السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«‌المؤمنُ ‌مِرْآةُ ‌المؤمنِ، والمؤمنُ أخو المؤمنِ، يكفُّ عليه ضَيْعَتَه، ويحوطُهُ من ورائهِ».


رواه أبو داود برقم: (4918) واللفظ له، والبخاري في الأدب المفرد برقم: (239)، والبزار برقم: (8109)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (6656)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (926).  


غريب الحديث


«‌مِرْآةُ»:
المرآة -بكسر الميم-: التي ينظر فيها. مختار الصحاح، للرازي (ص: 115).

«‌يكفُّ»:
كفَّ الشيء يكفُّهُ كفًّا: جمَعَهُ. المحكم، لابن سيده (6/ 663).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
أي: يجمع عليه معيشته، ويضمها إليه. النهاية (4/ 190).

«ضَيْعَتَه»:
«‌‌ضيعة» الرجل: عَقاره، والضَّيْعة: الصناعة والحرفة. شمس العلوم، للحميري (6/ 4022).

«يحوطُهُ»:
حاطه ‌يحوطه حوطًا وحيطة وحياطة، أي: كلَأَهُ ورعَاه. الصحاح، للجوهري (3/ 1121).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
«يحوطه»...: يحفظه ويصونه. جامع الأصول (6/ 563).


شرح الحديث


قوله: «‌المؤمن ‌مِرْآةُ ‌المؤمنِ»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
«‌المؤمن ‌مرآة ‌المؤمن» أي: يرى من نفسه ما لا يراه، كالمرآة، وهو ضرب من الإعانة (أي: المأمور بها في قوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} المائدة: 2). المعين على تفهم الأربعين (ص: 311).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«المؤمن مرآة المؤمن» بكسر ميم، ومدِّ همز، أي: آلة لإراءة محاسن أخيه، ومعائبه، لكن بينه وبينه، فإنَّ النصيحة في الملأ فضيحة، وأيضًا هو يرى من أخيه ما لا يراه من نفسه، كما يرسم في المرآة ما هو مختفٍ عن صاحبه، فيراه فيها، أي: إنَّما يعلم الشخص عيب نفسه بإعلام أخيه، كما يعلم خلل وجهه بالنظر في المرآة. فتح الإله (9/ 653).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
«المؤمن مرآة المؤمن» أي: يرى منه ما لا يرى من نفسه، فيستفيد المرء بأخيه معرفة عيوب نفسه، ولو انفرد لم يستفد، كما يستفيد بالمرآة الوقوف على ‌عيوب ‌صورته الظاهرة.
وقال الشافعي -رضي الله عنه-: من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. إحياء علوم الدين (2/ 182).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«‌المؤمن ‌مرآة ‌المؤمن» فأنت مرآة أخيك تبصر حاله فيك، وهو مرآة لك فيه، فإن شهدت في أخيك خيرًا أو شرًّا فهو لك. التيسير (2/ 451).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «‌المؤمن ‌مرآة ‌المؤمن» أي: يريه ما فيه من العيوب بإعلامه بها، وتنبيهه عليها، كالمرآة تري كل ما في وجه الشخص ولو كان أدنى شيء، فالمؤمن يطلع على عيوبه بإعلام مؤمن آخر، كما يطلع على قبائح وجهه بالنظر في المرآة، فينبغي للمؤمن أن يميط الأذى والعيب عنه، ويشتغل بإصلاح حاله بأي وجه...
وقد يقال في معنى «‌المؤمن ‌مرآة ‌المؤمن»: إن المسلم إذا رأى عيبًا ونقصانًا في مسلم آخر ينبغي أن يحمل على أن هذا عيبه ونقصانه يرى فيه، فينتبه ويرجع إلى نفسه، فيقوم في مقام إزالته، وإصلاح حاله، وهذا معنى صحيح دقيق، ولكن سوق الحديث ينافي هذا المعنى. لمعات التنقيح (8/ 262- 263).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«‌المؤمن ‌مرآة ‌المؤمن» في عيوبه الأخلاقية، كما أن المرآة لعيوبه الخلْقية. التنوير (10/ 448).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
فإنَّ المرآة إذا صدئت لم يتبصَّر بها شيء، وإذا صفَتْ تمثَّلت فيها الأشياء، فوقع البصر عليها، وكذلك نفس المؤمن إذا كانت صافية تبصَّر واستبصر وبصَّر، وإذا صَدِئتْ عمي وأعمى. عارضة الأحوذي (8/89).

قوله: «‌والمؤمنُ أخو المؤمنِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«والمؤمن» المؤاخي في اللَّه تعالى «أخو المؤمن» أي: مثل أخيه في القرابة، وهو الأخ من الأبوين، أو من الأب، أو من الرضاع، ومعنى الحديث: أنَّ المؤمن ينبغي أن يحافظ على المؤمن محافظته على أخيه شقيقه، فيُسَرّ بسروره، ويهتم لهمِّهِ، ويعد جميع أحواله كأخيه المناسب. شرح سنن أبي داود (18/ 678).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«والمؤمن أخو المؤمن» أي: بينه وبينه أخوة ثابتة بسبب الإيمان. التيسير (2/ 451).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«والمؤمن أخو المؤمن» أي: ناصحه ومعاضده. لمعات التنقيح (8/ 262).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«والمؤمن أخو المؤمن» بنسب الإيمان {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} الحجرات: 10. التنوير (10/ 448).

قوله: «‌يكفُّ عليه ضَيْعَتَه»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «يكف عنه ضيعته» الكف: المنع، الضيعة: التَّلف والخسران؛ يعني: ليدفع عنه ما فيه عليه ضرر. المفاتيح (5/ 227).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«يكف» بفتح الياء، وضم الكاف... «ضيعته» بفتح الضاد المعجمة، وسكون المثناة تحت، وهي ما يكون منه معاشه من صناعة أو تجارة أو زراعة، ونحو ذلك.
قال شمر: ويدخل فيها الحرفة، ومنه الحديث: «أفشى اللَّه ضيعته» أي: أكثر عليه معاشه. شرح سنن أبي داود (18/ 678-679).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«يكف عنه ضيعته» أي: ما يصنعه ويحوطه: نفسه وماله وعرضه. الأزهار، مخطوط، لوح (423).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«يكفّ عليه ضَيعته» أي: ما يحتمل الضياع من المال والأولاد الصغار، فيحفظها عن الضياع. بذل المجهود (13/ 326).

قوله: «‌ويحوطُهُ من ورائهِ»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
«يحوطه من ورائه» يحفظه ويصونه من ورائه، من حيث لا يعلم، وفيما يغيب عنه من أموره. جامع الأصول (6/ 563).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«ويحوطه من ورائه» أي: ليحفظه في غيبته؛ وليدفع عنه من يغتابه، ويلحقه ضررًا. المفاتيح (5/ 227).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«من ورائه» أي: من جميع جوانبه، ويتوفر مصالحه في حياته، وأهله من بعده، وكان في السلف من يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة، يقوم لحاجاتهم ومصالحهم، ويتردد كل يوم إليهم، فكانوا لا يفقدون من الميت إلا عينه، وكان الواحد منهم يتردد إلى باب أخيه في غيبته وحضوره، ويسأل فيقول: هل لكم زيت؟ هل لكم ملح؟ هل لكم حاجة؟ فيقوم بها من حيث لا يعرف أخوه. شرح سنن أبي داود (18/ 679).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ويحوطه» أي: يحفظه ويخصره، ويضمه إليه «من ورائه» أي: في غيبته نفسًا ومالًا وعرضًا بأن لا يسكت إذا اغتيب عنده، وقدر على دفعه. مرقاة المفاتيح (8/ 3123).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ويحوطه من ورائه» يحفظه في غيبته، وبالأولى في حضرته، يذب عنه من يغتابه، ويرد عليه، ويوصل إليه بره وإحسانه، وينصحه، وغير ذلك من شروط أخوة الإِسلام. التنوير (10/ 449).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وفيه: الحث على صحبة أخ في اللَّه تعالى، كما يجعل المرآة لينظر فيها وجهه.
وفيه: أن يحترص أن يكون أخاه الذي يصحبه مرآة قلبه صقيلة ليس فيها غش ولا دنس، كما في المرآة، ومتى وجد من أخيه بعض كدر يبادر إلى إزالته كما يزيله من المرآة. شرح سنن أبي داود (18/ 678).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
1. وجوب النصح للمسلم.
2. تحريم غِشَّه وخيانته. فقه الإسلام (10/ 311).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:
فضل التخلق بالأخلاق الحسنة
كلام الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في بيان أن الأخلاق الإسلامية من مضمون الرسالة المحمدية.


إبلاغ عن خطأ