«أنَّ نفرًا من بني هاشمٍ دخلوا على أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ، فدخلَ أبو بكرٍ الصديقُ، وهي تحتَهُ يومئذٍ، فرآهُم، فكرِهَ ذلكَ، فذكرَ ذلكَ لرسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وقالَ: لم أرَ إلا خيرًا، فقالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: إنَّ اللهَ قد برَّأَهَا من ذلكَ، ثم قامَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- على المِنْبَرِ فقالَ: لا يَدْخُلَنَّ رجلٌ بعدَ يومي هذا على مُغِيْبَة إلَّا ومعَهُ رجلٌ أو اثنانِ».
رواه مسلم برقم: (2173)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه-.
ورواه أحمد برقم: (6995) وزاد: قالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو: فما دخلتُ بعدَ ذلكَ المقامِ على مُغَيَّبَةٍ، إلَّا ومعي واحدٌ أو اثنانِ.
غريب الحديث
«مُغِيْبَة»:
المُغِيْبَة والمُغِيْب: التي غاب عنها زوجها. النهاية، لابن الأثير (3/ 399).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ نفرًا من بني هاشمٍ دخلوا على أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ، فدخلَ أبو بكرٍ الصديقُ، وهيَ تحتَهُ يومئذٍ، فرآهم، فكرِهَ ذلكَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أن نفرًا من بني هاشم» قال صاحب التنبيه: لا أعرفهم «دخلوا على أسماء بنت عميس» الخثْعَمية الصحابية، تزوجها جعفر بن أبي طالب، ثم أبو بكر، ثم علي، وولدت لهم، وهي أخت ميمونة بنت الحارث، أم المؤمنين لأمها، ماتت -رضي الله عنهما- بعد علي -رضي الله عنه-... «فدخل أبو بكر الصديق» عبد الله بن عثمان -رضي الله عنه- المتوفى في جمادى الأولى سنة 13... «وهي تحته يومئذٍ» يعني: أنها كانت زوجته في ذلك الوقت، تزوجها بعد أن استشهد زوجها جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- في غزوة مؤتة، وفي رواية الطبراني في الأوسط: عن عبد الله بن عمرو: «أن أبا بكر تزوج أسماء بنت عميس بعد جعفر بن أبي طالب، فأقبل داخلًا على أسماء، فإذا نفر جلوس في بيته، فرجع إلى نبيِّ الله -صلى الله عليه وسلم-، وأخبره، فقال: يا أبا بكر، وما ذاك؟ قال: إني ما رأيتُ بأسًا»، «فرآهم» أي: فرأى أبو بكر -رضي الله عنه- النفر الداخلين على أسماء، «فكره ذلك» أي: دخولهم عليها. البحر المحيط الثجاج (35/ 593- 594).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله: «أنَّ نفرًا من بني هاشم دخلوا على أَسماء بنت عُميس» كان هذا الدخول في غَيبة أبي بكر -رضي الله عنه-، لكنه كان في الحضر لا في السفر، وكان على وجه ما يعرف من أهل الصلاح والخير، مع ما كانوا عليه قبل الإسلام مما تقتضيه مكارم الأخلاق من نفي التُّهمة الرَّيب، ولعل هذا كان قبل نزول الحجاب، وقبل أن يتقدم لهم في ذلك بأمر ولا نهي؛ غير أن أبا بكرٍ -رضي الله عنه- أنكر ذلك بمقتضى الغَيرة الجِبْلِيَّة والدينية، كما وقع لعمر -رضي الله عنه- في الحِجاب. المفهم (5/ 502).
قوله: فذكرَ ذلكَ لرسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وقالَ: لم أرَ إلا خيرًا، فقالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ اللهَ قد برَّأَهَا من ذلكَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فذكر ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال» أبو بكر «لم أرَ إلا خيرًا» يعني: أنه لم يظهر منهم ما يوجب الرِّيبة، وإنما كره خوفًا أن يحدث ذلك، «فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله قد برَّأَها» أي: أسماء -رضي الله عنها- «من ذلك» أي: من أن يحصل منها محذور شرعي، وهذه منقبة عظيمة لها؛ حيث أخبر -صلى الله عليه وسلم- بأن الله تعالى برَّأها من ذلك. البحر المحيط الثجاج (35/ 594).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ولما ذَكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ما يعلمه من حال الداخلين، والمدخول لها، قال: «لم أرَ إلا خيرًا» يعني: على الفريقين، فإنه علم أعيان الجميع؛ لأنهم كانوا من مسلمي بني هاشم، ثم خصَّ أسماء بالشهادة لها فقال: «إن الله قد برَّأها من ذلك» أي: مما وقع في نفس أبي بكر، فكان ذلك فضيلة عظيمة من أعظم فضائلها، ومنقبة من أشرف مناقبها. المفهم (5/ 502).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«لم أرَ إلا خيرًا» أي: لا أتهمها، ولا أتهمهم، فما رأيتُ منها ولا منهم في هذا اللقاء إلا خيرًا، لكنني كرهتُ هذا اللقاء، «إن الله قد برأها من ذلك» أي: من الشر والفساد، أي: بسبب شهادتك وانطباعك، أو قال ذلك بوحي نزل عليه. فتح المنعم (8/ 504).
ثم قامَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- على المِنْبَرِ فقالَ: «لا يَدْخُلَنَّ رجلٌ بعدَ يومي هذا على مُغِيْبَة إلَّا ومعَهُ رجلٌ أو اثنانِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ثم قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المنبر» محذِّرًا أمته أن تسلك مسلك الرَّيب والفساد، وقطعًا للذرائع، «فقال: «لا» ناهية «يدخلنّ رجل بعد يومي هذا على مُغِيْبَة» -بضم الميم، وكسر الغين المعجمة، ثم تحتانية ساكنة، ثم موحدة-: هي التي غاب عنها زوجها، يقال: أغابت المرأة: إذا غاب زوجها. البحر المحيط الثجاج (35/ 594).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ومع ذلك فلم يكتفِ بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى جمع الناس، وصعد المنبر، فنهاهم عن ذلك، وعلَّمهم ما يجوز منه، فقال: «لا يدخلنّ رجل على مُغيْبة إلا ومعه رجل أو اثنان»؛ سدًّا لذريعة الخلوة؛ ودفعًا لما يؤدي إلى التهمة، وإنما اقتصر على ذِكر الرجل والرجلين لصلاحية أولئك القوم؛ لأن التهمة كانت ترتفع بذلك القدر، فأما اليوم: فلا يُكتفى بذلك القدر، بل بالجماعة الكثيرة؛ لعموم المفاسد، وخبث المقاصد، ورحم الله مالكًا، لقد بالغ في هذا الباب حتى منع فيه ما يجر إلى بعيد التهم والارتياب؛ حتى منع خلوة المرأة بابن زوجها، والسفر معه، وإن كانت مُحرَّمة عليه؛ لأنه ليس كل أحد يمتنع بالمانع الشرعي إذا لم يقارنه مانع عادي، فإنه من المعلوم الذي لا شك فيه: أن موقع امتناع الرجل من النظر بالشهوة لامرأة أبيه ليس كموقعه منه لأُمِّه وأخته، هذا قد استحكمت عليه النفرة العادية، وذلك قد أنست به النفس الشهوانية، فلا بد مع المانع الشرعي في هذا من مراعاة الذرائع الحالية. المفهم (5/ 502- 502).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
ما قاله مالك -رحمه الله- في امرأة الأب محل نظر؛ لأنها داخلة في المحارم، وأما الفساد الذي ذكره فلا يخص ابن الزوج، بل بعض الفساق لا يتحاشا في الوقوع على بعض محارمه، وإن كانت قريبة، ولكن الشرع نظر إلى الأغلب الكثير، فأباح لكل مَحرَم أن يخلو بحَرَمه، فإن العادة أن الشخص إذا اعتقد أن هذه المرأة محرمه يقطع أطماعه منها مطلقًا، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (35/ 596).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«بعد يومي هذا» أي: بعد لحظتي هذه، وليس المراد إباحة الدخول بقية اليوم. فتح المنعم (8/ 505).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «على مُغِيْبة» بضم الميم وكسر الغين وسكون الياء، هي المرأة التي لا يكون زوجها موجودًا عندها، سواء غاب عن البلد بأن سافر، أو غاب عن المنزل وهو موجود في البلد، وأكثر ما يستعمل لفظ الـمُغيْبة على امرأة سافر زوجها عن البلد، وفي الحديث تأكيد الابتعاد عن مواضع الرِّيبة. منة المنعم (3/ 441- 442).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «مُغِيْبة» -بضم الميم وكسر الغين- يعني: مَن غاب زوجها عن البيت، سواء كان مسافرًا، أو كان في البلد، فلا يدخل أحد على مُغِيْبة إلا أن يكونا رجلين أو ثلاثة؛ لتزول بهم الخَلوة، أما إذا كان هناك رِيبة وشك فلا يجوز، ولو كانوا عشرة، إذا كانوا أشرارًا أو تواطؤوا على الشر، أما الواحد فلا يدخل، والأطفال لا تزول بهم الخَلوة، ولو كانوا مميزين، فلا بد أن يكون الثالث بالغًا. توفيق الرب المنعم (6/ 292).
وقال النووي -رحمه الله-:
ثم إن ظاهر هذا الحديث جواز خَلوة الرجلين أو الثلاثة بالأجنبية، والمشهور عند أصحابنا تحريمه، فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة؛ لصلاحهم، أو مروءتهم أو غير ذلك، وقد أشار القاضي إلى نحو هذا التأويل. المنهاج شرح مسلم (14/ 155).
وقال ابن أبي العز -رحمه الله-:
وظاهره (أي: الحديث): جواز خلوة الرجلين أو الثلاثة بالأجنبية، ولكن يحمل على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة؛ لصلاحهم أو مروءتهم، وغير ذلك، وكذلك لو كان رجل وزوجته في بيت، ومعهما امرأة أجنبية، أو دخلت عليهما امرأة أجنبية لا يقال لمثل هذا: إنه خلا بأجنبية، فلا تحرم على الرجل الخلوة بالأجنبية ومعه غيره، أو معها غيرها من غير تفصيل؛ فإن وجود الثالث معهما يمنع من كونها خَلوة، إلا عند خوف الفتنة، ولكن إذا كانا وحدهما كان ثالثهما الشيطان مطلقًا. التنبيه على مشكلات الهداية (3/ 986).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان تحريم الدخول على المرأة الأجنبية التي غاب زوجها عن البيت.
ومنها: بيان جواز الدخول على الـمُغِيْبة إذا كان عندها واحد، أو أكثر.
ومنها: بيان منقبة أسماء بنت عميس -رضي الله عنها- حيث أثنى عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنْ برأها عن التهم.
ومنها: بيان أَدب أبي بكر -رضي الله عنه- حيث لم يتكلم بِسوء للذين وجدهُم في بيته، ومع زوجته بغير إذنه، بل ذهب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فشكا ذلك إليه، فأخبره -صلى الله عليه وسلم- ببراءة أهله من السُّوء الـمَخُوف، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (35/ 597).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
* التحذير من الخلوة بغير المحارم وخطورة الحمو.