الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«‌بُنِيَ ‌الإسلامُ على خمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والحجِّ، وصومِ رمضانَ».


رواه البخاري برقم: (8)، ومسلم برقم: (16)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ عند مسلم برقم: (16): «وصيام رمضان، والحج»، فقال رجل: الحج، وصيام رمضان؟ قال: «لا، صيام رمضان، والحج» هكذا سمعتُه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.  


غريب الحديث


«‌بُنِيَ»:
الباء والنون والياء أصل واحد، وهو بناء الشيء بضمِّ بعضه إلى بعض. مقاييس اللغة، ابن فارس(1/ 302).

«شهادةِ»:
والشهادة: الإخبار بصحة الشيء مشاهدة وعيانًا. المغرب، للمطرزي (ص259)

«الصلاةِ»:
الصلاة في اللغة: الدعاء. المخصص، ابن سيده (4/ 55)
قال ابن أبي الفتح -رحمه الله-:
وهي في الشرع: الأفعال المعلومة من القيام والقعود والركوع والسجود والقراءة والذكر، وغير ذلك، وسميت بذلك؛ لاشتمالها على الدعاء. المطلع على ألفاظ المقنع (ص: 63).

«الزكاةِ»:
الزكاة: من الزكاء وهو النماء والزيادة، سُميت بذلك لأنها تُثمر المال وتنمِّيه. غريب الحديث، لابن قتيبة(1/ 184).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال الماوردي وغيره الزكاة:...اسم لأخذ شيء مخصوص من ‌مالٍ ‌مخصوص على أوصاف مخصوصة لطائفة مخصوصة. تحرير ألفاظ التنبيه (ص101).

«والحجِّ»:
الحج: كثرة القصد إلى من يعظَّم. العين، الفراهيدي (3/ 9).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
‌‌
(حَجَّ) الحاء والجيم أصول أربعة. فالأول القصد، وكل ‌قصد حج... ثم اختص بهذا الاسم القصد إلى ‌البيت ‌الحرام للنسك. مقاييس اللغة» (2/ 29).

«صومِ»:
الصوم: ترك الأكل وترك الكلام. العين، للفراهيدي (7/ 171)
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
الصوم والصيام: ‌الإِمساك عن الأكل والشرب والجِماع، رجلٌ صائمٌ، والجميع: صُوَّم وصُوّام وصُيّام. شمس العلوم (6/ 3861)


شرح الحديث


قوله: «‌بُنِيَ ‌الإسلامُ على خمس»:
قال الصرصري -رحمه الله-:
وقوله: «بُني الإسلام» أي: أُسِّسَ. التعيين في شرح الأربعين (1/ 78).
قال ابن قتيبة -رحمه الله-:
الإسلام: هو ‌الدخول ‌في ‌السّلم، أي: في الانقياد والمتابعة... والاستسلام مثله. يقال: سلّم فلان لأمرك واستسلم وأسلم أي: دخل في السّلم... فمن الإسلام متابعة وانقياد باللّسان دون القلب... ومن الإسلام: متابعة وانقياد باللسان والقلب. تأويل مشكل القرآن (ص: 262- 263).
وقال الراغب -رحمه الله-:
والإسلام في الشرع على ضربين:
أحدهما: دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يُحقن الدم، حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل...
والثاني: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدر. المفردات (ص: 423).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «بُنِيَ الإسلام» «بُنِيَ» ماض مجهول، مِن بنى يبني بَنْيًا وبناء، ومعناه معروف.
يعني: جعل هذه الأركان الخمسة أصولًا للإسلام، وما عدا هذه الخمسة من أحكام الشريعة فرعًا لها، ومثال الإسلام كقصر، وهذه الأركان الخمسة كالأسطوان لذلك القصر، وما بقي من أحكام الشريعة كجدار سطح ذلك القصر، وكالجُدُر التي حواليه، وكتزيينه بأنواع النقوش، فمن حفظ هذه الأركان الخمسة وسائر أحكام الشريعة يكون قصْر إسلامه تامًا كاملًا مزيَّنًا، ومن لم يحفظ هذه الأركان الخمسة، ولم يحفظ سائر أركان الشريعة يكون قصر إسلامه بغير جدار سطحه، وبغير جدار حواليه. المفاتيح (1/ 56).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما ضبط ألفاظ المتن فوقع في الأصول: «بُني الإسلام على خمسة» في الطريق الأول والرابع بالهاء فيها، وفي الثاني والثالث «خمس» بلا هاء، وفي بعض الأصول المعتمدة في الرابع بلا هاء، وكلاهما صحيح.
والمراد برواية الهاء خمسة أركان أو أشياء أو نحو ذلك، وبرواية حذف الهاء خمس خصال أو دعائم أو قواعد أو نحو ذلك، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (1/ 178).
وقال أبو عبيد -رحمه الله-:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «‌بني ‌الإسلام ‌على ‌خمس» فصارت الخمس كلها هي الملة التي سماها الله سلمًا. الإيمان (ص: 51).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وعلى هذا أكثر العلماء، أن أعمدة الدين التي بني عليها خمس، على ما في خبر ابن عمر هذا، إلا أنه جاء عن حذيفة -رحمه الله- خبر يخالف ظاهره خبر ابن عمر هذا في الإسلام؛ رواه شعبة... عن حذيفة، قال: «الإسلام ثمانية أسهم: الشهادة سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، وحج البيت سهم، وصوم رمضان سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له».
وقد ذكرنا فرض الجهاد، وما يتعين منه على كل مكلَّف، وما منه فرض على الكفاية، وأنه لا يجري مجرى الصلاة والصوم، في غير هذا الموضع... وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس يجري أيضًا مجرى الخمس المذكورة في حديث ابن عمر؛ لقول الله -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ‌لَا ‌يَضُرُّكُمْ ‌مَنْ ‌ضَلَّ ‌إِذَا ‌اهْتَدَيْتُمْ} المائدة: 105 ولقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوى متَّبَعًا، وإعجابَ كلَّ ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك».
وروي عن ابن مسعود، وجماعة من الصحابة والتابعين -رحمهم الله- أنهم كانوا يقولون في تأويل قول الله -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} المائدة: 105 الآية، قالوا: إذا اختلفت القلوب في آخر الزمان، وأُلْبِسَ الناس شيعًا، وأُذِيْقَ بعضُهم بأس بعض، وكان الهوى متَّبعًا، والشح مطاعًا، وأُعْجِبَ كل ذي رأي برأيه، فحينئذ تأويل هذه الآية.
وقد قيل في تأويل الآية: {‌لَا ‌يَضُرُّكُمْ ‌مَنْ ‌ضَلَّ ‌إِذَا ‌اهْتَدَيْتُمْ} المائدة: 105، من غير أهل دينكم، إذا أدى الجزية إليكم.
وهذا الاختلاف في تأويل الآية يُخرجها من أن تجري مجرى الخَمس التي بُني الإسلام عليها. التمهيد (10/ 199- 201).
وقال البغوي -رحمه الله-:
جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث الإسلام اسمًا لما ‌ظهر ‌من ‌الأعمال، وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملةٍ هي كلها شيء واحد، وجِماعها الدِّين. شرح السنة (1/ 10).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«بني ‌الإسلام ‌على ‌خمس» فهي دعائم الإسلام، فمن جحد واحدة منها كفر، ومن ترك واحدة منها لغير عذر وامتنع مِن فعلها مع إقراره بوجوبها قُتل عندنا وعند الكافة، وأُخذت الزكاة من الممتنِع كرهًا وقُوتل إن امتنع، إلا الحج؛ لكونه على التراخي.
واختلف العلماء في قتل تارك غير الشهادتين، فأكثرهم على أن ذلك حدٌّ لا كفر، وهو الصحيح، وقيل: كفر، والقول بهذا في تارك الصلاة أكثر، وعليه تأوَّلوا سَبي أبي بكرٍ لنساء مانعي الزكاة وأموالهم؛ لاعتقاده كفرهم، ولقوله: {‌فَإِنْ ‌تَابُوا ‌وَأَقَامُوا ‌الصَّلَاةَ} التوبة: 5الآية، وللحديث المتقدم، وحَكَمَ فيهم حُكم الناقض للعهد، فلما توفي وولي عمر ردَّ عليهم ذريتهم وحَكم فيهم حُكم المرتدين. إكمال المعلم (1/ 243- 244).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله -عليه الصلاة والسلام-: ‌«بني ‌الإسلام ‌على ‌خمس» يعني: أن هذه الخمس أساس دين الإسلام، وقواعده عليها تنبني، وبها تقوم. المفهم (1/ 168- 169).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
وقد يجوز أن يكون أراد العبادات التي لا يتعجل منها ثواب في الدنيا فذكر الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج، ولم يذكر الجهاد؛ لأنه قد يتعجل ثوابه في الدنيا وهو الغنيمة... ويقال: أراد خمسًا لا يمكن أن يتوصل إليها إلا مع الإسلام، فإن الصلاة لا تصح إلا من مسلم، والزكاة لا تؤخذ إلا من مال مسلم، والصوم لا يجوز إلا من مسلم، والحج لا يتأدى إلا من مسلم، سواء حج بنفسه أو حج عنه غيره. وليس كذلك الجهاد؛ لأن المسلمين إذا احتاجوا إلى المشركين فلهم أن يستأجروهم على القتال معهم، فإذا قاتلوا كان ذلك جهادًا للمسلمين، ولو أن عاجزًا عن الحج استأجر كافرًا ليحج عنه ما صح ذلك... فإنما عدَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث الأركان التي لا يمكن تحصيلها إلا بنفس مسلمة. المنهاج في شعب الإيمان (2/ 465- 466).

قوله: «شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله»:
قال المظهري -رحمه الله-:
شَهِدَ بكذا أي: أدَّى ما عنده من الشهادة، وشاهِد: إذا رأى معاينة، وشرط الشهادة: أن يشهد بشيء وقع عليه علمُه، فقال رسول الله -عليه السلام-: «إذا علمتَ مثل الشمس فاشهد»، وقول المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله إشارة إلى أني رأيت بقلبي، وحصل لي اليقين، وعِلْمٌ قاطع بأن لا إله إلا الله، وبأن محمدًا رسول الله. المفاتيح (1/ 45- 46).
وقال ابن الصلاح -رحمه الله-:
وحُكم الإسلام في ‌الظاهر ‌يثبت ‌بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والصوم والحج؛ لأنها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يُشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله، ثم إنَّ اسم الإيمان يتناول ما فُسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان، ومقويات ومتممات وحافظات له. صيانة صحيح مسلم (ص: 134).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
والمراد بالشهادتين: الإيمان بالله ورسوله، وقد جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقًا: «بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله»...، وبهذا يعلم أن الإيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام. جامع العلوم والحكم (ص: 122).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فإن قيل: لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما تضمنه سؤال جبريل -عليه السلام-؟
أُجيب بأن المراد بالشهادة: تصديق الرسول فيما جاء به فيستلزم جميع ما ذكر من المعتقدات. وقال الإسماعيلي ما محصله: هو من باب تسمية الشيء ببعضه كما تقول: قرأت الحمد، وتريد جميع الفاتحة، وكذا تقول مثلًا: شهدت برسالة محمد وتريد جميع ما ذكر والله أعلم. فتح الباري (1/ 50).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
وأراد بالشهادات: ما يعم القلبَ واللسان. الكوثر الجاري (1/ 59).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«شهادة أن لا إله إلاّ الله» وشهادة «أن محمدًا رسول الله»... بخفض شهادة على البدل من «خمس»، وكذا ما بعدها، ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف أي: وهي، والنصب بتقدير أعني...
«ولا» في قوله: لا إله إلَّا الله، هي النافية للجنس، و«إله» اسمها مركَّب معها تركيبُ مَزْجٍ كأحد عشر، والفتحة فتحة بناء، وعند الزجاج فتحة إعراب؛ لأنه عنده منصوب بها لفظًا، وخبرها محذوف اتفافًا، تقديره: موجود (والتقدير الصحيح: حق أو بحق)، و«إلَّا» حرف استثناء، والاسم الكريم مرفوع على البدلية من الضمير المستتر في الخبر، وقيل: مرفوع على الخبرية لقوله: «لا» وعليه جماعة.
وفي هذه المسألة مباحث ضَرَبْتُ عليها بعد أن أثبتها خوف الإطالة، ثم إن هذا التركيب عند علماء المعاني يفيد القصر، وهو في هذه الكلمة من باب قصر الصفة على الموصوف لا العكس، فإن إله في معنى الوصف.
فإن قلت: لمَ قدّم النفي على الإثبات فقيل: لا إله إلا الله ولم يقل: الله لا إله إلَّاّ هو بتقديم الإثبات على النفي؟
أجيب: بأنه إذا نفى أن يكون ثَمَّ إله غير الله فقد فرّغ قلبه مما سوى الله بلسانه ليواطئ القلب وليس مشغولاً بشيء سوى الله تعالى، فيكون نفي الشريك عن الله تعالى بالجوارح الظاهرة والباطنية. إرشاد الساري (1/ 90).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«شهادة أن لا إله إلا الله» وشهادة «أن محمدًا رسول الله» الشهادتان خصلة واحدة. دليل الفالحين (7/ 6).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذه الدعائم وهذه الأعمدة الخمسة بينها -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» يعني: أن تشهد معترفًا بلسانك مؤمنًا بقلبك أنه لا معبود بحق إلا الله، وكل ما عُبد من دون الله فهو باطل...
فشهادة أن لا إله إلا الله تتضمن الإخلاص الذي لا تصح العبادة إلا به، والمتابعة التي يتضمنها شهادة أن محمدًا رسول الله ولهذا يعد هذا ركنًا واحدًا. شرح رياض الصالحين (5/ 89- 92).

قوله: «وإقامِ الصلاةِ»:
قال الصرصري -رحمه الله-:
و«إقام الصلاة» أصله إقامة الصلاة لكن حَذف التاء تبعًا للفظ القرآن، وحذفت في القرآن؛ طلبًا للازدواج مع «وإيتاء الزكاة». التعيين في شرح الأربعين (1/ 78).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
المراد بإقام الصلاة: المداومة عليها، أو مطلق الإتيان بها. فتح الباري (1/ 50).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وإقامة الصلاة: عبارة عن أدائها في أوقاتها، والمداومة بها. المفاتيح (1/ 46).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
المراد بالصلاة: هي المكتوبة، كما جاء في رواية مسلم مصرحًا به، وهو احتراز من النافلة؛ فإنها وإن كانت مِن وظائف الإسلام لكنها ليست من أركانه، فتُحمل الْمُطْلَقة ههنا على المقيدة في الرواية الأخرى؛ جمعًا بينهما. الكواكب الدراري (1/ 195).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قدم الصلاة بعد الشهادتين على غيرها لكونها أفضل العبادات بعد الإيمان. إرشاد الساري (1/ 224).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إقام الصلاة: فهو التعبد لله تعالى بفعلها على وجه الاستقامة والتمام في أوقاتها، وهيئاتها، ومن ثمراتها: انشراح الصدر، وقرة العين، والنهي عن الفحشاء والمنكر. نبذة في العقيدة الإسلامية (ص32).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
أكثر أهل الحديث على أن ترك الصلاة كفر دون غيرها من الأركان، كذلك حكاه محمد بن نصر المروزي وغيره عنهم، وممن قال بذلك: ابن المبارك، وأحمد -في المشهور عنه-، وإسحاق، وحكى عليه إجماع أهل العلم... فأما بقية خصال الإسلام والإيمان فلا يخرج العبد بتركها من الإسلام عند أهل السنة والجماعة، وإنما خالف في ذلك الخوارج ونحوهم من أهل البدع. فتح الباري (1/ 23- 26).
وقال المنبجي الحنفي -رحمه الله-:
وقد أجمعنا أَن تارك الزَّكاة غير جاحد لوجوبها لم يكفر، فكذا ‌تارك ‌الصَّلَاة لم يكفر ما لم يتركها جاحدًا لوجوبها. اللباب (1/ 155).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وإقام الصلاة» كناية عن الإتيان بها بشروطها وأركانها...
بيان استنباط الأحكام:... وقتل تارك الصلاة عند الشافعي وأحمد إنما هو حدًّا لا كفرًا، وإن كان رُوي عن أحمد وبعض المالكية كفرًا، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من ترك صلاة متعمدًا فقد كفر» محمول على الزجر والوعيد، أو مؤول، أي: إذا كان مستحلًّا، أو المراد كفران النعمة. عمدة القاري (1/ 119- 120).
وقال السغدي الحنفي -رحمه الله-:
قول أبي حنيفة وصاحبيه وأبي عبد الله: لا يُقتل (تارك الصلاة) ويعزَّر على ذلك. النتف في الفتاوى (2/ 694).

قوله: «‌وإيتاءِ الزكاةِ»:
قال الصَّرْصَري -رحمه الله-:
«وإيتاء الزكاة» محذوف المفعول (الثاني)، أي: وإيتاء الزكاة أهلها، بدليل: {‌وَآتَى ‌الْمَالَ ‌عَلَى ‌حُبِّهِ ‌ذَوِي الْقُرْبَى...} الآية البقرة: 177، والإيتاء الإعطاء. التعيين في شرح الأربعين (1/ 79).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والمراد بإيتاء الزكاة: إخراج جزء من المال على وجه مخصوص. فتح الباري (1/ 50).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
الزكاة في اللغة: النماء والتطهير، والمال ينمى بها من حيث لا تُرى، وهي مطهِّرة لمؤدِّيها من الذنوب، وقيل: ينمِّي أجرها عند الله، وهي من الأسماء المشتركة بين العين والمعنى؛ لأنها قد تُطلق أيضًا على القَدْرِ المخرَج من النصاب للمستحق، وسميت صدقة؛ لأنها دليل لتصديق صاحبها وصحة إيمانه ظاهرًا وباطنًا، والغرض من إيجاب الزكاة: مواساة الفقراء، والمواساة لا تكون إلا في مال له بال، وهو النصاب، والله أعلم. فتح القريب المجيب (4/ 723).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وأما إيتاء الزكاة فهو إعطاء الزكاة لمستحقها، والزكاة هي القسط من مالك الذي أوجبه الله عليك في الذهب والفضة والنقد وعروض التجارة والخارج من الأرض وبهيمة الأنعام فيجب أن تعطي الزكاة هذه لمستحقيها شرح رياض الصالحين (5/ 93).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
وأما إيتاء الزكاة: فهو التعبد لله تعالى ببذل القَدْرِ الواجب في الأموال الزكوية المستحقة، ومن ثمراته: تطهيرُ النفس من الخُلق الرذيل "البخل"، وسد حاجة الإسلام والمسلمين. نبذة في العقيدة الإسلامية (ص33).

قوله: «والحجِّ»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
ذَكَرَ الحج ولم يذكر العمرة فدل أنها ليست بفريضة؛ لأنها لو كانت فريضة ما وسعه -عليه السلام- السكوت عن ذكرها مع جملة الفرائض. شرح صحيح البخاري (4/ 435).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«والحج» ولم يذكر الاستطاعة هنا؛ لشهرتها. شرح المصابيح (1/ 28).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
وقدم الحج على الصوم وإن كان وجوبه متأخرًا؛ لكونه أشقَّ، ولاشتماله على سائر الطاعات، وترَك ذكر الجهاد؛ لأنه فرضُ كفايةٍ. الكوثر الجاري (1/ 59).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
«الحج» بالفتح والكسر في اللغة: القصد، أو قصد معظَّم، وفي الشرع: زيارة مكان مخصوص، في زمان مخصوص، بفعل مخصوص، والمراد بالزيارة المخصوصة: الطواف بالبيت الحرام والوقوف بعرفات، والمراد بالمكان المخصوص: البيت الشريف، والجبل المسمى: عرفات، والمراد بالزمان المخصوص: زمانٌ من طلوع الفجر يوم النحر إلى آخر العمر، وفي الوقوف بجبل عرفات من زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، والمراد بالفعل المخصوص: الطواف الفرض، والسعي بين الصفا والمروة، كذا قاله التمرتاشي. المهيأ في كشف أسرار الموطأ (2/ 247).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وقد فرضه الله -عز وجل- على هذه الأمة في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (5/ 94).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
وأما حج البيت: فهو التعبد لله -تعالى- بقصد البيت الحرام؛ للقيام بشعائر الحج، ومن ثمراته: ترويض النفس على بذل المجهود المالي، والبدني في طاعة الله -تعالى-، ولهذا كان الحج نوعًا من الجهاد في سبيل الله -تعالى-. نبذة في العقيدة الإسلامية (ص: 33).

قوله: «وصومِ رمضانَ»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وصوم رمضان»...إمساك ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس عن المفطرات الشرعية بنية القربة، وسمي رمضان؛ لاشتداد حر الرمضاء فيه حين وضع له هذا الاسم. فتح القريب المجيب (3/ 191).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«وصوم رمضان» أي: صوم شهر رمضان، فحُذف لفظ الشهر، وهذا دليل من جوز إطلاق رمضان بغير لفظ الشهر. الكواكب الدراري (1/ 78).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وصوم رمضان» فإن قيل: لِمَ قدم الحج على الصوم هنا؟
أجيب: بأن الواو لمطلق الجمع لا للترتيب، وقد وقع الترتيب في الحديث السابق عليه. شرح المصابيح (1/ 28).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وأما صوم رمضان فهو صوم الشهر الذي بين شعبان وشوال، وفُرض في السنة الثانية من الهجرة. شرح رياض الصالحين (5/ 94).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
ومن ثمراته: ترويض النفس على ترك المحبوبات؛ طلبًا لمرضاة الله -عزَّ وجلَّ-...، وهذه الثمرات التي ذكرناها لهذه الأسس، وما لم نذكره تجعلُ من الأمَّةِ أمَّةً إسلاميَّة طاهرة نقيَّة، تُدين لله دين الحق، وتعاملُ الخلق بالعدل والصدق؛ لأن ما سواها من شرائع الإسلام يصلح بصلاح هذه الأسس، وتصلحُ أحوال الأمة بصلاح أمر دينها، ويفوتُها من صلاح أحوالها بقدر ما فاتها من صلاح أمور دينها. نبذة في العقيدة الإسلامية (ص: 33).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقد وقع في بعض الروايات في الأصل تقديم الحج على الصوم، وهي وهم، والله أعلم؛ لأن ابن عمر لما سمع المستعيد (أي من أعاد عليه السؤال) يقدم الحج على الصوم، زجره ونهاه عن ذلك، وقدم الصوم على الحج، وقال: هكذا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا شك في أن نقل اللفظ كما سمع هو الأَولى والأسلم، والأعظم للأجر؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «نضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها؛ فرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه».
ويحتمل أن يكون محافظة النبي -صلى الله عليه وسلم- على ترتيب هذه القواعد؛ لأنها نزلت كذلك: الصلاة أولًا، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحج.
ويحتمل ذلك أن يكون لإفادة الأوكد فالأوكد؛ فقد يستنبط الناظر في ذلك الترتيب تقديم الأوكد على ما هو دونه إذا تعذر الجمع بينهما؛ كمن ضاق عليه وقت الصلاة، وتعين عليه في ذلك الوقت أداء الزكاة لضرورة المستحق؛ فيبدأ بالصلاة، أو كما إذا ضاق وقت الصلاة على الحاج، فيتذكر العشاء الآخرة، وقد بقي عليه من وقت صلاة العشاء الآخرة ما لو فعله فاته الوقوف بعرفة، فقد قال بعض العلماء: إنه يبدأ بالصلاة وإن فاته الوقوف؛ نظرًا إلى ما ذكرناه، وقيل: يبدأ بالوقوف؛ للمشقة في استئناف الحج.
ومن ذلك: لو (تأخر) رجل بزكاة فرَّط في أدائها، وبكفارةِ فِطر من رمضان، وضاق الثلث عنهما، بدأ بالزكاة أولًا؛ لأوكديتها على الصوم، وكذلك: لو بكفارة الفطر وبهدي واجب في الحج، قدَّم كفارة الفطر؛ وهذا كله على أصل مالك، فإن ذلك كله يخرج من الثلث، وأما مَن ذهب إلى أن ذلك يخرج من رأس المال، فلا تفريع على ذلك بشيء مما ذكرناه، والله تعالى أعلم. ‌‌المفهم (1/ 169- 170).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وإنما خَصَّ هذه بالذكر ولم يذكر معها الجهاد مع أنه به ظهر الدِّين، وانقمع به عتاة الكافرين؛ لأن هذه الخمس فرض دائم على الأعيان، ولا تسقط عمن اتصف بشروط ذلك، والجهاد من فروض الكفايات، وقد يسقط في بعض الأوقات، بل وقد صار جماعة كثيرة إلى أن فرض الجهاد قد سقط بعد فتح مكة، وذكر أنه مذهب ابن عمر، والثوري، وابن سيرين، ونحوه لسحنون من أصحابنا، إلا أن ينزل العدو بقوم، أو يأمر الإمام بالجهاد، فيلزم عند ذلك. المفهم(1/ 168- 169).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
هذا الحديث أصل عظيم في معرفة الدين، وعليه اعتماده، فإنه قد جمع أركانه. شرح الأربعين النووية (ص: 36).


إبلاغ عن خطأ