السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ‌أكل ‌البَصَلِ والكُرَّاثِ، فغَلَبَتْنَا الحاجةَ ‌فأكَلْنَا منها، فقال: مَن ‌أَكلَ مِن هذه الشجرةِ الْمُنْتِنَةِ فلا يقربَنَّ مسجدَنا؛ فإنَّ الملائكةَ تَأَذَّى مما يَتَأَذَّى منه الإنس».


رواه مسلم برقم: (563)، من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ لمسلم برقم: (564): «من أكل البَصل والثُّوم والكُراث».
وفي رواية عند مسلم برقم:(561)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنه- بلفظ: «فلا يَقْرَبَنَّ ‌مساجِدَنا حتَّى يَذْهَب رِيحُهَا»


غريب الحديث


«الكُرَّاث»:
بَقْلَةٌ معروفةٌ، والكُرَّاثَةُ أخصُّ منه، وهي خبيثة الريح. والمصباح المنير، للفيومي(2/ 530).


شرح الحديث


قوله: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ‌أكل ‌البَصَلِ والكُرَّاثِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«نَهَى عن أكل البصل» المراد به النَّيء، كما بينته رواية البخاري، وجاء عن ابن عمر أنَّه كان يأكله مطبوخًا. التنوير (10/ 564).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وقد قيل: إن المكروه منه النَّيء دون المطبوخ. أعلام الحديث (1/ 556).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
ظاهر هذه الأحاديث شامل للنَّيء والمطبوخ، لكن عند أبي داود من حديث عليٍّ «نهى عن أكل الثوم إلا مطبوخًا»؛ لأنه حينئذٍ تزول رائحته الكريهة، لا سيما البصل. إرشاد الساري (8/ 244).

قوله: «فغَلَبَتْنَا الحاجة، ‌فأَكَلْنا منها»:
قال العيني -رحمه الله-:
«فغَلَبَتْنَا الحاجة» ومن جملة الحاجة: الجوع، وأصْرح منه ما وقع في حديث أبي سعيد: «لم نَعْدُ أنْ فُتحت خيبر، فوقعنا في هذه البَقْلَة والناس جياع» الحديث رواه البيهقي، وزعم أنَّه عند مسلم. عمدة القاري (6/ 144-145).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فغَلَبَتْنَا الحاجة» أي: الاحتياج إلى أَكل البصل والكُرَّاث. البحر المحيط الثجاج (12/ 454).

قوله: «فقال: مَن ‌أكل من هذه الشجرة المُنْتِنَةِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «من أكل من هذه الشجرة» أي: من الثوم. المفاتيح (2/ 68).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «هذه الشجرة» فإن قلتَ: الشجر هو ما كان على ساق من النبات، والنجم ما لا ساق له كالثوم، فما وجه إطلاق الشجر عليه؟
قلتُ: وقد يُطلق كل منهما على الآخر، وتَكلُّم أفصح الفصحاء -صلى الله عليه وسلم- به أقوى الدلائل. الكواكب الدراري (5/ 200).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «هذه الشجرة» إشارة تحقير وتذميم؛ للأذى، وإلا فهو مطعوم، والإشارة إلى جنس ما له نَتَنٌ، كالثوم والبصل والكُرَّاث دون نوعٍ منه. الأزهار مخطوط لوح (131).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«المُنْتِنَةِ» أي: العَفِنَة أيًّا كانت منهما. الكوكب الوهاج (8/ 197).

قوله: «فلا يَقْرَبَنَّ مسجدنا» وفي رواية «فلا يَقْرَبَنَّ مساجدنا»
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فلا يَقربنَّ» بفتح الراء والموحدة، وتشديد النون. فتح الباري (2/ 343).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«مسجدنا» الإضافة إلى المسلمين، أي: مسجد المسلمين. التوشيح (2/ 809).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله: «مسجدنا» تعلَّق به بعضهم في أن هذا النهي مخصوص بمسجد الرسول، وربما يتأكد ذلك بأنه كان مهبط الملك بالوحي، والصحيح المشهور خلاف ذلك، وأنه عام لما جاء في بعض الروايات: «مساجدنا»، ويكون «مسجدنا» للجنس، أو لضرب المثال؛ فإن هذا النهي معلَّل: إما بتأذِّي الآدميين، أو بتأذِّي الملائكة الحاضرين؛ وذلك يوجد في المساجد كلها. إحكام الأحكام (1/ 303).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقد ذكر بعض فقهائنا: أن حُكم مجامع المسلمين فيها هذا الحكم كمجالس العلم والولائم وحِلَقِ الذِّكْرِ. إكمال المعلم (2/ 497).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا النهي إنما هو عن حضور المسجد، لا عن أَكل الثوم والبصل ونحوهما، فهذه البقول حلال بإجماع من يُعْتَد به. المنهاج (5/ 48).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ذهب جماعةُ فقهاء الأمصار، وجمهور علماء المسلمين من أهل الفقه والحديث إلى إباحة أكل الثوم. التمهيد (6/ 416).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
اختلف العلماء في معنى هذا الحديث: فقال بعضهم: إنما خرج النهي عن مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- من أجل جبريل -عليه السلام- ونزوله فيه على النبي -عليه السلام-.
وقال آخرون -وهم الأكثرون-: مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- وسائر المساجد غيره في ذلك سواء، وملائكة الوحي في ذلك وغيرها سواء؛ لأنه قد أخبر أنه يتأذى بنو آدم، وقال: «إن الملائكة تتأذَّى بما يتأذَّى منه بنو آدم»، وقال: «يؤذينا بريح الثوم»، ولا يحل أذى الجليس المسلم حيث كان. التمهيد (6/ 414).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا تصريح يَنهى مَن أَكَلَ الثوم ونحوه عن دخول كل مسجد، وهذا مذهب العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء أن النهي خاص في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في بعض روايات مسلم: «فلا يقربن مسجدنا»، وحجة الجمهور: «فلا يقربن المساجد». المنهاج (5/ 47-48).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ليس في هذا تقييد النهي بالمسجد، فيُستدل بعمومه على إلحاق المجامع بالمساجد، كمصلى العيد والجنازة، ومكان الوليمة، وقد أَلْحَقَهَا بعضهم بالقياس والتمسُّك بهذا العموم أولى، ونظيره قوله: «وليقعد في بيته»...، لكن قد علَّل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة، وترك أذى المسلمين، فإن كان كل منهما جزء علة اختصَّ النهي بالمساجد، وما في معناها، وهذا هو الأظهر، وإلا لعمَّ النهي كل مَجْمَعٍ كالأسواق، ويؤيد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم: «من أكل من هذه الشجرة شيئًا فلا يقربْنَا في المسجد». فتح الباري (2/ 343).
وقال الباجي -رحمه الله-:
وهل يدخلها (يعني: المساجد) من أكل الثوم إذا لم يكن فيها أحد؟
وعندي أنه لا يجوز ذلك؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم». المنتقى شرح الموطأ (1/ 32-33).

قوله: «فإن الملائكة تأذَّى مما يتأذَّى منه الإنس»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أصل «تَأَذَّى» تتأذى بتاءين، فحُذفت إحداهما تخفيفًا، كما في {تَصَدَّى} عبس: 6، و{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ} القدر: 4. البحر المحيط الثجاج (12/455-456).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله -عليه السلام-: «فإن الملائكة تتأذى» إشارة إلى التعليل بهذا، وقوله في حديث آخر: «يؤذينا بريح الثوم»، يقتضي ظاهره التعليل بتأذِّي بني آدم، ولا تنافي بينهما، والظاهر: أن كل واحد منهما علة مستقلة. إحكام الأحكام (1/ 304).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«فإنَّ الملائكة تتأذى...» ومن ذلك أخذ أئمتنا: أنَّه يُكره دخول المسجد بلا ضرورة لمن تغيَّر فمه بأكل مُنْتِنٍ، وبقي ريحه، فإنْ دخله أُخرج منه، ويُكره أيضًا إدخال (الشيء) الكريه الريح بلا حاجة، كخوف سرقة. فتح الإله (3/207-208).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ليس المراد بالملائكة: الحفظة؛ لأنه لو كان مرادًا لامتنع أكل ذلك مطلقًا، وهو خلاف مذهب الجمهور كما سلف، نعم في الحديث تنبيه على كراهة أكلها مطلقًا أو في مواضع حضور الملائكة. الإعلام (3/ 419).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وقد توسع القائسون في هذا حتى ذهب بعضهم إلى أن من به بَخَر (وهو رائحة تخرج من الفم منتنة) أو جُرح منه ريح يجرى هذا المجرى، كما أنهم توسعوا وأجروا حكم المجامع التي ليست بمساجد -كمُصلى العيد، ومجمع الولائم- مجرى المساجد؛ لمشاركتها في تأذي الناس بها وقوله عليه السلام: «فإن الملائكة تتأذى» إشارة إلى التعليل بهذا وقوله في حديث آخر: «يُؤذينا بريح الثوم» يقتضي ظاهره: التعليل بتأذي بني آدم ولا تنافي بينهما والظاهر: أنَّ كُلَّ واحد منهما عِلة مُستقلة. إحكام الأحكام (1/ 303).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
هذا الذي قاله ابن دقيق العيد -رحمه الله- هو الحق، فلا ينبغي إلحاق هذه الأشياء بالمنصوص؛ لأنها كانت موجودة في ذلك الوقت، ومع ذلك لم يرد النص بنهي أصحابها عن دخول المسجد مع وجود الحاجة إلى بيان حكمها، فتبصر، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (12/ 447).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلف العلماء في معنى هذا الحديث والأخذ به، فذهب عامة العلماء وجمهور الفتوى والسلف إلى إباحة أكل هذه الخضر؛ الثوم والبصل والكراث وشِبهها، وأن النهي عن حضور المساجد لمن أكلها ليس بتحريم لها، وبدليل إباحة النبي -صلى الله عليه وسلم- إياها لمن حضره من أصحابه، وتخصيصه نفسه بالعلة التي ذكرها من قوله: «فإني أناجي من لا تناجي»، وبقوله: «ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكني أكرهها»، وكذلك حكم أكل الفِجْلِ لمن يتجشَّى به أو غير ذلك مما تُستقبح رائحته ويُتأذى به.
وقد ذكر أبو عبد الله ابن المرابط في شرحه (للبخاري): أن حكم من به داء البَخَر في فِيْهِ، أو به جُرح به رائحة هذا الحكم. إكمال المعلم (2/ 497).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
والثوم والبصل والكُرَّاث حلال، إلا أنَّ من أكل منها شيئًا فحرام عليه أن يدخل المسجد حتى تذهب الرائحة...، وله الجلوس في الأسواق والجماعات والأعراس وحيث شاء إلا المساجد؛ لأن النص لم يأتِ إلا فيها. المحلى بالآثار (6/ 119-120).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وروى ابنُ وَهْبٍ عن مالكٍ أنه قال: مَن أكلَ الثُّومَ يومَ الجُمُعةِ لا أرى له أن يَشهدَ الجُمُعةَ في المسجدِ ولا رِحابِه، وبِئسَ ما صَنَعَ مَن أكلَ الثُّومَ وهو ممَّن تَجِبُ عليه الجُمُعةُ.
وفيه: دليلٌ أنَّ كلَّ ما يُتأذَّى به كالمَجْذومِ وشِبْهِه يُبعَدُ عن المسجدِ وحِلَقِ الذِّكرِ، وقد قال سَحنون: لا أرى الجُمُعةَ تَجِبُ على المَجْذومِ، واحتجَّ بقوله -عليهِ السَّلام-: «مَن أكلَ من هذه الشَّجرةِ فلا يَقرَبَنَّ مَسجِدَنا»، وأفتى أبو عُمرَ أحمدُ بنُ عبدِ المَلِكِ بنُ هاشمٍ (الإشبيليُّ المعروفُ بابنِ المكَوِّي، فقيهٌ مالكيٌّ من أهلِ الأندلس) في رجلٍ شَكا جِيرانُه أنَّه يُؤذِيهم في المسجدِ بِلِسانِه، قال: يُخرَجُ عن المسجدِ، ويُبعَدُ عنه، ونَزَعَ بهذا الحديثِ، وقال: أذاهُ أكثرُ من أذى الثُّومِ.
وهذا الحديثُ أصلٌ في نَفيِ كلِّ ما يُتأذَّى به. شرح صحيح البخاري(2/ 465-467).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قد توهَّم بعض الناس أن أكل الثوم عُذْرٌ في التخلف عن الجماعة، فوضع هذا الحديث في جملة الأعذار المبيحة ترك حضور الجماعات، وإنما هذا توبيخ له وعقوبة على فعله؛ ليُحْرَم بذلك فضيلة الجماعة. أعلام الحديث(1/ 556).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا الخطابي:
الصواب: أنه عُذْرٌ في التخلف عنها؛ لظاهر النص؛ لأن مَن فعلَ ما أبيح له لا يعاقب على فعله، فتبصَّر، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (12/ 446).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال العلماء: وفيه تنبيه على قباحة الإيذاء، وشناعته وفظاعته، حيث نُهِي عن المسجد، وحيازة الفضيلة الجمَّة؛ لإيذاء قليل، بريح الثوم، فالويل كل الويل لمن يؤذي مؤمنًا أو مسلمًا بما فوق ذلك.
وفيه: دلالة على أنَّ الملائكة تتأذى بريح الثوم، فيُكره الأكل في الخلوة أيضًا؛ لئلا تتأذى الحفظة، إلا أنَّه لا تبلغ الكراهة مبلغ الأول؛ لزيادة الإيذاء.
وفيه: دلالة على أنَّ المساجد لا تخلو من الملائكة المتعبدين. الأزهار مخطوط لوح (132).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على منع آكل الثوم ونحوه من دخول المسجد وإن كان خاليًا؛ لأنه محل الملائكة، ولعموم الأحاديث. شرح مسلم (5/ 49).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وألحق أصحاب مالك به (يعني: بمن أكل الثوم) كل من له رائحة كريهة يُتأذى بها، كالحرَّاث والحوَّات. وفيه نظر؛ فإن هذا أثر عملٍ مباح، وصاحبه محتاج إليه، فينبغي أن يؤمر إذا شهد الصلاة في جماعته بالغسل وإزالة ما يُتأذى برائحته منه، كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من كان يشهد الجمعة من الأنصار الذين كانوا يعملون في نخلهم ويلبسون الصوف ويفوح ريحهم بالغسل، وأمرهم بشهود الجمعة في ثوبين غير ثوبي المهنة. فتح الباري (8/ 17).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
هذا الحديث صريح في التخلف عن الجماعة في المساجد بسبب أكل هذه الأمور، واللازم عن ذلك أحد أمرين: إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحًا، وصلاة الجماعة غير واجبة على الأعيان، أو تكون الجماعة واجبة على الأعيان، ويمتنع أكل هذه الأشياء إذا آذت، إنْ حَمَلْنَا النهي عن القربان على التحريم، وجمهور الأمَّة: على إباحة أكلها؛ لقوله -عليه السلام-: «ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكني أكرهه»؛ ولأنه علَّل بشيء يختص به، وهو قوله -عليه السلام-: «فإني أناجي من لا تناجي» ويلزم من هذا: أن لا تكون الجماعة في المسجد واجبة على الأعيان، وتقريره: أن يقال: أكل هذه الأمور جائز بما ذكرناه، ومن لوازمه: ترك صلاة الجماعة في حق آكلها؛ للحديث، ولازم الجائز جائز، فترك الجماعة في حق آكلها جائز؛ وذلك ينافي الوجوب عليه. إحكام الأحكام (1/ 302).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله- مُتعقِّبًا ابن دقيق العيد:
ليس هذا التقرير بجيد، والصواب أنَّ أكل هذه الخضروات ذوات الرائحة الكريهة لا ينافي كون الجماعة فرض عين، كما أنَّ حضور الطعام يسوغ ترك الجماعة لمن قُدِّم بين يديه مع كون ذلك مباحًا، وخلاصة الكلام: أنَّ الله -عز وجل- يسَّر على عباده، وجعل مثل هذه المباحات عذرًا في ترك الجماعة لمصلحة شرعية، فإذا أراد أحد أنْ يتخذها حيلة لترك الجماعة حرم عليه ذلك. تعليقاته على فتح الباري (3/103).
وقال اللكنوي -رحمه الله-:
وبه استُدل على كراهة كل ما له رائحة كريهة كالبصل والفِجَل والكُرَّاث، ونحو ذلك، ومثله شُرب الدخان المتداول في هذه الأزمان. التعليق الممجد على موطأ محمد (3/ 442).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قال مالك في البصل والكراث هنا مثل الثوم، وقال: إن كان الفجل يؤذي ويظهر فلا يدخل من أكله المسجد. المنتقى شرح الموطأ (1/ 33).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله:
وأعظم من ذلك: الحدث في المسجد، مثلًا: جالسٌ في المسجد عرض له ريح هل يرسل هذه الريح أو لا يرسلها؟
إذا وجد مَن يتأذى في المسجد لا يجوز بحال، مثل الثوم بل أشد، لكن إذا وجدت الحاجة ولا يوجد من يتأذى؟ في حديث أبي هريرة: «فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» قال ابن العربي في العارضة: وفيه جواز إرسال الريح في المسجد للحاجة.
يعني: قد يقول قائل: إنَّ ما جاء في حديث أبي هريرة مغلوب، يعني ليس بطوعه واختياره، والمغلوب لا حكم له، فإذا كان مختارًا لا يجوز له ذلك، لكن مع ذلك ابن العربي يقول: يجوز إرسال الريح في المسجد للحاجة، أما إذا وُجد من يَتأذى فإنه لا يجوز؛ لأنه أشد من الثوم والبصل. شرح المحرر (33/ 18).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
والصحيح: أنَّ الثوم لم يكن محرَّمًا على النبي، بل كان مكروهًا، ولكن في حقه أشد كراهة في حقنا. الأزهار مخطوط لوح (132).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
في الحديث: دلالة على احترام الملائكة بمنع أذاهم من الروائح الكريهة ونحوها مما يؤذي...
(و) فيه: احترام الناس أيضًا بمنع أذاهم بالروائح الكريهة ونحوها مما يؤذي. الإعلام (3/ 409-410).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

حكم من يتعمد أكل البصل أو الكراث أو الثوم تحايلًا على ترك صلاة الجماعة.

فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم أكل البصل والثوم قبل الصلاة.

- فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- في إلحاق الدخان بالثوم والبصل.


إبلاغ عن خطأ