الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«لعَن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‌آكِلَ ‌الرِّبَا ‌وَمُؤْكِلَهُ، ‌وكاتِبَه ‌وشاهِديه، وقال: هُم سَواء»:


رواه مسلم برقم (1598)، من حديث جابر -رضي الله عنه-. 


غريب الحديث


«الربا»:
وهو من ‌الزيادة فيه التي لا تبيحها الشريعة، من زيادة في المال الذي لا يجوز فيه التفاضل، أو زيادة تقع فيه بالتأخير، أو زيادة تقع في السلف، وشبهه. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 280).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
والأصل فيه الزيادة، ربا المال يربو ربوًا إذا زاد وارتفع، والاسم: الربا مقصور، وهو في الشرع: الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع، وله أحكام كثيرة في الفقه، يقال: أربى الرجل فهو مرب. النهاية (2/ 191).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «لعَن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آكل الرِّبا ومُؤكله، ‌وكاتبه ‌وشاهِديه»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» يحتمل أنه إنشاء منه -صلى الله عليه وسلم-، ويحتمل أنه إخبار أن الله لعن من ذُكِر، وهو الإبعاد عن الرَّحمة. التحبير (1/ 546).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«الربا» في الأصل: الزيادة، نُقِلَ إلى ما يؤخذ زائدًا على ما بُذِلَ في المعاملات، وإلى العقد المشتمل عليه، والمراد به ها هنا: القدر الزائد. تحفة الأبرار (2/ 226).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
والربا أربعة أقسام: ربا الفضل، وهو بيع الربوي بجنسه مع زيادة في أحد العوضين، وربا اليد، وهو بيع الربويين ولو مختلفي الجنس مع تأخير القبض لهما أو لأحدهما عن المجلس، ونسب إلى اليد؛ لأن القبض يكون بها أصالة، وربا النساء -بفتح النون والمد- وهو بيع الربويين ولو مختلفي الجنس مع أجل ولو لحظة، وربا القرض، وهو كل قرض جرَّ نفعًا للمقرض غير نحو رهن، لكن لا يحرم عند الشافعية إلا إذا شُرط في عقده، ولا يختص بالربويات، بل يجري في غيرها كالعروض والحيوانات. الكوكب الوهاج (17/ 285).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«آكل الربا»: آخذه، وعبر عن الأخذ بالأكل؛ لأن الأخذ إنما يراد للأكل غالبًا، ومنه قوله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} النساء: 10، أي: يأخذونها، فإنه لم يعلق الوعيد على أموال اليتامى من حيث الأكل فقط، بل من حيث إتلافها عليهم بأخذها منهم «وموكل الربا» معطيه، وهذا كما قال في الحديث الآخر: «الآخذ والمعطي فيه سواء» وفي معنى المعطي: المعين عليه «وكاتبه» الذي يكتب وثيقته «وشاهداه» من يتحمل الشهادة بعقده، وإن لم يؤدِّها، وفي معناه: من حضره فأقرَّه. المفهم (4/ 500).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«‌آكل ‌الرِّبا وموكله» أي: من يأكل منه ويطعم غيره منه، والمراد: البائع بالربا والمشتري به. شرح سنن أبي داود (12/ 395).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‌آكل ‌الربا وموكله، وشاهده وكاتبه»، وفي رواية الترمذي بالتثنية، وهذا إنما يقع على من واطأ صاحب الربا عليه، أما من كتبه أو شاهد القصة ليشهد بها على ما هي عليه، ليعمل فيها بالحق، فهو جميل القصد لا يدخل في الوعيد المذكور. إرشاد الساري (4/ 28).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
والمراد من الآكل: آخذه كالمقرض، ‌ومن ‌الموكل: ‌مُعطيه كالمستقرض، فإن قلت: النهي إنما يكون عن الفعل لا عن الفاعل، قلت: الفعل مقدر، أي: النهي عن الفعل الآكل والموكل. الكواكب الدراري (9/ 207).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
‌
حكم ‌آكل ‌الربا ‌وموكله، ‌أي: آخذه ومعطيه حرام بالإجماع، وقد ورد فيهما اللعن أيضًا، واشتركا في الإثم، وإن كان الرابح أحدهما؛ لأنهما في الفعل شريكان. المنهل الحديث (2/ 256).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وأما أكل الربا فقد ذكر شأنه في كتابه، وأغلظ الوعيد له، وسوى رسوله -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين موكله؛ إذ كان لا يتوصل إلى أكله ‌إلا ‌بمعاونته ‌ومشاركته إياه، فهما شريكان في الإثم، كما كانا شريكين في الفعل، وإن كان أحدهما مغتبطًا بفعله؛ لما يستفضله من الربح، والآخر مهتضمًا بما يلحقه من النقص، ولله -عز وجل- حدود لا تتجاوز في وقت العدم والوجد، وعند اليسر والعسر، والضرورة لا تلحقه بوجه في أن يوكله الربا؛ لأنه قد يجد السبيل إلى أن يتوصل إلى حاجته بوجه من وجوه المعاملات والمبايعات. أعلام الحديث (2/ 1018).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
‌
أكل ‌الربا من الكبائر، مُتَوعَّد عليه بمحاربة الله ورسوله... وأما شاهداه وكاتبه، فإنما ذكروا مع آكله؛ لأنَّ كُل من أعان على معصية الله -تعالى- فهو شريك في إثمها بقدر سعيه وعمله إذا علمه، وكان يلزم الكاتب ألا يكتب ما لا يجوز، والشاهدين ألا يشهدا على جواز ما حرم الله رسوله إذا علموا ذلك، فكل واحد منهما له حظه من الإثم، ألا ترى أن النبي لم يشهد لأبي النعمان بن بشير حين تبين له إيثاره للنعمان، وقال: «لا أشهد على جور» وقد روى معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، أن النبي -عليه السلام- قال: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه» فسوَّى بينهم في الإثم. شرح صحيح البخاري (6/ 217).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «‌آكل ‌الربا» أي: الآخذ، وإنما خص بالأكل؛ لأنه أعظم الانتفاع. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2124).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«‌آكل ‌الربا ومُوْكله» فـالآكل هو الذي يعطي المال ويأخذ زيادة على ما أعطى، والموكل هو الذي يعطي الزيادة. المفاتيح (3/ 393).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ولعن آكل الربا» وهو أخذ الزيادة على ما أعطى.
«وموكله» أي: معطيه، وهو المديون الذي يعطي الزيادة، وإنما لُعِنا لاشتراكهما في الفعل. شرح المصابيح (3/ 385).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وموكله» مطعمه «وكاتبه» الذي يكتب الوثيقة بين المترابين، وشاهداه اللذان يشهدان على العقد. التيسير (1/ 10).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كاتبه» أي: كاتب وثيقة عقد الربا «و» لعن «شاهديه» أي: الشاهدين على عقد الربا. الكوكب الوهاج (17/ 344).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
آكله: بدأ به لأنه المستفيد من الربا؛ فلذلك بدأ به، وهو أشدهم -والعياذ بالله-...
«وآكل الربا» لا يعني: من أَكله فقط، بل من أخذه سواء أَكله أو لبسه أو شربه أو غير ذلك، وإنما ذكر الأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع..
ثانيًا: «مُوكله» الموكل هو الذي يعطي الربا، واستحق اللعنة على فعل تكون به اللعنة، والمعين على المحرم كفاعل المحرم، كما أن المعين على الخير كفاعل الخير.
«كاتبه» أيضًا ملعون؛ لأنه أعان على تثبيته بكتابته؛ ولأنه لم يكتبه إلا وقد رضي به، فصار مشاركًا للفاعل، ويقال كذلك في «شاهديه» اللذين يشهدان به، فإنهما داخلان في اللعنة؛ لأن شهادتهما بذلك تثبته؛ ولأن شهادتهما به تدل على رضاهما به، والراضي بالمحرم كفاعل المحرم... فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 11، 12).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فأما مؤكله فإنه يحتمل أربعة أوجه:
أحدها: المعطي للربا، فإنه مؤكله المعطى.
الثاني: الآخذ، فإنه قد أطعم مقرضه الربا بما يؤدي إليه.
والثالث: الذي يعامل بالربا ثم يطعم منه الناس.
والرابع: أن يكون المفتي فيه بتأويل باطل غير مستند إلى مذهب معروف يجوز العمل عليه. الإفصاح (2/ 105).
وقال النووي -رحمه الله-:
«‌آكل ‌الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه، وقال: هُم سواء» هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابيين والشهادة عليهما، وفيه تحريم الإعانة على الباطل -والله أعلم-. المنهاج شرح صحيح مسلم (11/ 26).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أي: دعا على المذكورين بالإبعاد عن الرحمة، وهو دليل على إثم من ذُكِرَ، وتحريم ما تعاطوه، وخص الأكل لأنه الأغلب في الانتفاع، وغيره مثله، والمراد من موكله: الذي أعطى الربا؛ لأنه ما تحصَّل الربا إلا منه، فكان داخلًا في الإثم، وإثم الكاتب والشاهدين لإعانتهم على المحظور، وذلك إذا قصدا وعرفا بالربا، وورد في رواية «لعن الشاهد» بالإفراد على إرادة الجنس، فإن قلت: حديث: «اللهم ما لعنت من لعنة فاجعلها رحمة» أو نحوه، وفي لفظ: «ما لعنت فعلى من لعنت» يدل على أنه لا يدل اللعن منه -صلى الله عليه وسلم- على التحريم، وأنه لم يُرِد به حقيقة الدعاء على من أوقع عليه اللعن، قلت: ذلك فيما إذا كان من أوقع عليه اللعن غير فاعل لمحرم معلوم، أو كان اللعن في حال غضب منه -صلى الله عليه وسلم-. سبل السلام (2/ 49، 50).

قوله: «وقال: هُم سواء»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«وقال: هُم سواء» أي: في استحقاق اللعنة والإثم. المفهم (4/ 476).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وقال» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- «هُم سواء» أي: في أصل الإثم، وإن كانوا مختلفين في قدره. مرقاة المفاتيح (5/ 1916).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وقوله: «هُم سَواء» إما أن يراد المساواة في أصل الإثم وإن كان يتفاوت، أو في المقدار أيضًا -والله أعلم-. لمعات التنقيح (5/ 526).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
سوَّى النبي -عليه السلام- بين آكل الربا وموكله في النهي؛ ‌تعظيمًا ‌لإثمه ‌كما ‌سوَّى بين الراشي والمرتشي في الإثم، وموكل الربا: هو معطيه، وآكله: هو آخذه، وأمر الله عباده بتركه والتوبة منه بقوله: {اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} البقرة: 278-279، وتوعَّد -تعالى- من لم يتب منه بمحاربة الله ورسوله، وليس في جميع المعاصي ما عقوبتها محاربة الله ورسوله غير الربا، فحق على كل مؤمن أن يجتنبه، ولا يتعرض لما لا طاقة له به من محاربة الله ورسوله، ألا ترى فهم عائشة هذا المعنى؛ حيث قالت للمرأة التي قالت لها: بعت من زيد بن أرقم جارية إلى العطاء بثمانمائة درهم، ثم ابتعتها منه بستمائة درهم نقدًا، فقالت لها عائشة: بئس ما شريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله إن لم يتب، ولم تقل لها: إنه أبطل صلاته ولا صيامه ولا حجه، فمعنى ذلك -والله أعلم- أن من جاهد في سبيل الله فقد حارب عن الله، ومن فعل ذلك ثم استباح الربا، فقد استحق محاربة الله، ومن أربى فقد أبطل حربه عن الله، فكانت عقوبته من جنس ذنبه. شرح صحيح البخاري (6/ 219).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
والمساواة إنما هو في نفس اللعن، وإلا فمراتب اللعن تتفاوت حسب تفاوت مراتب الجناية، وظاهر أن جناية الشاهدين أقل من جناية الآكل والموكل. الكوكب الدري (2/ 277).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وإنما سوى بين هؤلاء في اللعنة؛ لأنه لم يحصل عقد الربا إلا بمجموعهم، ويجب على السلطان إذا وقع له أحد من هؤلاء أن يغلظ العقوبة عليهم في أبدانهم بالضرب والإهانة، وبإتلاف مال الربا عليهم بالصدقة به، كما يفعل المسلم إذا آجر نفسه في عمل الخمر، فإنه يتصدق بالأجرة، وبثمن الخمر إذا باعها المسلم، ويدل على صحة ما ذكرناه قوله -تعالى-: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} البقرة: 276، أي: يفسخ عقده، ويرفع بركته، وتمام المحق بإتلاف عينه. المفهم (4/ 500).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
دلَّ هذا الحديث... على أن موكل الربا -وهو ‌كل ‌من ‌يدفع ‌لغيره ‌فائدة ربوية- عاص وآثم، ومرتكب لكبيرة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن إعطاء الربا، كما نهى عن أخذه، فآكل الربا وموكله في ارتكاب الكبيرة سواء؛ حيث إن النبي -صلى الله عليه وسلم- سوى بينها في النهي، فكلاهما مرتكب للكبيرة. منار القاري (3/ 262).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وعلى هذا يكون الربا يُلْعَن فيه خمسة: الآكل، والموكل، والكاتب، والشاهدين، يلعن فيه هؤلاء الخمسة، وعرفتم وجه اللعن فيما عدا الأكل؛ لأن لعن الأكل واضح، ولعن غيره من أجل السببية. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 11، 12).


إبلاغ عن خطأ