سمِع النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- رجلًا يحلف بأبيه، فقال: «لا تحلِفوا بآبائكم، من حلَف بالله فَلْيَصْدُقْ، ومن حُلِفَ له بالله فَلْيَرْضَ، ومَن لم يرضَ بالله فليس مِن الله».
رواه ابن ماجه برقم: (2101)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (7247)، صحيح الترغيب والترهيب: (2951).
شرح الحديث
قوله: «سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا يحلف بأبيه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا» لم أر من ذكر اسمه «يحلف بأبيه» أي: يحلف على أنه فعل كذا، أو لم يفعل كذا باسم أبيه. مرشد ذوي الحجا والحاجة (12/ 249).
وقال حسن الفيومي -رحمه الله-:
قال العلماء -رضي الله عنهم-: كان الحلف بالآباء مُعتادًا في الجاهلية، فلما جاء الله تعالى بالإسلام نهاهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الحلف بغير الله تعالى. فتح القريب المجيب (11/ 726).
قوله: فقال: «لا تحلفوا بآبائكم»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» النبي -صلى الله عليه وسلم- على جهة العموم: أيها المسلمون «لا تحلفوا» على أمر من الأمور تركًا كان أو فعلًا «بـ» أسماء «آبائكم» ولا تحلفوا بالله كذبًا تعظيمًا باسم الله. مرشد ذوي الحجا والحاجة (12/ 249).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وقد اختلف العلماء في أن الحلف بمخلوق حرام أو مكروه، والخلاف عند المالكية والحنابلة، لكن المشهور عند المالكية الكراهة، وعند الحنابلة التحريم، وبه قال أهل الظاهر، ويوافقه ما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: «لأن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبرّ» رواه الطبراني بإسناد رجاله ثقات. فتح القريب المجيب (11/ 726).
وقال حسن الفيومي -رحمه الله- أيضًا:
ففيه النهي عن الحلف بالآباء، ولا يختص النهي بذلك، بل يتعدى إلى كل مخلوق، والحلف بالشيء تعظيم له، فنهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن تعظيم غير الله تعالى بالقَسَم به؛ لأنهم كانوا يعظمون الآباء ويفتخرون بهم، وكانوا إذا اجتمعوا بالموسم ذكروا أفعال آبائهم وأيامهم بها الجاهلية فافتخروا بذلك؛ فنزل قولُه تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} البقرة: 200. فتح القريب المجيب (11/ 726).
وقال الشيخ حمود التويجري -رحمه الله-:
وكثيرًا ما سمعناهم يحلفون بالأمانة في أشرف البقاع وأحبها إلى الله تعالى، وما رأينا أحدًا أنكر عليهم هذا المنكر القبيح، فالله المستعان!
وكذلك حَلِف كثير من الجهال بحياته وحياة أبيه أو من يعظمه قد كثر أيضًا، وكذلك الحلف بغير ملة الإسلام قد كثر جدًا؛ كقول كثير من الجهال: إنه يهودي أو نصراني أو مجوسي إن كان قد فعل كذا، أو إن لم يفعل كذا، فهو يهودي أو نصراني أو مجوسي ونحو ذلك. غربة الإسلام (2/ 528).
قوله: «من حلف بالله فَلْيَصْدُقْ»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فليصدُق» مِن الصدق. الـحاشية على سنن ابن ماجه (1/ 646).
وقال محمد الخادمي -رحمه الله-:
«فليصدُق» في حلفه ولا يكذب فيه. بريقة محمودية (3/ 277).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-:
قوله: «من حلف بالله فليصدُق» أي: وجوبًا؛ لأن الصدق واجب، ولو لم يحلف بالله فكيف إذا حلف به؟ وأيضًا فالكذب حرام لو لم يؤكد الخبر باسم الله، فكيف إذا أكده باسم الله؟ تيسير العزيز الحميد (ص517).
قال الشيخ محمد الأمين الهرري-رحمه الله-:
«من حلف بـ» أي اسمٍ من أسماء «الله» تعالى أو صفةٍ من صفات ذاته «فليصدُق» أي: فليكن حَلِفُهُ على أمر صِدْقٍ لا على كذبٍ؛ صونًا لاسم الله عن جعله عُرْضة لأيمانكم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (12/ 249).
قوله: «ومن حُلِفَ له بالله فَلْيَرْضَ»:
قال السندي -رحمه الله-:
«ومن حُلِف له» على بناء المفعول أي: حُلِف بالله لإرضائه. الـحاشية على سنن ابن ماجه (1/ 646).
وقال محمد الخادمي -رحمه الله-:
«ومن حُلِف» فعل مبني للمجهول «له» على شيء «بالله فليَرض» ذلك المحلف بيمينه فـ«المؤمن إذا قال صدَق، وإذا قيل صدَّق» فلا يطلب الحلف بغيره تعالى، كالطلاق والعتاق. بريقة محمودية (3/ 277).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ومَنْ حُلف له» بالبناء للمفعول؛ أي: ومن حلف لأجلِ إِرضَائهِ وإِكرامهِ «بـ» اسم «الله فليرض» ذلك الحَلِفَ وَلْيَقْبَلْهُ ولا يَرُدّهُ علَى الحالف، وَليظُنَّ صِدْقَه فيما حلف عليه؛ احْتِرَامًا لاسمِ الله تعالى. مرشد ذوي الحجا والحاجة (12/ 249).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-:
قوله: «ومن حُلف له بالله فليرض» أي: وجوبًا، كما يدل عليه قوله: «ومن لم يرض فليس من اللَّه»، ولفظ ابن ماجه: «ومن لم يرض بالله فليس من الله». تيسير العزيز الحميد (ص517).
قوله: «ومن لم يرض بالله فليس من الله»:
قال السندي -رحمه الله-:
«فليس من الله» أي: من قربه في شيء، والحاصل: أن أهل القُرْب يصدِّقون الحالف فيما حلف عليه؛ تعظيمًا لله، ومن لا يصدِّقه مع إمكان التصديق فليس منهم، وفي الزوائد رجال إسناده ثقات. الـحاشية على سنن ابن ماجه (1/ 646).
وقال محمد الخادمي -رحمه الله-:
«ومن لم يَرض بالله» بالحلف بالله «فليس من الله» ممن يستحق رحمتَه، أو مِن جملة من رضي الله عنهم. بريقة محمودية (3/ 277).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-:
قوله: «ومن لم يرض فليس من اللَّه»، ولفظ ابن ماجه: «ومن لم يرض بالله فليس من الله» وهذا وعيد، كقوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} آل عمران: 28، قال ابن كثير: "أي: فقد برئ من الله، وهذا عام في الدعاوي وغيرها، ما لم يُفضِ إلى إلغاء حكم شرعي، كمن تشهد عليه البينة الشرعية، فيحلف على تكذيبها؛ فلا يقبل حَلِفُه؛ ولهذا «لما رأى عيسى -عليه الصلاة والسلام- رجلاً يَسرق فقال له: سرقتَ؟ قال: كلا والله الذي لا إله إلا هو! فقال عيسى: آمنتُ بالله، وكذَّبت عيني». تيسير العزيز الحميد (ص517).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري-رحمه الله-:
«ومَنْ لم يَرْضَ» أي: ومن لم يُصدِّقْ ولم يَقْبَلْ بحَلِفِ مَنْ حَلفَ له «بـ» اسم «الله، فليس» ذلك المحلوفُ له الذي رَدَّ حَلِفَ مَنْ حَلَف له باسم الله «مِنْ» أَهْلِ قُرْبِ «اللهِ» تعالى وصِدْقهِ ورِضاه؛ لِمَا عندَه مِن اسْتِخفاف باسمِ الله تعالى؛ حيث لم يحترم ولم يُقدِّر اسمَ الله تعالى. مرشد ذوي الحجا والحاجة (12/ 249).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
الأمر بالحلف بالله وحده والالتزام بالصدق والبرّ