الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«أن امرأتين كانتا تَخْرِزَان في بيت، أو في الحُجْرة، فخرجت إحداهما وقد أُنْفِذَ بِإِشْفًى في كفِّها، فادَّعت على الأخرى، فرُفع إلى ابن عباس، فقال ابن عباس: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ‌لو ‌يُعطَى ‌الناس ‌بدعواهم، ‌لذهب دماء قوم وأموالهم، ذكِّروها بالله، واقرؤوا عليها: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} آل عمران: 77، فذكَّروها فاعترفت، فقال ابن عباس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: اليمين على الـمُدَّعى عليه».


رواه البخاري برقم: (4552)، واللفظ له، ومسلم برقم: (1711)، بلفظ: «لو ‌يُعطى ‌الناس ‌بدعواهم لادَّعَى ناسٌ دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على الـمُدَّعى عليه».


غريب الحديث


«تَخْرِزان»:
الـخَرَز: فصوص من حجارة، واحدتها خَرَزَة...، والخَرَّاز: صانع ذلك، وحرفته الخِرَازة، والمِخْرَز: ما يُخرز به. لسان العرب، لابن منظور (5/ 344).

«الحُجْرة»:
الحُجْرة: البيت، والجمع حُجَر، وحُجُرات، مثل: غُرَف وغُرُفات.المصباح المنير، للفيومي (1/ 122).

«أُنفِذ»:
النفاذ: الجواز، وفي المحكم: جواز الشيء والخلوص منه، تقول: نَفَذْت، أي: جُزْت، وقد نفذ يَنْفُذ نَفَاذًا ونُفُوذًا. لسان العرب، لابن منظور (3/ 514).

«بِإِشْفًى»:
الإشفى: الـمِثْقَب، والجميع: الأشافي. العين، للخليل (6/ 290).
قال الزبيدي -رحمه الله-:
الإشفى: بالكسر والقصر: الـمِثْقَب، يكون للأساكِفَة. تاج العروس (38/ 383).


شرح الحديث


قوله: «أن امرأتين كانتا تَخرِزان»:
قال العيني-رحمه الله-:
مِن خَرَزَ الخفَّ ونحوه، يخرز بضم الراء وكسرها. عمدة القاري (18/ 141)
وقال الكوراني –رحمه الله-:
الخَرْز: الخاء معجمة، وراء مهملة، بعدها زاي معجمة، في الجلد، كالخياطة في الثوب. الكوثر الجاري(8/ 52).

قوله: «في بيت أو في الـحُجْرة»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«في بيت أو في الحُجرة» في نسخة: «في بيت، وفي حجرة» بأن تكون الحجرة في البيت، فيصدق أن المرأتين كانتا فيهما. منحة الباري(7/ 576).

قوله: «فخرجت إحداهما»:
قال الدماميني -رحمه الله-:
«فخرجت إحداهما» من الخروج خلاف الدخول عند جمهور الرواة. مصابيح الجامع (8/ 185).

قوله: «وقد أُنْفِذَ بِإِشْفًى في كَفِّها»:
قال مرتضى الزبيدي –رحمه الله-:
نَفَذَت الطعنة، أي: جاوزت الجانب الآخر حتى يُضيء نَفَذُها خَرقًا، ولولا انتشار الدم الفائر لأبصر طاعنها ما وراءها، ...ونَفَذُها: نُفُوذُها إلى الجانب الآخر. تاج العروس (9/ 490).
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«وقد أُنْفِذ» بضم الهمزة، وسكون النون، وبعد الفاء المكسورة ذال معجمة، والواو للحال، وقد للتحقيق «بإشْفى» بكسر الهمزة، وسكون الشين المعجمة، وبالفاء المنونة، ولأبي ذر: «باشفي بإشفى» بترك التنوين مقصورًا: آلة الخرز للإسكاف. إرشاد الساري (7/ 55).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
الإشفى: الـمِثْقَب، والهمزة فيه زائدة، وهو الذي تخرزه الأساكفة، وهو السِّقاء، والمزادة وما أشبههما، والمخصف: النعل. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (22/ 143).

قوله: «فادَّعت على الأخرى»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«فادَّعت على الأخرى» أي: إنها أنفدت الإشفاء في كفها. منحة الباري(7/ 576).

قوله: «فَرُفِع إلى ابن عباس»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فَرُفِع» أي: أمر المرأتين المذكورتين، ورُفِع: على صيغة المجهول. عمدة القاري (18/ 142).

قوله: «‌لو ‌يُعطى ‌الناس ‌بدعواهم»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
«لو» حرف امتناع لامتناع، أي: امتناع الشيء لامتناع غيره، أو حرف لما سيقع لوقوع غيره، كما قاله سيبويه، والمعنى على هذه: أن دعوى رجال مال قوم كان سيقع؛ لوقوع إعطاء الناس بدعاويهم، والمراد: عليها، وعلى الأولى أن بدعوى الرجال أموال قوم أعطاهم إياها، فوضع الدعوى موضع الأخذ؛ لأنها سببه، ولا شك أن أخذ مال الـمُدَّعى عليه ممتنع لامتناع إعطاء المدَّعي بمجرد دعواه، وكذلك أخذ مال المدعى عليه كان سيقع لوقوع إعطاء المدعي بدعواه، ولا يقع بدون ذلك. المعين على تفهم الأربعين (ص: 389).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«يُعطى» بضم أوله مبنيًا لما لم يسم فاعله. كشف اللثام(6/ 490).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «لو يُعطى» المعطي: هو من له حق الإعطاء، كالقاضي مثلًا، والمصلح بين الناس. شرح الأربعين النووية (ص: 328).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«بدعواهم» ما يدعونه. كشف اللثام(6/ 490).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «بدعواهم» أي: بادعائهم الشيء، سواء كان إثباتًا أو نفيًا.
مثال الإثبات: أن يقول: أنا أطلب فلانًا ألف ريال.
ومثال النفي: أن ينكر ما يجب عليه لفلان. شرح الأربعين النووية (ص: 328).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«لو يعطى الناس بدعواهم» أي: بمجرد إخبارهم عن لزوم حق لهم على آخرين عند حاكم «لذهب دماء قوم وأموالهم». إرشاد الساري (7/ 55).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
اعلم أن الدعوى تنقسم إلى قسمين:
(الأول:) دعوى مستحيل، يعني: دعوى شيء مستحيل، وهذه لا تسمع أصلًا، ولا يلتفت لها القاضي، ويصرف المدعي فورًا دون أن يطالبه ببينة وغيرها، وهو أن يدعي شيئًا مستحيلًا مثل أن يدعي أن هذا ابنه، والمدعي له عشرون، والمدعى به له خمس عشرة سنة، فهنا لا تسمع الدعوى، ولا يشكل القاضي لها جلسة، ولا يلتفت إليها.
والقسم الثاني: دعوى شيء ممكن، لكن الأصل عدمه، هذا هو الذي أراد النبي -صلى الله عليه وسلم-. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 193).

قوله: «‌لذهب دماء قوم وأموالهم»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«لذهب دماء قوم وأموالهم» ولا يتمكن المدعى عليه من صون دمه وماله، ووجه الملازمة في هذا القياس الشرطي: أن الدعوى بمجردها إذا قُبلت فلا فرق فيها بين الدماء والأموال وغيرهما، وبطلان اللازم ظاهر؛ لأنه ظلم. إرشاد الساري (7/ 55).

قوله: «ذكِّروها بالله واقرؤوا عليها: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} آل عمران: 77»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ذكِّروها بالله» أي: خوِّفوا المرأة الأخرى المدعى عليها من اليمين الفاجرة، وما فيها من الاستخفاف. إرشاد الساري (7/ 55).
وقال القسطلاني -رحمه الله- أيضًا:
«واقرؤوا عليها» قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ...} آل عمران: 77 الآية، والموعود عليه حرمان الثواب، ووقوع العقاب من خمسة أوجه، وعدم الخَلاق في الآخرة -وهو: النصيب في الخير- مشروط بعدم التوبة بالإجماع، وعندنا بعدم العفو أيضًا؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشاءُ} النساء: 48. وعدم الكلام عبارة عن شدة السَّخَط -نعوذ بالله منه- فلا يشكل بقوله: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} الحجر: 92، وقيل: لا يكلمهم كلامًا يسرهم، ولعله أولى؛ لأنه تخصيص، وهو خير من المجاز، وعدم النظر: مجاز عن عدم المبالاة والإهانة للغضب، يقال: فلان غير منظور لفلان، أي: غير ملتفت إليه، ومعنى عدم التزكية: عدم التطهير من دنس المعاصي والآثام، أو عدم الثناء عليهم، والعذاب الأليم: المؤلم، ومن الجملة الإسمية يستفاد دوامه، قاله بعض المحققين من المفسرين. إرشاد الساري (7/ 55).

قوله: «فذكَّروها فاعترفت»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فذكَّروها» بفتح الكاف جملة ماضية، ولأبي ذر: «فذكَّرها» بالإفراد «فاعترفت» بأنها أنفذت الإشفى في كف صاحبتها. إرشاد الساري (7/ 55).

قوله: «اليمين على الـمُدَّعى عليه»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «اليمين على الـمُدَّعى عليه» أي: فإنْ نَكَل حَلَف الـمُدَّعي، وقال قوم: لا يحلف، واختلفوا هل يُغَرَّم المدعى عليه إذا نكل ويسجن. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (22/ 143).
وقال العيني -رحمه الله- متعقبًا ابن الملقن:
قلتُ: هذا الذي قاله ليس معنى قول ابن عباس، بل المعنى فيه: أن المدعى عليه إذا رد اليمين على المدعي، لا يصح؛ لأن اليمين وظيفة المدعى عليه، فإذا نَكَل عن اليمين، يلزمه ما يدعيه الـمُدَّعي. عمدة القاري (18/ 142).

قوله في رواية: «ولكن اليمين على المُدَّعى عليه»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«ولكن» لا يعطون شيئًا من ذلك بمجرد دعاويهم، بل حيث فقد المدعي البينة الشرعية تكون «اليمين» المانعة من استحقاق ما ادعاه المدعي «على المدعى عليه» وهو المطلوب. كشف اللثام (6/ 490).
وقال المظهري -رحمه الله-:
لا يُدفع إلى المدعي ما ادعاه بمجرد دعواه، ولكن عليه البينة، فإن لم يكن له بينة، يحلف الـمُدَّعى عليه أنه لا شيء في ذمته للمُدَّعي، وتبرأ ذمته. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 320).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قوله: «واليمين على المدَّعى عليه» يدل على أنَّ كل من ادُّعِيَ عليه دعوى فأنكر، فإن عليه اليمين، وهذا قول أكثر الفقهاء، وقال مالك: إنما تجب اليمين على المنكر إذا كان بين المتداعيين نوع مخالطة؛ خوفًا من أن يتبذل السفهاء الرؤساء بطلب أيمانهم. جامع العلوم والحكم (3/ 943).

قوله في رواية: «لكن البينة على المُدَّعي»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«ولكن البينة» البينة: ما يبيَّن به الحق، وتكون في إثبات الدعوى «على المدعي». شرح الأربعين النووية (ص: 328).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
معنى قوله: «البينة على المدعي» يعني: يستحق بها ما ادعى، لا أنها واجبة عليه يؤخذ بها. جامع العلوم والحكم (3/ 935).

قوله في رواية: «‌واليمين ‌على ‌من ‌أنكر»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«واليمين» أي: دفع الدعوى «على من أنكر». شرح الأربعين النووية (ص: 328).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
معنى قوله: «اليمين على الـمُدَّعى عليه» أي: يبرأ بها، لا أنها واجبة عليه، يؤخذ بها على كل حال. جامع العلوم والحكم (3/ 935).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «واليمين على من أنكر» عام خُصَّ منه صور:
القَسامة (إذا اجتمعت الجماعة من أهل القتيل، فادعوا قِبَل رجل أنه قتل صاحبهم، ومعهم دلائل دون البينة، فحلفوا خمسين يمينًا أن المدعَى عليه قتل صاحبهم، فهؤلاء الذين يُقسِمون على دعواهم هم: ‌القَسَامة)، فإنها في جانب المدعي.
واليمين مع الشاهد الواحد في جانب المدعي.
ويمين المدعي إذا ردَّها عليه المنكر عندنا (الشافعية)، وعند أحمد في رواية.
وأيمان الأمناء حين يتهمون في دعاويهم، كالوكيل والمرتهن ونحوهما. المعين على تفهم الأربعين (ص: 391).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وأما المؤتمن في حقوق الآدميين حيث قُبِل قوله، فهل عليه يمين أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء:
أحدها: لا يمين عليه؛ لأنه صدَّقه بائتمانه، ولا يمين مع التصديق، وبالقياس على الحاكم، وهذا قول الحارث العكلي.
والثاني: عليه اليمين؛ لأنه منكر، فيدخل في عموم قوله: «واليمين على من أنكر»، وهو قول شريح وأبي حنيفة والشافعي ومالك في رواية، وأكثر أصحابنا.
والثالث: لا يمين عليه إلا أن يُتَّهم وهو نص أحمد، وقول مالك في رواية لما تقدم من ائتمانه.
وأما إذا قامت قرينة تنافي حال الائتمان، فقد اختل معنى الائتمان. جامع العلوم والحكم (3/ 947).
وقال النووي -رحمه الله-:
وهذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد أحكام الشرع، ففيه: أنه لا يُقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه، بل يحتاج إلى بينة، أو تصديق المدعى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك. شرح صحيح مسلم (12/ 3).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام، وأعظم مرجع عند التنازع والخصام، يقتضي ألا يُحكم لأحد بدعواه -وإن كان فاضلًا شريفًا- بحق من الحقوق -وإن كان محتقرًا يسيرًا- حتى يستند المدعي إلى ما يقوي دعواه، وإلا فالدعاوي متكافئة، والأصل: براءة الذمم من الحقوق، فلا بد مما يدل على تعلق الحق بالذمة، وتترجح به الدعوى. المفهم (5/ 148).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
الحديث دليل على أنه لا يجوز الحكم إلا بالقانون الشرعي الذي رُتِّب، وإنْ غَلَبَ على الظن صدق المدعي، ويدل على أنَّ اليمين على الـمُدَّعى عليه مُطلقًا. إحكام الأحكام (2/ 276).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقد بين -صلى الله عليه وسلم- الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه؛ لأنه لو كان أعطي بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، واستبيح، ولا يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما المدعي فيمكنه صيانتهما بالبينة. شرح صحيح مسلم (12/ 3).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال العلماء: الحكمة في ذلك لأن جانب المدعي ضعيف؛ لأنه يقول خلاف الظاهر، فَكُلِّف الحجة القوية، وهي البينة؛ لأنها لا تجلب لنفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضررًا، فيقوى بها ضعف المدعي، وجانب المدعى عليه قوي؛ لأن الأصل فراغ ذمته، فاكتُفِي منه باليمين، وهي حجة ضعيفة؛ لأن الحالف يجلب لنفسه النفع ويدفع الضرر، فكان ذلك في غاية الحكمة. فتح الباري (5/ 283).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
اختلف الفقهاء من أصحابنا (الحنابلة) والشافعية في تفسير المدعي والمدعى عليه.
فمنهم من قال: المدعي: هو الذي يُخلَّى وسكوته من الخصمين (بمعنى: لو سَكَت ولم يدَّعِ، لم يُطالب بالدعوى)، والمدعى عليه: من لا يُخلَّى وسكوته منهما.
ومنهم من قال: المدعي: من يطلب أمرًا خفيًا على خلاف الأصل أو الظاهر، والمدعى عليها بخلافه...
وقيل: إن المدعي الذي يحتاج إلى بينة، هو: المدعي ليُعطى بدعواه مال قوم أو دماءهم، كما ذكر ذلك في الحديث. جامع العلوم والحكم (3/ 935).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
المدعي: من تجردت دعواه من أمر يصدِّقه، أو كان أضعف المتداعيين.
والمدعى عليه: من ترجح جانبه بمعهود أو أصل. رياض الأفهام (5/ 382).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واختلف الفقهاء في تعريف المدعي والمدعى عليه، والمشهور فيه تعريفان:
الأول: المدعي من يخالف قوله الظاهر، والمدعى عليه بخلافه.
والثاني: من إذا سكت تُرك وسكوته، والمدعى عليه من لا يُخلَّى إذا سكت.
والأول أشهر، والثاني أسلم، وقد أُورِد على الأول: بأن المودع إذا ادعى الرد أو التلف فإن دعواه تخالف الظاهر، ومع ذلك فالقول قوله، وقيل في تعريفهما غير ذلك. فتح الباري (5/ 283).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
ثم الدعوى المسموعة هي الدعوى الصحيحة، وهو أن يكون المدعى به معلومًا محققًا، فلو قال: عليه شيء، لم تُسمع دعواه، وكذلك لو قال: أظن أن في عليك كذا وكذا، أو لك عليَّ كذا وكذا. رياض الأفهام (5/ 383).
وقال المازري -رحمه الله-:
اليمين في الشريعة على أقوى المتداعيين سببًا، ولما كان الأصل عدم الأفعال والمعاملات استصحبنا ذلك، فكان القائل بما يطابق هذا الأصل هو المدعى عليه؛ فوجب تصديقه، ولكن لم يقتصر الشرع على الثقة بهذا الأصل في كثير من الدعاوي حتى أضاف إليه يمين المدعى عليه المتمسك بهذا الأصل؛ لتتأكد غلبة الظن بصدقه.
وقد نبَّه -صلى الله عليه وسلم- على وجه الحكم في هذا فقال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم»، ولا شك في هذا، ولو جعل القول قول المدعي لاستبيحت الدماء والأموال، ولا يمكن أحد أن يصون ماله ولا دمه.
وأما المدعون فتمكنهم صيانة أموالهم بالبينات، فلهذا استقر الحكم في الشرع على ما هو عليه، وقد يتعلق بهذا الحديث من يوجب اليمين على المدعى عليه من غير اعتبار خلطة، (سيأتي بيان الخُلطة في كلام النووي) أخذًا بعمومه وظاهره من غير تقييد بخلطة.
ومذهب مالك: مراعاتها لضرب من المصلحة، وذلك أنه لو وجبت لكل أحد على كل أحد لابتذل السفهاء العلماء والأفاضل بتحليفهم مرارًا كثيرة في يوم واحد، فجعل مراعاة الخلطة حاجزًا من ذلك.
وقد يتعلق بهذا الحديث من يرى أن لا يقسم مع قول الميت: دمي عند فلان؛ لأنه نبه في هذا الحديث على صيانة الدماء عن إراقتها بالدعاوي. المعلم بفوائد مسلم (2/ 401-402).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
حجة من راعى الخلطة مع المعنى الذي ذكره حديث ضميرة عن علي، وزيد بن ثابت -رضى الله عنهما- أو زيادته في هذا الحديث إذا كانت بينهما مخالطة مع قضاء علي بذلك، وهو مذهب الفقهاء السبعة، وأما سائر الفقهاء وأئمة الأمصار قد ترك مراعاة الخلطة وإمضاء الحديث على ظاهره في كل أحد، وبه قال من أصحابنا ابن نافع، وابن لبابة وغيرهما. إكمال المعلم (5/ 556).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديثِ دلالةٌ لمذهبِ الشافعي والجمهورِ من سَلَفِ الأُمَّةِ وخلفِها أنَّ اليمينَ تتوجَّهُ على كلِّ مَن ادُّعِيَ عليه حقٌّ، سواءٌ كان بينه وبين المدَّعي اختلاطٌ أم لا. وقال مالك وجمهور أصحابِه والفقهاءُ السَّبعةُ فقهاءُ المدينةِ: إنَّ اليمينَ لا تتوجهُ إلَّا على مَن بينه وبينه خلطةٌ؛ لئلَّا يُبتذَلَ السُّفهاءُ أهل الفضلِ بتحليفِهم مرارًا في اليومِ الواحدِ، فاشتُرِطتِ الخِلطةُ؛ دَفعًا لهذه المفسدةِ.
واختُلِف في تفسيرِ الخُلطةِ، فقيل: هي معرفتُه بمعاملتِه ومُدانَتِه، إمَّا بشاهدٍ أو بشاهدَيْن، وقيل: تَكفي الشبهةُ، وقيل: هي أن تليقَ به الدعوى بمثلِها على مثلِه، وقيل: أن يليقَ به أن يُعامِله بمثلِها. ودليلُ الجمهورِ حديثُ الباب.
ولا أصلَ لاشتراطِ الخِلطةِ في كتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجماعٍ. شرح صحيح مسلم (12/ 3).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وأجمع العلماء على استحلاف المُدَّعى عليه في الأموال، إما مطلقة، أو بعد موجب الخلطة، أو الشبهة على ما تقدم.
واختلفوا في غير ذلك، فذهب الشافعي وأحمد وأبو ثور إلى وجوبها على كل مدعى عليه، في حد أو طلاق أو نكاح أو عتق، أخذًا بظاهر عموم الحديث، فإن نَكل حلف المدعى وثبتت دعواه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يحلف في النكاح والطلاق والعتق، فإن نَكل لزم النكاح والطلاق والعتق.
وقال الشعبي والثوري وأبو حنيفة: لا يستحلف في الحدود إلا على السرقة، وقال نحوه مالك، وقال: لا يستحلف في السرقة إلا إذا كان متهمًا، قالا: أن يقوم لمدعي الحدود والنكاح أو الطلاق أو العتق شاهد واحد، فيستحلف حينئذٍ عند مالك المدعى عليه لقوة شبهة الدعوى.
واختلف قوله إذا أنكل، هل يحكم عليه بما ادعى عليه ويسجن؟ أو حتى يطول سجنه؟ إكمال المعلم (5/ 556).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
واحتج بهذا الحديث مَن نفى القَسامة، وهم أهل العراق، وقالوا: يحلف المدعى عليه في كل شيء، والأحاديث السَّالفة ترد عليهم، كقوله: «أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم؟»، وحمل هذا الحديث بعض المالكية على عدم اللَّوث. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (22/ 143).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
والحديث دال على مطلق إيجاب اليمين على المدعى عليه، وإن غلب على الظن صدق المدعي، لا يدل لفظه على أكثر من ذلك. رياض الأفهام (5/ 383).
وقال الشيخ البراك -حفظه الله-:
الحديث أصل من أصول طرق الحكم، وفيه من الفوائد:
1- أن دم المعصوم وماله لا يستحل ولا يستحق بمجرد الدعوى، فالأصل براءة ذمة المعصوم.
2- غلبة الظلم والكذب على كثير من الناس.
4- أنه لا فرق في ذلك بين الرجل العدل وغيره.
3- أن البينة عامة في كل ما يبين الحق من شهود وقرائن.
4- أن القاضي لا يحكم بعلمه.
5- أنَّ نُكول المدعى عليه عن اليمين دليل للمدعي، فيحكم له بيمينه، كما يحكم له بالشاهد واليمين.
6- أن الدعوى تكون في الدماء والأموال وغيرهما من الحقوق، وذِكرهما خرج مخرج الغالب.
7- صيانة الشريعة للحقوق من ظلم الظالمين. الفوائد المستنبطة من الأربعين النووية، باختصار(ص: 54).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
فقه الحديث:
أولًا: يؤخذ من هذا الحديث أن الناس لا يستوون في التورع وعدمه، ففي الناس من يمنعه إيمانه، ومن الناس من يمنعه حياؤه، وفي الناس من لا يمنعه حياء ولا إيمان، وهو الشخص الذي لا يبالي، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا دليل على أن من الناس من يحب ابتزاز أموال الناس والادعاء عليهم؛ ولذلك جعلت لهم الشريعة رادعًا وهو تكليف المدعي بالبينة والمدعى عليه باليمين.
ثانيًا: أن المدعي تلزمه البينة، وغالبًا تكون الدعوى في شيء تحت يد المدعى عليه، فتخالف الواقع، فمن أجل ذلك كلف المدعي بالبينة على صدق دعواه. تأسيس الأحكام، باختصار (5/ 127).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: ما ترجم له المصنف (أي: النسائي) -رحمه الله تعالى-، وهو بيان مشروعية وعظ من تتوجه عليه اليمين بهذه الآية الكريمة، ونحوها؛ ليرتدع عن الإقدام على اليمين الكاذبة، كما اتفق لهذه المرأة، فقد اعترفت لـمَّا وعظوها بالآية.
ومنها: أن في أمر ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- بتلاوة الآية الإشارة إلى العمل بعموم الآية، دون النظر إلى خصوص سببها، فإنها كما تقدم نزلت في الأشعث بن قيس -رضي الله عنه- كانت بينه وبين رجل أرض، فجحده إياها. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى، باختصار (39/ 374).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:
شرح حديث: «البينة على الـمُدَّعِي، ‌واليمين ‌على ‌الـمُدَّعَى ‌عليه».


إبلاغ عن خطأ