السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«مَن قالَ: لا إلهَ إلّا اللهُ، وكفَرَ بما يُعبَدُ من دونِ اللهِ، حَرُمَ مالُهُ ودمُهُ، وحِسابُهُ على اللهِ».


رواه مسلم برقم: (23)، من حديث طارق الأشجعي -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له: «مَن وحَّد الله...».


شرح الحديث


قوله: «من قال: لا إله إلا الله»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن قال: لا إله إلا الله» أي: لا معبود حق إلا الله، فلفظ الجلالة بدل من الضمير المستتر في الخبر، ومَن يرى أنَّ "لا" تعمل في المعرفة، يقولون: هو الخبر. القول المفيد (1/ 157).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«من قال: لا إله إلا الله» أي: مع قرينتها، وهي محمد رسول الله، ففيه اكتفاء تقدمت الإشارة إليه في شرح الحديث قبله. دليل الفالحين (3/ 271).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من قال» بلسانه: «لا إله إلا الله» مع عديلتها: محمد رسول الله، مُوقنًا بها بقلبه. الكوكب الوهاج (2/ 215).

قوله: «‌وكفر ‌بما ‌يعبد ‌من دون الله»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«‌وكفر ‌بما ‌يعبد من دون الله» أي: أيّ معبود كان «حرم ماله ودمه» بضم راء الفعل ورفع الاسمين بعده، وقوله: «وحسابه على الله» جملة مستأنفة مسوقة لبيان تعلُّق أحكام الشريعة بالظاهر دون ما يخفيه ويُسِرُّه ذو العقيدة الفاسدة، أو يخفيه ذو الأعمال القبيحة، فيفوض أمر ذلك إلى المولى -سبحانه-. دليل الفالحين (3/ 271).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «وكفر بما يُعبد من دون الله» أي: بعبادة مَن يُعبد من دون الله، قلنا ذلك؛ لأنَّ عيسى ابن مريم كان يُعبد من دون الله، ونحن نؤمن به، لكن لا نؤمن بعبادته، ولا بأنه مستحق للعبادة، كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} المائدة: 116، 117. القول المفيد (1/ 157).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
وفي قوله: «وكفر بما يعبد من دون الله» دليل على أنه لا يكفي مجرد التلفظ بلا إله إلا الله، بل لا بد أن تكفر بعبادة من يعبد من دون الله، بل وتكفر أيضًا بكل كفر؛ فمن يقول: لا إله إلا الله، ويرى أن النصارى واليهود اليوم على دين صحيح، فليس بمسلم، ومن يرى الأديان أفكارًا يختار منها ما يريد فليس بمسلم، بل الأديان عقائد مفروضة من قِبَل الله -عز وجل- يمشي الناس عليها؛ ولهذا ينكر على بعض الناس في تعبيره بقوله: الفكر الإسلامي، بل الواجب أن يقال: الدين الإسلامي أو العقيدة الإسلامية، ولا بأس بقول المفكر الإسلامي؛ لأنه وصف للشخص نفسه لا للدين الذي هو عليه. القول المفيد (1/ 157، 158).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وكفر» أي: جحد «بـ» جميع «ما» كان «يعبد من دون الله» -سبحانه وتعالى- حيوانًا كان أو جمادًا، ميتًا كان أو حيًّا، مَلَكًا كان أو جِنِّيًّا أو إنسيًّا. الكوكب الوهاج (2/ 215، 216).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
أي: أنَّ مَن وحَّد الله، ‌وكفر ‌بما ‌يعبد من دون الله، فلا بد أن يعبد الله، وتوحيد الله لا بد فيه من أداء الشروط، ومنها: أن يكون عمله خالصًا، وأن يؤدي ما أوجب الله عليه من شروط الإيمان، ومقتضيات الإيمان، من الابتعاد عن الشرك بجميع أنواعه.
إذًا هذا الحديث فيه: دليل على أنه لا بد من شيئين: إيمان بالله، وكفر بالطاغوت، فالإيمان بالله: هو أن يوحد الله، والكفر بالطاغوت: هو أن يكفر بما يعبد من دون الله، قال -سبحانه وتعالى-: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} البقرة:256. شرح صحيح ابن حبان (10/ 8).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله- أيضًا:
قوله: «وكفر بما يُعبد من دون الله» أي: كفر بالطاغوت، فمن لم يكفر به لا يكون موحِّدًا؛ بل يكون مشركًا، كما قال الله -تعالى-: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} الممتحنة: 4، فلا بد من البراءة من كل معبود سوى الله؛ لأن التوحيد لا يتحقق إلا بالإيمان بالله، والكفر بالطاغوت، وهذا من شروط لا إله إلا الله. توفيق الرب المنعم (1/ 85).

وفي لفظ له: «مَن وحَّد الله»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«‌من ‌وحَّدَ ‌الله» أي: أقر بتوحيد الله. الكوكب الوهاج (2/ 217).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «من ‌وحَّدَ ‌الله» دليل على أن المراد من كلمة الشهادة: التوحيد، وليس المراد: قولها باللسان فقط، وهذا يعتبر تفسيرًا لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من قال: لا إله إلا الله» لأن النصوص يفسر بعضها بعضًا. توفيق الرب المنعم (1/ 85).

قوله: «حرُم ماله ودَمُه»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«حرم ماله ودمه» بضم راء الفعل، ورفع الاسمين بعده. دليل الفالحين (3/ 271).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
«حرَّم ماله ودَمه» على المسلمين. تطريز رياض الصالحين (ص:265).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«حَرُم ماله ودمه» أي: مُنع شرعًا أخذ ماله، وإراقة دمه بذمة الإيمان والإسلام. الكوكب الوهاج (2/ 216).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«حرُم ماله ودَمُه» ‌واختصاصه ‌ذلك ‌بمن ‌قال: ‌لا إله إلا الله، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا: مشركو العرب وأهل الأوثان، ومن لا يقر بالصانع ولا يوحِّدُهُ، وهم كانوا أول من دُعِيَ إلى الإسلام، وقوتل عليه، فأما غيره ممن يقر بالتوحيد والصانع فلا يكتفى في عصمة دمه بقوله ذلك؛ إذ كان يقولها في كُفره، وهي من اعتقاده؛ فلذلك جاء في الحديث الآخر: «وأني رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة». إكمال المعلم (1/ 246).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله -رحمه الله-:
قوله: «مَن قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله» اعلم أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث علَّق عصمة المال والدم بأمرين: الأول: قول: لا إله إلا الله.
الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم يكتفِ باللفظ المجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها، والعمل بها. تيسير العزيز الحميد (ص: 115).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقد جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الشهادة بالإيمان تعصم الدَّم والمال، فدل أن من أهل القبلة من يشهد بها غير مخلص، وأنها تحقن دمه ‌وحسابه ‌على ‌الله، وقد أجمعوا أن أحكام الدين على الظاهر، وإلى الله السرائر، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- لخالد بن الوليد (هكذا قال، والمشهور أنه: أسامة بن زيد) حين قتل الذي استعاذ بالشهادة: «هلا شققت عن قلبه» فدل أنه ليس له إلا ظاهره. شرح صحيح البخاري (8/ 575).

قوله: «وحسابه على الله»:
قال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
«وحسابه» في صدقه وكذبه على الله -تعالى-. تطريز رياض الصالحين (ص:265).
وقال النووي -رحمه الله-:
«‌وحسابه ‌على ‌الله -تعالى-» معناه: أنا نكف عنه في الظاهر، وأما بينه وبين الله -تعالى- فإن كان صادقًا مؤمنًا بقلبه نفعه ذلك في الآخرة، ونجا من النار، كما نفعه في الدنيا، وإلا فلا ينفعه، بل يكون منافقًا من أهل النار. المنهاج شرح صحيح مسلم (15/ 178).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «وحسابه على الله» جملة مستأنفة مسوقة لبيان تعلق أحكام الشريعة بالظاهر دون ما يخفيه ويُسِرُّهُ ذو العقيدة الفاسدة، أو يخفيه ذو الأعمال القبيحة، فيفوض أمر ذلك إلى المولى -سبحانه-. دليل الفالحين (3/ 271).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وحسابه» على ما في سرائره «على الله» -سبحانه وتعالى-، وإنما عليَّ البلاغ المبين. الكوكب الوهاج (2/ 216).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله، حَرُم ماله ودمه، وحسابه على الله» وهذا من أعظم ما يُبيِّن معنى: "لا إله إلا الله"؛ فإنَّه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله؛ فإنْ شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها! ويا له من بيان ما أوضحه! وحجة ما أقطعها للمنازع! التوحيد (ص: 26).
وقال العيني -رحمه الله-:
وفيه: دلالة صريحة على أنَّ الكافر إذا قال: لا إله إلا الله، لا يُحكم بإسلامه، ولا يصح إسلامه حتى يكفر بما يُعبد من دون الله، وهذا هو المراد من التبرؤ عن سائر الأديان سِوى دين الإِسلام. نخب الأفكار (12/ 194).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنَّه لا يحرم ماله ودَمه إلا إذا قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، فإنْ قالها ولم يكفر بما يعبد من دون الله، فدمه وماله حلال؛ لكونه لم ينكر الشرك، ويكفر به، ولم ينفِهِ كما نفتْهُ لا إله إلا الله، فتأمل هذا الموضع، فإنَّه عظيم النفع. قرة عيون الموحدين (ص: 97).


إبلاغ عن خطأ