الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«‌أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنكبي، فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل»، وكان ابن عمر يقول: «إذا أَمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أَصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك».


رواه البخاري برقم: (6416)، من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-.
وزاد أحمد برقم: (4764): «واعدد نفسك في الموتى».
قال محققو مسند الإمام أحمد (8/ 383): "صحيح لغيره، دون قوله: «واعدُد نفسك في الموتى»، فهو حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف ليث، وهو ابنُ أبي سليم. وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين".


غريب الحديث


«عابر سبيل»:
أي: مارُّ طريق. المحيط، للصاحب ابن عباد (1/ 94).


شرح الحديث


قوله: «أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنكبي»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«‌أخذ ‌رسول ‌الله -‌صلى ‌الله ‌عليه ‌وسلم- ‌بمنكبي» بكسر الكاف والموحدة وتخفيف التحتية: مجمع العضد والكتف. إرشاد الساري (9/ 238).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
فيه: مس المعلم أو الواعظ بعض أعضاء المتعلم أو الموعوظ عند التعلم أو الوعظ، ونظيره قول ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: علمني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التشهد كفِّي بين كفيه.
وحكمة ذلك: ما فيه من التأنيس والتنبيه والتذكير؛ إذ مُحال عادة أن ينسى من فُعِلَ معه ذلك ما يقال له معه، وهذا لا يفعل غالبًا إلا مع من يميل إليه الفاعل، ففيه: دليل على محبته -صلى الله عليه وسلم- لهما (أي: ابن عمر وابن مسعود). الفتح المبين (ص:612).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «أخذ بمنكبي» أي: أمسك بكتفي من الأمام؛ وذلك من أجل أن يستحضر ما يقوله النبي -صلى الله عليه وسلم-. شرح الأربعين النووية (ص:390).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنكبي» وفي نسخة بتشديد الياء (مثنى)، وأخذ المنكب للاهتمام والتنبيه. مرقاة المفاتيح (3/ 1158).
وقال العيني -رحمه الله-:
«‌بمنكبي» ويُرْوَىْ بالتثنية، وفي رواية الترمذي: «‌أخذ ببعض جسدي»، ورواية البخاري تُعيِّن هذا المبهم. عمدة القاري (23/50).

قوله: «فقال: كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
«كأنَّك غريب» لا يستوطن في الغربة، ولا يقيم فيها غالبًا.
«أو عابر سبيل» بل عابر سبيل لا يتخلَّف في المنزل عن الرفقاء «‌أو» بمعنى "بل"...، الأمر في الحديث للندب والاستحباب، وهو طلب الكمال بقطع الأمل. الأزهار، مخطوط، لوح (194).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «عابر سبيل» أي: مسافر، يعني: لا تَمِلْ إلى الدنيا؛ فإنك مسافر ستسافر إلى الآخرة، فلا تتخذ الدنيا وطنًا. المفاتيح (2/ 415).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«كأنك غريب» كلمة جامعة لأنواع النصائح؛ إذ الغريب لقلة معرفته بالناس قليل الحسد والعداوة والحقد والنفاق والنزاع، وسائر الرذائل التي منشؤها الاختلاط بالخلائق، ولقلة إقامته قليل الدار والبستان والمزرعة والأهل والعيال وسائر العلائق التي هي منشأ الاشتغال عن الخالق.
فإن قلتَ: الغريب هو عابر سبيل، فما وجه العطف عليه؟
نقول: إن العبور لا يستلزم الغربة، والمبالغة فيه أكثر؛ لأن تعلُّقاته أقل من تعلُّقات الغريب، فهو من باب عطف العام على الخاص، وفيه نوع من الترقِّي، والترغيب إلى الآخرة، والتوجه إليها، وأنها المرجع، ودار القرار، والزهد في الدنيا والموت، ونحو ذلك. الكواكب الدراري (22/ 194).
وقال النووي -رحمه الله-:
قالوا في شرح هذا الحديث معناه: لا تركن إلى الدنيا، ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلَّق منها إلا بما يتعلَّق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله. رياض الصالحين (ص: 165).
وقال ابن المقن -رحمه الله-:
هذا الحديث شريف جامع لمعاني الخير، ومعناه: ...، وحاصله: الحض على قلة المحافظة عليها، وقلة الاقتناء، والزهد في الدنيا. المعين (ص: 429).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
بيان ذلك: أن الغريب قليل الانبساط إلى الناس؛ بل هو مستوحش منهم؛ إذ لا يكاد يمر بمن يعرفه فيأنس به، ويستكثر بخُلْطته فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل لا ينفذ في سفره إلا بقوته عليه، وخفته من الأثقال، غير مُتَشبِّث بما يمنعه من قطع سفره، معه زاد وراحلة يُبلِّغانه إلى بغيته من قصده، وهذا يدل على إيثار الزهد في الدنيا، وأخذ البُلغة منها والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يُبلِّغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يُبلِّغه المحل. شرح صحيح البخاري، لابن بطال (10/ 148، 149).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أو عابر سبيل» «أو» فيه للتخيير والإباحة، والأحسن أن يكون بمعنى: بل، شبه النبي -عليه الصلاة والسلام- الناسك السالك أولًا بالغريب الذي ليس له مسكن يؤويه، ثم ترقى وأضرب عنه بقوله: «أو عابر سبيل»؛ لأن الغريب قد يسكن في بلاء الغربة، ويقيم فيها، بخلاف عابر السبيل القاصد للبلد الشاسع. شرح المصابيح (2/ 331).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«كُن في الدُّنيا كأنك غريب» قَدِمَ بلدًا لا مسكن له فيها يُؤْوِيه، ولا سكن يسليه، خالٍ عن الأهل والعيال والعلائق التي هي سبب الاشتغال عن الخالق؛ ولما شبه الناسك السالك بالغريب الذي ليس له مسكن، ترقى وأضرب عنه بقوله: «أو عابر سبيل» لأن الغريب قد يسكن في بلاد الغربة، ويقيم فيها، بخلاف عابر السبيل القاصد للبلد الشاسع، وبينه وبينها أودية مُرْدِيَة، ومفاوز مهلكة، وهو بمرصد من قطاع الطريق، فهل له أن يقيم لحظة، أو يسكن لمحة؟ إرشاد الساري (9/ 238).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كن في الدنيا كأنك غريب» أي: لا تَمِلْ إليها، فإنك مسافر عنها إلى الآخرة، فلا تتخذها وطنًا، ولا تألف مُستلزماتها، واعتزل عن الناس مخالطتهم؛ فإنك تفارقهم، وألزم يدك اللازم ... ، وأما حديث: «حب الوطن من الإيمان» فموضوع، وإن كان معناه صحيحًا، لا سيما إذا حُمِلَ على أن المراد بالوطن الجنة، فإنها المسكن الأول. مرقاة المفاتيح (3/ 1158، 1159).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الغريب من لا مسكن له يَأويه، ولا سكن يأنس به، ولا بلد يستوطن فيه، كما قيل في المسيح: سعد المسيح يسيح، لا ولد يموت، ولا بناء يخرب، وعطف «أو عابر سبيل» من باب عطف الترقِّي، و«‌أو» ليست للشك، بل للتخيير أو الإباحة، والأمر للإرشاد، والمعنى: قدر نفسك ونزلها منزلة من هو غريب، أو عابر سبيل؛ لأن الغريب قد يستوطن، ويحتمل أن «‌أو» للإضراب، والمعنى: بل كن في الدنيا كأنك عابر سبيل؛ لأن الغريب قد يستوطن بلدًا بخلاف عابر السبيل، فهمُّه قطع المسافة إلى مقصده، والمقصد هنا إلى الله {وَأَنَّ إِلَىْ رَبِّكَ الْمُنْتَهَىْ} النجم: 42. سبل السلام (2/ 645، 646).

قوله: وكان ابن عمر يقول: «إذا أَمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
«‌وكان ابن عمر» لفظ كتاب البخاري، والواو للحال؛ لأنَّ ابن عمر كان بهذه الصفة، ومع ذلك أمره بذلك. الأزهار، مخطوط، لوح (194).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«‌و» لما تحقق ابن عمر بهذه المرتبة العلية بواسطة ما سرى إليه من المعارف النبوية الناشئة عن تلك اليد الكريمة «‌كان يقول» حملًا للناس على التحلي بها. فتح الإله (6/10).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وقول ابن عمر: «وإذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح» أي: لا تنتظر بأعمال الليل الصباح؛ بل بادر بالعمل، وكذلك «إذا أصبحتَ فلا تحدث نفسك بالمساء» أي: لا تؤخر أعمال الصباح إلى الليل. الإفصاح (4/ 247).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وقول ابن عمر -رضي الله عنهما-: «إذا أمسيتَ...» إلى آخره، حض منه على أن يجعل الموت نصب عينيه؛ فيستعد بالعمل الصالح، وحض منه على تقصير الأمل، وترك الميل إلى غرور الدنيا، والمبادرة إلى العمل. المعين (ص:430).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وكان ابن عمر» -رضي الله عنهما- «يقول: إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء» أي: سِرْ دائمًا ولا تفتُرْ عن السير ساعة؛ فإنك إن قصرت في السير انقطعت عن المقصود، وهلكت في تلك الأودية. إرشاد الساري (9/ 238).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وكان ابن عمر» راوي الخبر «يقول» أي: عقب رواية له، كما يُؤْذِن به سياق المصنف (النووي) وهو كالرديف لما قبله (أي: حديث أبي هريرة: «‌الدنيا سجن المؤمن...») قال الأعمش راويه عن مجاهد عن ابن عمر، وقال: قال لي ابن عمر، وفي لفظ آخر عنه قال مجاهد: ثم قال لي ابن عمر، وكذا جاء في رواية غير الأعمش «إذا أمسيت» أي: دخلت في المساء، وهو لغة من الزوال إلى نصف الليل «فلا تنتظر» أي: بأعمال المساء «الصباح»، «وإذا أصبحت» أي: دخلت في الصباح، فالفعلان تامَّان، والصباح من نصف الليل إلى الزوال، كما ذكره السيوطي «فلا تنتظر» أي: بأعمال النهار «المساء» وذلك أن لكل منهما عملًا يخصه، فإذا أُخِّر عنه فات ولم يُستَدْرك كماله، وإن شُرِعَ قضاؤه، فطُلِبت المبادرة بعمل كل وقت في وقته، أو المراد: إذا أمسيت فلا تُحدث نفسك بالبقاء إلى الصباح، وكذا عكسه، بل انتظر الموت كل وقت، واجعله نصب عينيك، وعقب به المصنف (النووي) ما قبله؛ لأن الحديث للحض على ترك الدنيا، والزهد فيها، كما سيأتي بيانه في الأصل، وهذا للحض على تقصير الأمل، فذاك متوقف على هذا؛ لأنه المصلح للعمل، والمنجي من آفات التراخي والكسل، فإن من أطال أمله، ساء عمله. دليل الفالحين (4/ 399، 400).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وكان ابن عمر يقول» مخاطبة لنفسه أو لغيره: «إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء» أي: ليكن الموت في إمسائك وإصباحك نصب عينك، مُقَصِّرًا للأمل، مبادرًا للعمل، غير مؤخر عمل الليل إلى النهار، وعمل النهار إلى الليل. مرقاة المفاتيح (3/ 1159).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
والظاهر: أنَّ هذا وما بعده من كلام ابن عمر موقوف، لكن ذكره في الإحياء مرفوعًا. مرقاة المفاتيح (3/ 1159).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وهذا معنى قوله في رواية أخرى: «وعُدَّ نفسك من أهل القبور». فتح الإله (6/10).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
وظاهر كلامه: أنَّ قوله: «‌وعد» من كلامه موقوفٌ وليس كذلك؛ لأن السيوطي في الجامع الصغير قال: «كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل» رواه البخاري عن ابن عمر، وزاد أحمد والترمذي وابن ماجه: «‌وعد نفسك من أهل القبول». مرقاة المفاتيح (3/ 1159).

قوله: «وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«وخذ من صحتك» أي: اغتنم زمن القوة، فاستسلف منك لك، واعلم أنه سيأتي عليك زمان طويل وأنت تحت الأرض، لا يمكنك أن تذكر الله -عز وجل-، فبادر في زمن سلامتك. الإفصاح (4/ 247، 248).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «وخذ من صحتك لمرضك» يعني: اغتنم الصحة، وبالغ في العمل الصالح في حال الصحة عملًا كثيرًا، يكون ذلك العمل خيرًا لما فات عنك بلا عمل في حال المرض.
«وخذ من حياتك لموتك» يعني: خذ في حال الحياة زاد الآخرة، وزاد الآخرة: العمل الصالح والتقوى. المفاتيح (2/ 415).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «خذ» أي: خذ بعض أوقات صحتك لوقت مرضك، يعني: اشتغل في الصحة بالطاعة بقدر ما لو وقع في المرض تقصير تدرك بها. الكواكب الدراري (22/ 194).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «وخذ من صحتك لمرضك» حض على اغتنام صحته، فيجتهد فيها لنفسه خوفًا من حلول مرض به يمنعه عن العمل، وكذلك قوله: «ومن حياتك لموتك» تنبيه على اغتنام أيام حياته، لا تمر عنه باطلًا في سهو وغفلة؛ لأن من مات قد انقطع عمله وفاته أمله، فلا ينفعه ندمه، فيقدم وطنه بغير زاد، وقد ذم الله الأمل وطوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُوْنَ} الحجر: 3. المعين (ص:430).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وخذ من» زمن «صحتك لمرضك» وفي رواية ليث بن أبي سليم عن مجاهد عند أحمد والترمذي: «لسقمك» أي: سر سيرك القصد في حال صحتك، بل لا تقنع به، وزد عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة؛ بحيث يكون ما بك من تلك الزيادة قائمًا مقام ما لعله يفوت حال المرض والضعف، أو اشتغل في الصحة بالطاعة، بحيث لو حصل تقصير في المرض لانجبر بذلك، وفي قوله: «ومن حياتك لموتك» إشارة إلى أخذ نصيب الموت وما يحصل فيه من الفتور من السقم، يعني: لا تقعد في المرض عن السير كل القعود، بل ما أمكنك منه فاجتهد فيه حتى تنتهي إلى لقاء الله وما عنده من الفلاح والنجاح، وإلا خبت وخسرت، وزاد ليث: «‌فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدًا» أي: هل يقال لك: شقي أم سعيد؟ أو هل يقال لك: حي أو ميت؟
وفي حديث ابن عباس عند الحاكم: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسًا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» فالعاقل إذا أمسى لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، بل يظن أن أجله يدركه قبل ذلك، فيعمل ما يلقى نفعه بعد موته، ويبادر أيام صحته بالعمل الصالح؛ فإن المرض قد يطرأ فيمنع من العمل، فيخشى على من فرط من ذلك أن يصل إلى المعاد بغير زاد، فمن لم ينتهز الفرصة يندم. إرشاد الساري (9/ 238).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وخُذ من صحتك» أي: أعمالًا صالحة تستعين في تحصيلها بها مُبتدَأُها منها مُنتهية أو مُدَّخرة «لمرضك» أي: لمدته التي تشتغل عنها في المرض، أي: فلا تغفل عنها في زمن تمكنت فيه منها، وهو زمن الصحة؛ لئلا تغبن في صفقتك «و» خذ «من حياتك لموتك» يحتمل أن يكون أعم مما قبله، بأن يُراد: الإكثار منها ولو في زمن المرض المتمكن فيه منها، فيكون فيه تَرَقٍّ وزيادة في التحريض على اغتنام الطاعة، وعدم التواني فيها مع إمكانها ولو شقت وصعبت على النفوس لمرض أو غيره، ويحتمل أن يكون بمعنى ما قبله، أي: من زمن صحتك مدة حياتك، فيكون تأكيدًا لما قبله، واهتمامًا به، وزيادة تحريض عليه، وبالجملة فرأس مال المؤمن صحته وحياته، وأيام حياته زمن تجارته، فلا ينبغي له أن يفرط فيها مع التمكن منها؛ ليحصل له من ربح التجارة ونفعها ما يدوم نفعه عليه عند حاجته إليه لنحو مرض، وفي الحديث: «إذا مرض العبد أو سافر يقول الله لملائكته: اكتبوا ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا» وهذا فيه توسل لدوام فضل المولى -سبحانه- بحسن العمل، وفي الحديث: «تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة». دليل الفالحين (4/ 400).

قوله: «واعدد نفسك في الموتى»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «واعدد نفسك في الموتى» أي: ‌اقطع ‌أطماعك ‌في ‌الدنيا ‌وأهلها، وأخمل ذِكرك، وأخفِ شأنك، كما أن الموتى قد انقطعت أطماعهم من الدنيا وأهلها، واشهد مشاهد القيامة، وعد نفسك ضيفًا في بيتك، وروحك عارية في بدنك، خاشع القلب، متواضع النفس، بريء من الكبر، تنظر إلى الليل والنهار، فتعلم أنها في هدم عمرك، ومن عقد قلبه على ذلك استراح من الهموم، وانزاحت عنه الغموم. فتح القريب المجيب (12/ 482، 483).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«واعدد ‌نفسك ‌في ‌الموتى» أي: قَدر في نفسك أنك تصبح أو تمسي في عسكر الأموات. التيسير (1/ 167).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«‌واعدد ‌نفسك ‌في ‌الموتى» وترحَّل عن الدنيا حتى تنزل بالآخرة، وتحل فيها، حتى تبقى من أهلها، وأنك جئت إلى هذه الدار كغريب يأخذ منها حاجته، ويعود إلى الوطن الذي هو القبر. فيض القدير (1/ 550).
وقال حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي:
أولًا: أنه ينبغي للعاقل أن لا يغتر بالدنيا، ويجعلها أكبر همه، بل يفكر في مصيره ورحيله عنها إلى دار القرار، فما هو إلا عابر سبيل...
ثانيًا: أنه ينبغي للعاقل مسابقة الزمن، والمبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل فوات الأوان...
ثالثًا: أن في هذا الحديث تحريض على الإكثار من ذكر هادم اللذات، وقد قال بعض أهل العلم: من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثةٍ: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، والنشاط في العبادة، ومَن نسيه عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة وعدم الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة. منار القاري (5/ 291-292).
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حض على التشبه بالغريب؛ لأن الغريب إذا دخل بلدة لم ينافس أهلها في مجالسهم، ولم يحرج من أن يروه على خلاف عادته في الملبوس، ولا يكون متدابرًا معهم، وكذلك عابر السبيل، فإنه لا يتدابر ولا يلج في الخصومات مع الناس، ولا يشاحنهم؛ ناظرًا إلى أن لبثه معهم أيامًا يسيرة.
فكل أحوال الغريب وعابر السبيل في الدنيا مستحبة أن يكون للمؤمن؛ لأن الدنيا ليست وطنًا له؛ لأنها تحبسه عن داره، وهي الحائلة بينه وبين قراره. الإفصاح (4/ 247).


إبلاغ عن خطأ