«استعينوا على إنجاحِ الحوائجِ بالكِتْمان، فإنَّ كُلَّ ذي نِعمةٍ مَحسودٌ».
رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم: (183)، والأوسط برقم: (2455)، والصغير برقم (1186)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (5/ 215)، والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (6228)، من حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه-.
ورواه الخرائطي في اعتلال القلوب (680)، من حديث عمر -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (943)،سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1453).
غريب الحديث
«بالكتمان»:
الكِتْمان: نقيض الإعلان. العين، للخليل(5/ 343).
وقال الراغب-رحمه الله-:
الكِتْمَانُ: ستر الحديث، يقال: كَتَمْتُهُ كَتْمًا وكِتْمَانًا. قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} البقرة: 140. المفردات في غريب القرآن، للراغب (ص: 702).
«محسود»:
الحَسد عند أهل اللغة: أن يتمنى الانسان ما لغيره بأن يزول عنه. معاني القرآن، للنحاس (2/ 73، 74).
شرح الحديث
قوله: «استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«استعينوا على إنجاح الحوائج» من جلب نفع ودفع ضر «بالكتمان» اكتفاءً بإعانة الله، وصيانةً للقلب عما سواه، وحذرًا من حاسد يطلع عليها قبل التمام فيعطلها؛ فاكتموا واستعينوا بالله على الظفر بها. التيسير (1/ 147).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«استعينوا على إنجاح الحوائج» قضائها «بالكتمان» بكسر الكاف مصدر كتمه كتمًا وكتمانًا، توصية منه -صلى الله عليه وسلم- بِطَيِّ الحوائج التي يراد قضاؤها، وعلَّله «فإن كل ذي نعمة محسود». التنوير (2/ 327).
قوله: «فإن كل ذي نعمة محسود»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فإن كل ذي نعمة محسود» فاكتموا النعمة عن الحاسد إشفاقا عليه وعليكم منه، ولا ينافيه الأمر بالتحدث بالنعمة؛ لأنه فيما بعد الحصول، ولا أثر للحسد حينئذ. التيسير (1/ 147).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإن كل ذي نعمة محسود» فإن الحاسد إذا علم نجاح حاجة من يحسده سعى في عدم نجاحها، ولا ينافيه الأمر بالاستشارة؛ فإنه في ابتداء طلب الحاجة، أو لأن المأمور بالكتمان منه من يظن أنه حاسد، كما يرشد إليه التعليل. التنوير (2/ 327).
وقال ابن حبان -رحمه الله-:
ولا يكاد يوجد الحسد إلا لمن عظمت نعمة الله عليه، فكلما أتحفه الله بترداد النعم ازداد الحاسدون له بالمكروه والنقم. روضة العقلاء (ص:134).
وقال ابن حبان -رحمه الله- أيضًا:
فالعاقل يكون على إماتة الحسد بما قدر عليه أحرص منه على تربيته، ولا يجد لإماتته دواء أنفع من البعاد، فإن الحاسد ليس يحسدك على عيب فيك، ولا على خيانة ظهرت منك، ولكن يحسدك بما ركِّب فيه من ضد الرضا. روضة العقلاء (ص:135، 136).
وقال أبو الليث السمرقندي -رحمه الله-:
فالواجب على كل مسلم أن يمنع نفسه من الحسد؛ لأن الحاسد يضاد حكم الله -تعالى-، والناصح هو راض بحكم الله -تعالى-. تنبيه الغافلين (ص:180).
وقال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-:
واعلم أن الحسد ضرب من الحماقة؛ لأن اغتمامه بما يناله ذووه وأهل بلده يقتضي أن يغتم أيضًا بما يناله أهل الصين والهند، على أن الخير الذي ينال ذويه إذا تفكر فيه هو أنفع له مما يناله الأباعد. الذريعة (ص:246).
وقال ابن العربي المالكي -رحمه الله-:
أما الحسد فكبيرة من أعمال القلوب، متفق على تحريمها في الملك، من لدن شريعة آدم إلى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وحقيقته تمني عين المعجب ما عند الغير، وإرادة انتقاله منه إليه، فإن أردت وجود مثله عندك كان عند علمائنا غبطة. القبس (ص:1049).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
فإن أردت العيش، فأبعد عن الحسود؛ لأنه يرى نعمتك، فربما أصابها بالعين، فإن اضطررت إلى مخالطته، فلا تُفْشِ له سرك، ولا تشاوره، ولا يغرَّنك تملُّقه لك، ولا ما يظهره من الدين والتعبد، فإن الحسد يغلب الدين، وقد عرفت أن قابيل أخرجه الحسد إلى القتل، وأن إخوة يوسف باعوه بثمن بخس، وكان أبو عامر الراهب من المتعبدين العقلاء، وعبد الله بن أبي من الرؤساء، أخرجهما حسد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى النفاق وترك الصواب. صيد الخاطر (ص:463).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقد تظاهرت نصوص الشرع وإجماع العلماء على تحريم الحسد واحتقار المسلمين وإرادة المكروه بهم، وغير ذلك من أعمال القلوب وعزمها -والله أعلم-. المنهاج شرح صحيح مسلم (2/ 152).
وقال العز بن عبد السلام -رحمه الله-:
وشر أنواع الحسد تمني زوال النعم عن عباد الله -عز وجل-، وإن لم تصل إلى الحاسد.
ويزال هذا النوع: بأن تعلم أنك لم تحب لأخيك المسلم ما أحببت لنفسك، وأنك شاركت الشيطان في عداوة أخيك المسلم، وسخطت لما أعطى الله عباده من غير أن يحصل لك بذلك نفع أو غرض صحيح.
وما الحاسدون إلا كما قال الله -تعالى-: {وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} الأنعام: 26، ومثل الحاسد مع المحسود كمثل رجل رمى إنسانًا بحجر ليقتله أو يفقأ عينه، فرجع الحجر عليه فقتله أو فقأ عينه، بل حال الحسد أشد؛ لأنه يتعرض بحسده لغضب الله -تعالى- وسخطه عليه. مقاصد الرعاية (ص:153، 154).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
ووجه ظلم الحاسد: أنه يجب عليه أن يحب لمحسوده ما يحب لنفسه، وهو لا يحب لنفسه زوال النعمة، فقد أسقط حق محسوده عليه؛ ولأن في الحسد تعب النفس وحزنها بغير فائدة بطريق محرم، فهو تصرف رديء {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} النساء: 54.
وفي الحِكمة: الحسود لا يسود، والحسود محبوس في جلدته. التعيين (1/ 295، 296).
وقال المظهري -رحمه الله-:
والحَسد في الحقيقة: مضادة الله؛ لأن الحَسود لا يَرضى بقضاء الله، فإن الله -تعالى- هو الذي رزق المحسود الرفعة والزيادة على الحاسد، والحاسد لا يرضى بما رزق الله المحسود. المفاتيح (5/ 239، 240).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فإن الحسد في الحقيقة: نوع من معاداة الله؛ فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله، ويحب زوالها عنه والله يكره ذلك، فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته؛ ولذلك كان إبليس عدوه حقيقة؛ لأن ذنبه كان عن كبر وحسد. الفوائد (1/ 232).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير، أو يساويه فيه؛ لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله، وينفرد بها عنهم. جامع العلوم والحكم (1/ 306).
وقال عبد الرحمن بن نصر الشيزري -رحمه الله-:
واعلم أن أسباب الحسد ثلاثة: أحدها: بغض المحسود قبل ظهور النعمة عليه، فإذا ظهرت عليه نعمة أو اشتهرت عنه فضيلة أثارت البغضاء القديمة له حسدًا على ذلك.
الثاني: أن يظهر على المحسود نعمة شاملة أو فضيلة كاملة يعجز الحاسد عن تحصيلها، أو تقصر همته عن إدراكها، ويكره تقدمه عليه بذلك، واختصاصه به دونه، فيصير حسدًا.
الثالث: أن يكون بالحاسد شح بالفضائل المكتسبة، وبخل بالنعم الموهوبة، وليس يقدر على منعها منه ودفعها عنه إذا هي ليست في يديه، ولا مفوضة إليه، فيحسده على ما منحه الله -تعالى- من عطائه العميم وفضله الجسيم، وهذا السبب داء ليس له دواء، فإن كان الحاسد ذا قسوة واقتدار حدث عن حسده الانتقام من المحسود، وإن كان ذا عجز وضعف حدث عنه هم دائم وسقم لازم. المنهج المسلوك (ص:428-430).
وقال ابن الأزرق -رحمه الله-:
أسباب الحسد أنواع:
أحدهما: العداوة وهو أقواها، وتؤدي إلى التنازع وضياع العمر في إعمال الحيلة في زوال النعمة.
الثاني: خوفه من ترفع غيره عليه بنعمة، فيريد سلبها ليحصل التساوي، فيأمن مكروه الكبر عليه.
الثالث: خشية أن لا يحتمل ذو النعمة المستجدة معهود الترفع عليه، فيتمنى زوالها لئلا يفوته ذلك، أو يساويه بها، فيعود متكبرًا بعد أن كان متكبرًا عليه.
الرابع: تعجبه من رتبة خص بها غيره، كقول بعض الكفرة: ما أنتم إلا بشر مثلنا؛ تعجبًا من تخصيص بشر مثلهم بمزية الرسالة.
الخامس: خوف فوت المقاصد، وتختص بمتزاحمين على مقصود واحد، كالغزاة والتلاميذ وخواص الملوك ونحوهم...
السادس: حب الانفراد بالرياسة، بحيث إذا اختص بصفة كمال وسمع في أقصى العالم بنظير أحب موته، أو زوال النعمة التي بها المشاركة.
السابع: خبث النفس ورداءتها، فيشق عليه إذا وُصِفَ أحدٌ بفضيلة، ويرتاح لذكر رذائل الناس وما هم عليه من النقائض. بدائع السلك (1/ 529).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وأقوى أسباب الحسد: العداوة، ومنها: خوفه من تكبر غيره عليه بنعمة، فيتمنى زوالها عنه؛ ليقع التساوي بينه وبينه، ومنها: حب الرياسة، فمتى تفرد بفنٍّ وأحب الرياسة وصارت حالته إذا سَمِعَ في أقصى العالم بنظيره أحب موته أو زوال تلك النعمة عنه، وآفاته كثيرة، وربما حسد عالمًا فأحب خطأه في دين الله، وانكشافه أو بطلان علمه بخرس أو مرض، فليتأمل ما فيه من مشاركة أعداء الله بسخط قضائه، وكراهة ما قسمه لعباده، ومحبة زوالها عن أخيه المؤمن، ونزول البلاء به. إرشاد الساري (9/ 47، 48).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
ولا ينبغي أن تطلب لحاسدك عقوبة أكثر مما فيه، فإنه في أمر عظيم متصل، لا يرضيه إلا زوال نعمتك، وكلما امتدَّت امتدَّ عذابه، فلا عيش له، وما طاب عيش أهل الجنة إلا حين نُزِعَ الحسد والغل من صدورهم، ولولا أنه نزع، تحاسدوا، وتنغَّص عيشهم. صيد الخاطر (ص:463).
وقال العجلوني -رحمه الله-:
والأحاديثُ الواردةُ في التَّحدُّثِ بالنِّعَمِ محمولةٌ على ما بعدَ وقوعِها، فلا تكونُ معارِضَةً لهذه، نعم، إن تَرَتَّبَ على التحدُّثِ بها حَسَدٌ بعدَه، فالكِتمانُ أَولى. كشف الخفاء (1/ 139).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
تفسير الشيخ ابن باز -رحمه الله- لقوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}.