطف التفسير، والمقصود: الابن، كقولك: أعجبني زيد وكرمه، وحمل الحافظ ابن حجر على هذا القول وقال: إنه تعسف شديد، وقال: يحتمل أن يكون هذا بالنسبة إلى المس، وذاك بالنسبة إلى الطعن في الجنب. اهـ، (لم ينته النقل كما سبق من كلام ابن حجر، فإنه أتى بالاحتمالين واستبعدهما) وهذا الاحتمال مُستبعد؛ لأن الرواية التي اقتصرت على عيسى نفت الطعن، والتي ذكرتهما نفت المس عنهما، ونفْي المس نفي للطعن، وكون مريم طُعنت ولم تمس مُستبعَد.
قال: ويحتمل أن يكون ذاك قبل الإعلام بما زاد، يعني: أعلم أولًا بنفي الطعن والمس لعيسى، ثم أعلم آخرًا بنفيهما عنه وعن أمه، قال: وفيه بُعد؛ لأنه حديث واحد، وقد رُوي بلفظ: «كل بني آدم قد طَعن الشيطان فيه حين ولد، غير عيسى وأمه، جعل الله دون الطعنة حجابًا، فأصاب الحجاب، ولم يصبهم» قال: والذي يظهر أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، والزيادة من الحافظ مقبولة. فتح المنعم (9/ 239).
قوله: «ثمَّ قال أبو هريرةَ: اقرؤوا إن شِئتُم {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} آل عمران: 36»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«اقرؤوا إن شئتم {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} آل عمران: 36» هذه الجملة موقوفة على أبي هريرة، يَستدل بها على حفظ الله مريم وابنها من الشيطان، ببركة دعوة أمها، ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى. فتح المنعم (9/ 239).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
قال علماؤنا: فأفاد هذا الحديث أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم، فإن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء إلا مريم وابنها، قال قتادة: كل مولود يطعن الشيطان في جنبه حين يولد، غير عيسى وأمه، جُعل بينهما حجاب فأصابت الطعنة الحجاب، ولم ينفذ لها منه شيء، قال علماؤنا: وإن لم يكن كذلك بطلت الخصوصية بهما، ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواؤه فإن ذلك ظن فاسد، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك عصمهم الله مما يرومه الشيطان، كما قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} الحجر: 42. هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وُكِل به قرينه من الشياطين، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فمريم وابنها وإن عُصما من نخسه، فلم يُعصما من ملازمته لهما، ومقارنته، والله أعلم. الجامع لأحكام القرآن (4/ 68).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وفي رواية: «ما من مولود يولد ‌إلا ‌نخسه ‌الشيطان فيستهل صارخًا من نخسه الشيطان إلا ابن مريم وأمه».
وفي رواية: «كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب».
وفي رواية: «كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها».
في هذا الحديث ما يدل على شدة عداوة هذا العدو الكافر؛ لأنه بلغ من عداوته أنه إذا رأى الطفل حين ولادته على ضعفه ووهنه بادر إلى نخسه حتى يستهل صارخًا، فأراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يعلمنا هذه عداوته؛ ليكون الطفل حذرًا من نزغاته.
وفيه: أن الله تعالى سلم مريم وابنها منه، باستعاذة أم مريم هو قولها: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} آل عمران: 36، فدل هذا على أنه يُستحب لكل مؤمن أن يستعيذ بربه لذريته من الشيطان الرجيم...
وفيه: أيضًا من التنبيه على أن الشيطان ينخس المولود نخسًا فيستهل صارخًا، وعلى هذا فإنه نخس الآدمي في بطنه بنزغاته بالنخس الذي لا يدركه حسه؛ ولكن يدركه إيمانه وعقله، فينبغي أن يكون على أقل أحواله إذا رأى تأثير تلك النزغة عنده أن يَدمُلها (يُصلحها) بالحجة. الإفصاح (6/ 56- 57).


إبلاغ عن خطأ