الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«البينة على الـمُدَّعِي، ‌واليمين ‌على ‌الـمُدَّعَى ‌عليه».


رواه الترمذي برقم: (1341)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ عند البيهقي في السنن الكبرى برقم: (21262)، «المدعى ‌عليه ‌أولى ‌باليمين إلا أن تقوم عليه البينة».
ورواه أحمد برقم: (3348)، مختصرًا من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (2897 ، 6682) وإرواء الغليل برقم: (2641 ، 2661).


غريب الحديث


«البيِّنة»:
بان الأمر يَبِيْن فهو بيِّن، وجاء بائن على الأصل، وأبان إبانة، وبَيَّن وتبَيَّن واستبان كلها بمعنى: الوضوح والانكشاف، والاسم: البيان. المصباح المنير، للفيومي (1/ 70).
قال المجددي -رحمه الله-:
البينة: هي الحجة القوية، والدليل. التعريفات الفقهية (ص: 49).


شرح الحديث


قوله: «البينة على المُدَّعِي»:
قال ابن العربي -رحمه الله-:
(مِن) قواعد الشريعة: أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، حكمًا شرعه الله لحِكمة، هي: مصلحة الخلق، بينها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «لو أعطِيَ الناس بدعاويهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» وليس في هذه القاعدة خلاف، وإن كان الخلاف في تفاصيل الوقائع التي تتخرج على هذه القاعدة. عارضة الأحوذي (6/ 87).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
البينة: الظاهرة الواضحة، من قولك: بيَّن الشيء يُبَيِّنُ بيانًا فهو بائن وبيِّن، وهما بمعنى، وتاء التأنيث فيها لرجوعها إلى الشهادة، هذا هو الأصل، ثم اتسع فيها؛ لكثرة الاستعمال، فصارت من الأسماء الغالبة على الصفات، حتى إذا قيل: بيِّنة، عُلم أنها الحجة والشهادة. الشافي(5/ 488).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«المدعي» وهو من يخالف قوله الظاهر، أو مَن لو سكت لَخُلِّى (أي: لا يُلزم بتقديم الدعوى). فيض القدير (3/ 225).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«المدعي» اسم فاعل من ادعى يدعي فهو مُدعٍ، والدعوى: الاسم، وهي: الطلب، والمدعي في اللغة: من ادعى شيئًا لنفسه، سواء كان في يده، أو في يد غيره، أو في ذمته. الشافي(5/ 488).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
معنى قوله: «البينة على المدعي» يعني: يستحق بها ما ادعاه، لا أنها واجبة عليه يؤاخذ بها. الإشراف على مذاهب العلماء (4/ 212).

قوله: «‌واليمين ‌على ‌المُدَّعَى ‌عليه»:
قال ابن رجب -رحمه الله-:
قوله: «اليمين على المدعى عليه» إنما هي اليمين القاطعة للمنازعة مع عدم البينة، وأما اليمين المثبتة للحق، مع وجود الشهادة، فهذا نوع آخر، وقد ثبت بسُنَّة أخرى. جامع العلوم والحكم (3/ 940).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «واليمين على المدعى عليه» يعني: إن طلب المدعي اليمين منه، فلو حلَّفَ القاضي بغير طلب المدعي، ثم طلب المدعي التحليف فله أن يحلفه. لمعات التنقيح (6/ 514).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وأما رد اليمين على المدعي، فالمشهور عن أحمد موافقة أبي حنيفة، وأنها لا ترد، واستدل أحمد بحديث: «اليمين على المدعى عليه».
وقال في رواية أبي طالب عنه: ما هو ببعيد أن يقال له: تحلف وتستحق، واختار ذلك طائفة من متأخري الأصحاب (الحنابلة)، وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد، وروي عن طائفة من الصحابة، وقد ورد فيه حديث مرفوع خرَّجه الدارقطني وفي إسناده نظر.
قال أبو عبيد: ليس هذا إزالة لليمين عن موضعها، فإن الإزالة أن لا يقضي باليمين على المطلوب، فأما إذا قُضي بها عليه فرضي بيمين صاحبه كان هو الحاكم على نفسه بذلك؛ لأنه لو شاء لحلف وبرئ، وبطلت عنه الدعوى. جامع العلوم والحكم (3/ 940).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
المدعى عليه: هو من ادُّعِيَ عليه شيء في يده، أو في ذمته لغة وشرعًا، وقد يكونان متداعيين بأن يختلفا مثلًا في العقد، ويدعي كل واحد منهما أن الثمن غير الذي يذكره الآخر. الشافي(5/ 488).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«واليمين على المدعى عليه» وهو من يوافق قوله الظاهر، أو من لو سكت لم يترك؛ لأن جانب المدعي ضعيف؛ فكُلِّف حجة قوية، وهي البينة، وجانب المدعى عليه قوي؛ فقُنِع منه بحجة ضعيفة، وهي اليمين، إلا في مسائل مفصلة في الفروع. فيض القدير (3/ 225).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وحجة المدعي: البينة لتحقق ما يدعيه، وحجة المدعى عليه: اليمين لينفي بها ما يُدَّعى عليه، فإن أقام المدعي البينة حُكم بها له، فكانت أولى من يمين المدعي الصواب: المدعى عليه، واليمين من جهة المدعى عليه، فكانت التهمة من البينة أبعد، فإن لم يكن للمدعي بينة كان القول قول المدعى عليه مع يمينه، فكانت يمينه أولى من يمين المدعي؛ لأن يده على العين الـمُدَّعى بها في الغالب، وإن كانت دينًا؛ فالأصل براءة الذمة، وعلى هذا قول الأئمة الفقهاء، والله أعلم. الشافي(5/ 488-489).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
معنى قوله: «اليمين على المدعى عليه»: أن يبرأ بها، لا أنها واجبة عليه يؤخذ بها على كل حال، فإذا تقدم الخصمان إلى الحاكم فادعى أحدهما على صاحبه شيئًا، نُظر فيما يدعيه، فإن كان ذلك معلومًا سأل المدعى عليه عما ادُّعِى، فإن أقر به، وسأل المدعي الحاكم إثبات ذلك في كتاب أثبته له، وأشهد عليه، وإن سأله أن يدفع إليه ما أقر له به أمره بدفعه إليه، فإن فعل برئ، وإن امتنع أن يدفعه إليه لعلها: وسأل حبسه، ففي قول أكثر أهل العلم: يأمر بحبسه، إلا أن يعلم الحاكم أنه مُعْدِم لا مال له، فلا يسعه حبسه، لقول الله -عز وجل-: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} البقرة: 280 الآية.
وإن أنكر المدعى عليه ما ادعاه سأل الحاكم المدعي بينة تشهد له بما يدعي، فإن أتاه بشاهدين يشهدان له على ما ادعى، أو رجل وامرأتين استحق ما ادعى، ووجب على الحاكم أن يقضي له بحقه، وإن ذكر أن لا بينة له، وسأل استحلافه يستحلفه له، فإن ادعى المشهود عليه بعد أن أقام المدعي البينة أنه (أي: المدعي) قد قبض ذلك منه، وسأل استحلافه، أُحْلِف على دعواه، وأمر المدعى عليه بالخروج من المال، وليس للحاكم استحلاف المدعى عليه حتى يسأله المدعي ذلك. الإشراف على مذاهب العلماء (4/ 212-213).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:
حديث: لو ‌يُعطى ‌الناس ‌بدعواهم لادَّعَى ناسٌ دماء رجال وأموالهم ...»


إبلاغ عن خطأ