«من سمِع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عُذر».
رواه ابن ماجه برقم: (793) -واللفظ له-، وأبو داود برقم: (551)، وابن حبان برقم: (865)، والحاكم برقم: (894)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
ولفظ أبي داود: «من سَمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر»، قالوا: وما العذر؟، قال: «خوف أو مرض، لم تُقبل منه الصلاة التي صلَّى».
صحيح الجامع برقم: (6300)، وإرواء الغليل برقم: (551).
شرح الحديث
قوله: «من سمع النِّداء فلم يأته»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من سمع النداء» أي: الأذان للمكتوبة. مرقاة المفاتيح (3/ 844).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «من سمع النداء» أي: وعليه ما نودي لها من الصلاة، وإلا فلو صلاها قبل لم يلزم المجيء «فلم يأته» أي: محل النداء لأداء تلك الصلاة التي نودي لها. كفاية الحاجة (1/ 265).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال: من سمع النداء» والأذان من المسجد وهو في بيته «فلم يأته» أي: فلم يأت ذلك النداء، أي: لم يجبه بالحضور. مرشد ذوي الحجا والحاجة (5/ 344).
قوله: «فلا صلاة له، إلا من عذر»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فلا صلاة» كاملة أو مقبولة «له إلا من عُذر» استثناء من عدم الإجابة. مرقاة المفاتيح (3/ 844).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قوله: «إلا من عذر» قد فسر العذر في رواية أبي داود: «بالخوف والمرض» وقد يلحق بذلك ما فيه مشقة من سائر الأعذار، وقد ورد الرخصة في المطر والريح الباردة، وفي حق من أكل من ذوات الروائح الكريهة؛ لقوله: «فلا يقربنَّ مسجدنا» وكان ذلك عذرًا له، وإن احتمل أن يكون نهيًا عن قربانها لما لزم من أكلها فوات الفريضة -والله أعلم-. البدر التمام (3/ 301).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فلا صلاة له» أي: فليس له تلك الصلاة لو صلاها في غير محل النداء، وإنما أتى بنفي الجنس للدلالة على عموم الحكم لكل صلاة ترك فيها إجابة الأذان، وإلا فليس المراد: أنه بطلت صلاته كلها بترك الإجابة مرة، وظاهر هذا الحديث: أن الجماعة في المسجد الذي سمع نداءه فرض لصحة الصلاة، حتى لو تركها بطلت صلاته، وهو خلاف ما عليه أهل الفقه، فلا بد لهم من حمل الحديث على نقصان تلك الصلاة. كفاية الحاجة (1/ 265، 266).
قوله: «من سمع المنادي»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «من سمع المنادي» أي: المؤذن، وهذا نفي الكمال، لا نفي أصل الصلاة. المفاتيح (2/ 221).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«من سمع المنادي» أي: المؤذن، يعني: سمع نداءه. شرح المصابيح (2/ 100).
وقال القاري -رحمه الله-:
«من سمع المنادي» أي: نداء المؤذن للصلاة المكتوبة. مرقاة المفاتيح (3/ 839).
قوله: «فلم يمنعه من اتباعه عذر، قالوا: وما العذر؟، قال: خوف أو مرض»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فلم يمنعه» فيه حذف اعتمادًا على المعنى، أي: لم يتبعه ولم يمنعه.
«من اتباعه عذر، قالوا: وما العذر؟ قال: خوف» أي: خوف ظلمة، أو خوف غريم وكان مفلسًا. شرح المصابيح (2/ 100).
وقال القاري -رحمه الله-:
«من اتباعه» بحضور المسجد للجماعة... «عذر» أي: نوع من الأعذار «قالوا» أي: لابن عباس إذ ذكر لهم ذلك «وما العذر؟» أي: الذي عناه -عليه السلام- «قال» أي: ابن عباس «خوف» أي: هو خشية على نفسه أو عرضه أو ماله. مرقاة المفاتيح (3/ 839).
قوله: «لم تقبل منه الصلاة التي صلى»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«لم تقبل منه الصلاة التي صلاها» أي: قبولًا كاملًا. شرح المصابيح (2/ 100).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
وأرخص له في ترك الجماعة بالمرض؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرض فترك أن يصلي بالناس أيامًا كثيرة، وبالخوف وبالسفر وبمرض وبموت من يقوم بأمره، وبإصلاح ما يخاف فوت إصلاحه من ماله، ومن يقوم بأمره، ولا أرخص له في ترك الجماعة إلا من عذر، والعذر ما وصفت من هذا وما أشبه، أو غلبة نوم، أو حضور مال إن غاب عنه خاف ضيعته، أو ذهاب في طلب ضالة يطمع في إدراكها ويخاف فوتها في غيبته. الأم (1/ 182).
وقال البغوي -رحمه الله-:
اتفق أهل العلم على أنه لا رخصة في ترك الجماعة لأحد إلا من عذر. شرح السنة (3/ 348).
وقال النووي -رحمه الله-:
لا رخصة في ترك الجماعة، سواء قلنا: سنة، أو فرض كفاية إلا من عذر عام أو خاص، فمن العام: المطر ليلًا كان أو نهارًا، ومنه الريح العاصفة في الليل دون النهار، وبعض الأصحاب يقول: الريح العاصفة في الليلة المظلمة، وليس ذلك على سبيل اشتراط الظلمة، ومنه الوحل الشديد وسيأتي في الجمعة -إن شاء الله تعالى- ومنه السموم وشدة الحر في الظهر، فإن أقاموا الجماعة ولم يُبْردوا أو أبردوا، أو بقي الحر الشديد، فله التخلف عن الجماعة، ومنه شدة البرد سواء في الليل والنهار.
ومن الأعذار الخاصة: المرض، ولا يشترط بلوغه حدًّا يسقط القيام في الفريضة، بل يعتبر أن يلحقه مشقة كمشقة الماشي في المطر.
ومنها: أن يكون ممرضًا، ويأتي تفصيله في الجمعة -إن شاء الله تعالى-.
ومنها: أن يخاف على نفسه أو ماله، أو على من يلزمه الذب عنه من سلطان، أو غيره ممن يظلمه، أو يخاف من غريم يحبسه، أو يلازمه وهو معسر، فله التخلف، ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم في منعه، بل عليه الحضور ويوفيه ذلك الحق، ويدخل في الخوف على المال: ما إذا كان خبزه في التنور، أو قدره على النار، وليس هناك من يتعهدهما.
ومنها: أن يكون عليه قصاص لو ظفر به المستحق لقتله، وكان يرجو العفو مجانًا، أو على مال لو غيب وجهه أيامًا، فله التخلف بذلك، وفي معناه: حد القذف دون حد الزنا، وما لا يقبل العفو، واستشكل إمام الحرمين جواز التغيب لمن عليه قصاص.
ومنها: أن يدافع أحد الأخبثين أو الريح، وتكره الصلاة في هذه الحال، بل يستحب أن يفرغ نفسه، ثم يصلي وإن فاتت الجماعة، فلو خاف فوت الوقت، فوجهان: أصحهما: يقدم الصلاة، والثاني: الأولى أن يقضي حاجته وإن فات الوقت، ثم يقضي، ولنا وجه شاذ: أنه إذا ضاق عليه الأمر بالمدافعة، وسلبت خشوعه، بطلت صلاته، قاله الشيخ أبو زيد والقاضي حسين.
ومنها: أن يكون به جوع أو عطش شديد، وحضر الطعام والشراب وتاقت نفسه إليه، فيبدأ بالأكل والشرب.
قال الأصحاب: وليس المراد: أن يستوفي الشبع، بل يأكل لقمًا يكسر حدة جوعه، إلا أن يكون الطعام مما يؤتى عليه مرة واحدة، كالسويق واللبن، فإن خاف فوت الوقت لو اشتغل، فوجهان، كمدافعة الأخبثين.
ومنها: أن يكون عاريًا لا لباس له، فيعذر في التخلف، سواء وجد ما يستر العورة أم لا.
ومنها: أن يريد السفر وترتحل الرفقة.
ومنها: أن يكون ناشد ضالة يرجو الظفر إن ترك الجماعة، أو وجد من غصب ماله، وأراد استرداده منه.
ومنها: أن يكون أكل بصلًا أو كراثًا أو نحوهما، ولم يمكنه إزالة الرائحة بغسل ومعالجة، فإن كان مطبوخًا فلا.
ومنها: غلبة النوم.
قلت: أما الثلج فإن بَلَّ الثوب فعذر، وإلا فلا، قال في الحاوي: والزلزلة عذر -والله أعلم-. روضة الطالبين (1/ 344-346).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
ثم الأعذار في ترك الجماعة المنصوص عليها في السنة عشرة:
الأول: المرض؛ بدليل تأخر النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها في مرضه، وقد جعله -صلى الله عليه وسلم- علة في عدم تطويل الإمام الصلاة.
الثاني: حضور الطعام، خصوصًا عند تَوَقَان النفس إليه، وهو صائم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة؛ فابدؤوا به قبل صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم» حديث صحيح على شرط الشيخين، من رواية أنس.
الثالث: النسيان الذي يعترض الشخص في بعض الأحوال؛ للحديث الصحيح، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة، حتى إذا أدركه الكَرَى (أي: النوم) عرَّس (أي: نزل في سفره آخر الليل) وقال لبلال: «اكلأ الليل» فصلى بلال ما قُدِّرَ له، ونام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبلال وأصحابه حتى طلعت الشمس، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها».
الرابع: السمن المفرط؛ للحديث الصحيح الذي رواه أنس -رضي الله عنه-: أن رجلًا من الأنصار كان ضخمًا لا يستطيع حضور الجماعة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فذكر ذلك له، ودعاه لطعام صنعه له في بيته، فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على حصير في بيته ركعتين.
الخامس: مدافعة الأخبثين، البول والغائط؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وهو يدافعه الأخبثان» البول والغائط، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة».
السادس: خوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد؛ لحديث عتبان بن مالك -رضي الله عنه- في الصحيح، أنه قال: يا رسول الله! إذا كانت الأمطار سال الوادي، ولم أستطع الخروج إلى المسجد فأصلي لهم، ووددت أنك يا رسول الله تأتي فتصلي في بيتي؛ حتى أتخذه مصلى، ففعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحديث.
السابع: وجود البرد الشديد المؤلم؛ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنه صلى هو وأصحابه في رحالهم ذات ليلة، في برد شديد، وقال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعل مثل هذا، أو أمر به الناس، حديث صحيح.
الثامن: المطر المؤذي؛ لأن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا كانت ليلة برد ومطر، فصلوا في الرحال» وكان يأمر المؤذن بذلك، حديث صحيح، والمطر عذر في التخلف عن الجماعة؛ قليلًا كان أو كثيرًا؛ لحديث صحيح فيه.
التاسع: وجود الظلمة؛ لحديث صحيح من رواية ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر، في ليلة ظلماء، فنادى مناد به: أن صلوا في الرحال.
العاشر: أكل الثوم والبصل إلى أن يذهب ريحهما، وكذلك ما في معناهما مما له رائحة كريهة، كالكراث والبقول المنتنة، وقد ثبت في النهي عن ذلك أحاديث صحيحة تمنع إتيان المساجد حتى يذهب ريحها، سواء كان فيها جماعة أم لا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم.
وقد ألحق الفقهاء بهذه النصوص عليها أعذارًا في معناها، وبعضها أولى بأن يكون عذرًا، فالشخص مأمور بالجماعة وإتيانها، فإذا عذر في إتيانها فلا يتركها، إما واجبًا وإما مندوبًا -والله أعلم-. العدة (1/ 439-441).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
فضل شهود الفجر والعشاء وخطر التخلُّف عن الجماعة.