«لا تَسكنِ الْكُفُورَ؛ فإنّ ساكنَ الْكُفُورِ كَساكِنِ القُبورِ».
رواه البخاري في الأدب المفرد، برقم: (579)، واللفظ له، والبيهقي في شعب الإيمان، برقم: (7112)، من حديث ثوبان -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع، برقم: (7326)، صحيح الأدب المفرد، برقم: (452).
غريب الحديث
«الكُفور»:
قال الضَّرير: هي القُرى، واحدها: كَفْرٌ. العين، للفراهيدي (5/ 357).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
قال الحربي: الكُفورُ: ما بعُدَ من الأرضِ عن الناسِ، فلا يمرُّ به أحدٌ. النهاية، لابن الأثير (4/ 189).
شرح الحديث
قوله: «لا تسكن الكُفُورَ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«لا تَسْكُنْ» نهيٌ عن السُّكنى «الكَفُور» بضمِّ الكافِ والفاءِ: القُرى؛ لأنها لا يشهدُ أهلُها الجُماعاتِ ولا الجُمَع. التنوير شرح الجامع الصغير (11/ 109).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لا تَسْكُنِ الكَفُور» أي: القُرى البعيدة عن المُدُن التي هي مَجمَعُ العلماء والصُّلَحاء. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 494).
وقال السخاوي -رحمه الله-:
«لا تَسْكُنِ الكَفُورَ…» محلُّ النهي حيث لم يكن فقيهًا؛ لِغَلَبةِ الجهل على أهلها، بحيث تَصِيرُ كالمقابِرِ التي لا يُصلَّى فيها، ولا يُتعبَّدُ، وإن وُجِدَت صورةٌ للصلاة ونحوِها. أمّا النّازِلُ بها لِقصدِ الإرشادِ والتَّفقيهِ ونحوِ ذلك ممّا هو من فُروضِ الكِفايات، فلا. وكذا قولُه: «مَن بَدا جَفا» أي: صارَ فيه جَفاءُ الأعرابِ، هو في مَن نَزَلَ البادِيَةَ واتَّخذها وطَنًا. ونحوُه: «إنَّ الجَفَا والقَسوةَ في الفَدَّادين» يعني: الذين تَعلُو أصواتُهم في حُرُوثِهم ومواشيهم، وإلّا فيُروى: أنه -صلى الله عليه وسلم- «كان إذا اهتَمَّ بشيء بَدا» أي: خَرَجَ إلى البَدو، وفي لفظٍ: «كان يَبدو إلى هذه التِّلاع».(التِّلعة: مجرى الماء من أعلى الوادي إلى بُطون الأرض، والجمعُ التِّلاع. لسان العرب(8/ 36)). الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية (3/ 1083 - 1804).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
البَداوةُ ليست مطلوبةً في الأصل، وفيها جَفاءٌ «مَن بَدا جَفا»...، ولكن في بعضِ الأوقات، وعندما تكون هناك فِتَنٌ، فإنّه يُرخَّصُ في ذلك، بل ويُرغَّبُ فيه للسلامةِ من الفِتَن، والابتعادِ عنها وعن المشاركةِ فيها، بأن يكون الإنسانُ في عُزلةٍ وبُعدٍ عنها، حتى لا يكون له مُشاركةٌ أو نَصيبٌ فيها. شرح سنن أبي داود (479/ 3).
قوله: «فإن ساكنَ الكُفُورِ كساكِنِ القُبورِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
أي: بمنزلةِ الميّت لا يُشاهِدُ الأمصارَ والجُمَع، فسُكّانُها لِبُعدِهم عن العلماء كالموتى لِجَهلِهم وقِلّةِ تعهُّدِهم لأمرِ دينِهم. التيسير بشرح الجامع الصغير(2/ 494).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإنَّ ساكنَ الكَفُورِ» في بُعدِه عن تحصيلِ الأجرِ والثوابِ «كساكنِ القُبورِ» لا يُمكنُهم كسبُ طاعةٍ من الطاعاتِ، فيه نهيٌ عن سُكونِ المحلّاتِ البعيدةِ عن الخيراتِ الأخرويةِ من العلمِ والعملِ، فشبَّه ساكنَ القُرى بأهلِ القُبورِ؛ لأنَّ أهلَ القُرى كالأمواتِ لا يَجدون عالِمًا ولا أمرًا دينيًّا. التنوير شرح الجامع الصغير (11/ 109).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
أي: هُم بمنزلةِ الموتى لا يُشاهِدون الأمصارَ والجُمَع، وكأنها سُمِّيَت كُفورًا؛ لأنّها خامِلةٌ مغمورةُ الاسمِ ليست في شهرةِ المُدنِ ونَباهةِ الأَمصار. الفائق في غريب الحديث (3/ 270).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
رُويَ عن معاويةَ أنه قال: «أهلُ الكُفورِ هُم أهلُ القُبورِ» قلتُ: أراد بالكُفورِ القُرى النائيةَ عن الأمصارِ ومَجْمَعِ أهلِ العلمِ والمسلمين، فالجهلُ عليهم أغلَبُ، وهم إلى البِدَعِ والأهواءِ المُضِلّةِ أسرعُ. تهذيب اللغة (10/ 114).
وقال النسفي -رحمه الله-:
«أهلُ الكُفور...» أي: أهلُ القُرى لبُعدِهم عن أهل العِلم كالموتَى. التيسير في التفسير (1/ 273).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فيه النَّهيُ عن سُكْنَى البادِيَة ونحو ذلك؛ فإنّه مذمُومٌ لما ذُكِر، وقد دلّ على ذلك النَّصّ القُرآني قال -تعالى- حكايةً عن يوسف {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} يوسف : 100، فجعل مَجِيءَ إخوته من البدو من جملةِ إحسانِ الحَقّ إليه وإليهم، بحُكْمِ التبعيّة، فهو ثناءٌ على الحَقّ بما فعل مع إخوته ومعه، ومن ثَمّ عدّ بعضُهم النقل من الرِّيف إلى مِصر من النِّعَم وحَمده عليها حيث قال: الحمدُ لله الذي نقلني من بلاد الجَفاء والجهل، إلى بلاد العَطْف والعِلم ... ورواه الطبراني في الأوسط بلفظ «لا تَعْمُرَنَّ الكُفور فإنّ عامرَ الكُفور كعامر القُبور». فيض القدير (6/ 401).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
إنَّ اللهَ -سبحانه وتعالى- جعل سُكنى القُرى، يقتضي من كمالِ الإنسانِ في العلمِ والدِّينِ، ورقّةِ القلوب، ما لا يَقتضيه سُكنى البادِيَة، كما أنَّ البادِيَة توجِبُ من صلابةِ البدنِ والخُلُق، ومَتانةِ الكلام، ما لا يكون في القُرى، هذا هو الأصل.
وإن جاز تخلُّفُ هذا المُقتضى لمانع، وكانت البادِيَة أحيانًا أنفعَ من القُرى، وكذلك جعلَ اللهُ الرُّسُلَ من أهلِ القُرى، فقال -تعالى-: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} يوسف: 109؛ وذلك لأنَّ الرُّسُلَ لهم الكمالُ في عامّةِ الأمور، حتى في النَّسَب، ولهذا قال الله -سبحانه-: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} التوبة: 97، ... والحدود: هي حدودُ الأسماءِ المذكورة، فيما أنزلَ اللهُ من الكتابِ والحِكمة، مثل: حدودِ الصلاةِ والزكاةِ والصومِ والحجِّ، والمؤمنِ والكافر، والزاني والسارق والشارب، وغير ذلك حتى يُعرَف مَن الذي يَستحقُّ ذلك الاسمَ الشرعيَّ مِمَّن لا يَستحقُّه، وما تستحقُّه مُسمَّياتُ تلك الأسماء من الأحكام... ولهذا كانوا يقولون لمن يَستغلِظونَه: إنَّك لأعرابيٌّ جافٍ، إنك لَجِلفٌ جافٍ، يُشيرون إلى غِلَظِ عقلِه وخُلُقِه. اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 415-418).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
أمّا سُكّانُ البادِيَةِ والجِبال، فليس ذلك مشروعًا لأهلِ الإسلام إلّا عند حصولِ الفِتنةِ في المِصر، مثل أن يَقتتِلَ المسلمون، فيُهاجرَ المرءُ إلى حيثُ يَأمَنُ على دِينِه حتى تَسكنَ الفِتنة؛ فإنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «المُهاجِرُ مَن هَجَر ما نهى اللهُ عنه»، فأمّا أن يكون سُكنى البادِيَةِ والغِيران مُستحبًّا على الدوام، فليس ذلك من دِينِ الإسلام، فضلًا عن أن يكون شعارًا لأهلِ وِلايةِ اللهِ والصلاح.
وإن كان طائفةٌ من الزُّهّادِ فعلوا ذلك:
ففيهم مَن كان معذورًا، لأجلِ السَّببِ الذي أباح له ذلك.
ومنهم مَن كان مُجتهدًا مُخطِئًا، يُثيبُه اللهُ على قصدِه الحسنِ وعملِه الصالح، ويغفرُ له خَطأه.
ومنهم مَن كان مُذنِبًا ذنبًا صغيرًا، يَغفِرُ اللهُ له باجتنابِ الكبائر.
ومنهم مَن كان مُذنِبًا ذنبًا كبيرًا، أمرُه إلى اللهِ -تعالى-، إنْ شاء عذّبه، وإنْ شاء غفرَ له.
وفيهم مَن كان مارقًا من الدِّين، خارجًا عن شريعةِ سيّدِ المُرسَلين.
وفيهم مَن كان كافرًا بالكلِّيّة، وإنْ كان له عبادةٌ وزُهدٌ فعبادتُه كعبادةِ النصارى والمشركين.. جامع المسائل (9/ 48-49).