السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«يكون قوم يَخْضِبُون في آخر الزمان بالسوَّاد، كحَوَاصِل الحَمَام، لا يَرِيْحُون رائحة الجَنَّة».


رواه أحمد برقم: (2470)، وأبو داود برقم: (4212) واللفظ لهما، والنسائي برقم: (5075)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (8153)، وصحيح الترغيب والترهيب برقم: (2097)، صحيح سنن النسائي برقم: (4699).


غريب الحديث


«يَخْضِبُون»:
خَضَبَ الشيء يخضبه، خضبًا، وخضَّبَهُ: غيَّر لونه بحمرة، أو صفرة، أو غيرهما. المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده (5/ 45).

«كحَوَاصِل»:
الحَوْصَل والحَوْصَلَة، والحَوْصَلَّة، والحَوْصَلَاء، ممدود، من الطائر والظَّلِيْم (نوع من أنواع الطيور): بمنزلة المعدة من الإنسان، وهي المَصَارِيْن (أي: الأمعاء) لذي الظلف (أي: البقر ونحوه)، والخف (أي: الجمل ونحوه). لسان العرب، لابن منظور (11/ 154).
قال الفتني -رحمه الله-:
كحواصله: جمع حوصلة، وهي معدته، والمراد: صدره، وأراد جنس السواد لا نوعه المعين، وبعض الحمام لا جميعه؛ لأن بعضه ليس بأسود. مجمع بحار الأنوار (1/ 606).


شرح الحديث


قوله: «يكون قوم يَخْضِبُون»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«يخضبون» أي: الشعر الأبيض. شرح المصابيح (5/ 66).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: يغيرون الشعر الأبيض من الشيب الواقع في الرأس واللحية. مرقاة المفاتيح (7/ 2828).

قوله: «في آخر الزمان بالسوَّاد»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«في آخر الزمان» ظرف لـ«يخضبون». ذخيرة العقبى (38/ 65).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«بالسواد» لفظ النسائي: «بهذا السواد» يعني: يخضبون الشعر الأبيض باللون الأسود. شرح سنن أبي داود (16/ 581).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قيل: معناه: يخضبون الشيب بالسواد، وأراد جنس السواد لا نوعه المعين. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2933).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أراد جنسه (أي: جنس السواد) لا نوعه المعين، فمعناه: باللون الأسود، وكأنه كان متعارفًا في زمانه الشريف؛ ولهذا عبَّر عنه «بهذا السواد» (كما في لفظ)، أو أراد به السواد الصِّرف؛ ليخرج الأحمر الذي يضرب إلى السواد، كالكتم والحناء، ويؤيده تقييده لقوله: «كحواصل الحمام». مرقاة المفاتيح (7/ 2828).

قوله: «كحَوَاصِل الحَمَام»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أصل الحوصلة: المعدة، والمراد هنا: صدره الأسود. مرقاة المفاتيح (7/ 2828).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الحواصل: الصدور، وإن كانت الحوصلة المعدة، ومعناه: كحواصل ‌الحمام ‌في ‌الغالب؛ لأن حواصل بعض الحمامات ليست بسود. الكاشف (9/ 2933).
وقال السندي -رحمه الله-:
قيل: يريد بالتشبيه أن المراد: السواد الصرف غير المشوب بلون آخر. فتح الودود (4/ 182).

قوله: «لا يَرِيْحُون رائحة الجنة»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«لا يَرِيْحُون» بفتح الياء التحتانية، أي: لا يجدون، ولا يشمون «رائحة الجنة». بذل المجهود (12/ 238).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«لا يَرِيْحُون» أي: لا يشمون، ولا يجدون «رائحة الجنة». عون المعبود (11/ 178).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لا يَرِيْحُون رائحة الجنة» من راح إذا أدرك الرائحة، وهي العَرْف، أي: لا يجدونه، وقد ثبت أنه يدرك من مسير خمسمائة عام، وهو كناية عن عدم دخولها، نفي اللازم لانتفاء ملزومه. التنوير (5/ 223).
وقال السندي -رحمه الله-:
قيل: المراد أنهم وإن دخلوا الجنة لا يجدون ريحها ولا يتلذذون بها.
وقيل: هو تغليط وتشديد، أو المراد: أنهم لا يجدون ريحها مع السابقين. فتح الودود (4/ 182-183).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وقيل: يأتي من الجنة ريح طيبة في العرصات يتلذذون بها، ويهنئون بها عليهم تعب الوقوف بالعرصات، ويحرمون هؤلاء منها -واللَّه أعلم-. لمعات التنقيح (7/ 428).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
المراد به: التهديد، أو محمول على المستحل، أو مُقَيَّد بما قبل دخول الجنة من القبر، أو الموقف، أو النار. مرقاة المفاتيح (7/ 2828).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب وفي جنسه، فرأى بعضهم أن ترك الخضاب أفضل، وبقاء الشيب أولى من تغييره، ورووا حديثًا في نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تغيير الشيب، وأنه لم يغير هو شيبه ولا اختضب، وممن ذكر ذلك عنه: علي، وعمر، وأُبي في آخرين، قال: فرأى آخرون: الخضاب أفضل، وخضب جماعة من الخلفاء والصحابة والتابعين فمن بعدهم، واحتجوا بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخضاب بالأحاديث التي ذكر مسلم وغيره في ذلك.
ثم اختلفوا: فكان أكثرهم يخضب بالصفرة؛ منهم علي، وابن عمر، وأبو هريرة، في آخرين، وكان منهم من يخضب بالحناء وبالكتم، ومنهم من يصبغ بالزعفران، وكان منهم من يخضب بالسواد، وذُكِرَ ذلك عن عمر، وعثمان، والحسن، والحسين، وعقبة بن عامر، ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله بن عباس، وعروة، وابن سيرين، وأبي بردة في آخرين، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: هو أسكن للزوجة، وأهيب للعدو، وكان بعضهم لا يخضب، وبه أخذ مالك، وذكره عن علي بن أبي طالب، قال: وتغيير السواد أحب إليَّ. إكمال المعلم (6/ 624-625).
وقال ابن القيم -رحمه الله- متعقبًا:
في ثبوته (أي: الخضاب بالسواد) عنهم نظر، ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسنته أحق بالاتباع، ولو خالفها من خالفها. عون المعبود (11/ 173).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وأما الخضاب بالسواد (ثم ساق بسنده إلى) جابر قال: «جيء بأبي قحافة يوم الفتح إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكأن رأسه ثُغَامَة (نوع من النبات أبيض)، فقال: اذهبوا به إلى بعض نسائه، فليغيرنه، وجنبوه السواد».
وقال عطاء: ما رأيت أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخضب بالسواد، ما كانوا يخضبون إلا بالحناء والكتم، وهذه الصفرة.
(ثم ساق بإسناده إلى) أيوب قال: سمعت سعيد بن جبير، وسئل عن الخضاب بالوشمة (نوع من أنواع النبات)، فقال: يكسو الله -عزَّ وجلَّ- في وجهه نورًا، ثم يطفئه بالسواد، وممن كره الخضاب بالسواد مجاهد وعطاء، وطاوس ومكحول، والشعبي، وروي ذلك عن أبي هريرة. الاستذكار (8/ 441).
وقال المازري -رحمه الله-:
لم يحرم مالك -رضي الله عنه- التغيير بالسواد، ولا أوجب الصباغ، ولعله يحمل النهي عن التغيير بالسواد على الاستحباب، والأمر بالتغيير على حالة هجن المشيب صاحبها، قال عبد الوهاب: يكره السواد؛ لأن فيه تدليسًا على النساء، فيوهم الشباب، فتدخل المرأة عليه. المعلم بفوائد مسلم (3/ 135).
وقال النووي -رحمه الله-:
ويحرم خضابه بالسواد على الأصح، وقيل: يكره كراهة تنزيه، والمختار التحريم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم: «واجتنبوا السواد» هذا مذهبنا (الشافعية). شرح صحيح مسلم (14/ 80).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب؛ لما تقدم، وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد، قال: إي والله.
وهذه المسألة من المسائل التي حلف عليها، وقد جمعها أبو الحسن، ولأنه يتضمن التلبيس بخلاف الصفرة، ورخص فيه آخرون، منهم: أصحاب أبي حنيفة. عون المعبود (11/ 172).
وقال ابن حجر -رحمه الله- ناقلًا كلام ابن أبي عاصم ومتعقبًا عليه:
واختاره (أي: القول بالجواز) ابن أبي عاصم في كتاب "الخضاب" له، وأجاب عن حديث ابن عباس رفعه: «يكون قوم يخضبون بالسواد، لا يجدون ريح الجنة» بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد، بل فيه الإخبار عن قوم هذه صفتهم، وعن حديث جابر: «جنبوه السواد» بأنه في حق من صار شيب رأسه مُسْتَبْشَعًا، ولا يطرد ذلك في حق كل أحد، انتهى.
وما قاله خلاف ما يتبادر من سياق الحديثين، نعم يشهد له ما أخرجه هو عن ابن شهاب قال: كنا نخضب بالسواد إذ كان الوجه جديدًا، فلما نغض (النغض: تحريك الرأس والارتجاف في المشية) الوجه والأسنان تركناه.
وقد أخرج الطبراني وابن أبي عاصم من حديث أبي الدرداء رفعه: «من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة» وسنده ليِّن. فتح الباري (10/ 354-355).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا ابن حجر:
هذا عجيب من الحافظ، كيف يستشهد بفعل ابن شهاب وأصحابه من الصبغ بالسواد على معارضة ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قوله: «جنبوه السواد»، هذا شيء عجيب. ذخيرة العقبى (38/ 68).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الصواب: أن الأحاديث في هذا الباب لا اختلاف بينها بوجه، فإن الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- من تغيير الشيب أمران: أحدهما: نَتْفُه. والثاني: خضابه بالسواد -كما تقدم-، والذي أذن فيه هو صبغه، وتغييره بغير السواد، كالحناء والصفرة، وهو الذي عمله الصحابة -رضي الله عنهم-.
قال الحكم بن عمرو الغفاري: دخلت أنا وأخي رافع على عمر بن الخطاب، وأنا مخضوب بالحناء، وأخي مخضوب بالصفرة، فقال عمر: هذا خضاب الإسلام، وقال لأخي: هذا خضاب الإيمان. حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (11/ 257-258).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
الذي أميل إليه بعد هذه الجولة: أن صبغة الشعر للرأس واللحية تخضع للعرف والعادة، وطلب مخالفة اليهود والنصارى دليل على أن الباعث على الأمر بها كان للعادة، وتكوين شخصية إسلامية، في وقت خاص، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه في وقت، ثم صار يحب مخالفتهم، حتى في الصورة في وقت آخر؛ ولهذا رأينا بعض الصحابة يستحبها، وبعضهم يكرهها، ولا يعيب هذا على ذاك. فتح المنعم (8/ 371).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
من أجاز الخضاب بالسواد استدل بأحاديث:
منها: حديث أبي هريرة المذكور، فإن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «غيروا الشيب» بإطلاقه يشمل التغيير بالسواد أيضًا، ووقع في رواية البخاري وغيره: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» قال الحافظ ابن أبي عاصم: قوله: «فخالفوهم» إباحة منه أن يغيروا الشيب بكل ما شاء المغير له، إذ لم يتضمن قوله: «خالفوهم» أن اصبغوا بكذا وكذا دون كذا وكذا، انتهى.
ومنها: حديث جابر، قال: «أتي بأبي قُحَافة، أو جاء عام الفتح، أو يوم الفتح، وبرأسه ولحيته مثل الثُّغَام أو الثُّغَامة (وهي: شجرة بيضاء) فأمر أو فأمر به إلى نسائه، قال: غيروا هذا بشيء»، فإن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «غيروا هذا بشيء» بإطلاقه يشمل التغيير بالسواد أيضًا.
وأجاب المانعون عن هذين الحديثين: بأن المراد بالتغيير فيهما بغير السواد، فإن حديث جابر هذا رواه مسلم من طرق ابن جريج عن أبي الزبير عنه، وزاد: «واجتنبوا السواد» في هذه الزيادة دلالة واضحة على أن المراد بالتغيير في الحديثين المذكورين: التغيير بغير السواد.
وأجاب المجوِّزون عن هذه الزيادة: بأن في كونها من كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نظرًا، ويؤيده: أن ابن جريج راوي الحديث عن أبي الزبير كان يخضب بالسواد، كما ستقف عليه.
ومنها حديث أبي ذر المذكور: فإنه يدل على استحباب الخضاب بالحناء مخلوطًا بالكَتَم، وهو يسود الشعر.
وأجيب عنه: بأن الخلط يختلف، فإن غلب الكَتَم أسودَّ، وكذا إن استويا، وإن غلب الحناء أحمرَّ، والمراد بالخلط في الحديث: إذا كان الحناء غالبًا على الكَتَم جمعًا بين الأحاديث.
وفيه: أن الحديث مطلق ليس مقيدًا بصورة دون صورة، ووجه الجمع ليس بمنحصر فيما ذكر.
ومنها: حديث صهيب رواه ابن ماجه، قال: حدثنا أبو هريرة الصيرفي محمد بن فراس، حدثنا عمر بن الخطاب بن زكريا الراسبي، حدثنا دفاع بن دَغْفَل السدوسي، عن عبد الحميد بن صَيْفِي، عن أبيه، عن جده صهيب الخير قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السواد، أرغب لنسائكم فيكم، وأهيب لكم في صدور عدوكم».
ويؤيد هذا الحديث: ما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أنه كان يأمر بالخضاب بالسواد، ويقول: هو تسكين للزوجة، وأهيب للعدو، وذكره العيني في العمدة.
وأجاب المانعون عن هذا الحديث بوجهين:
أحدهما: أن دفاع بن دَغْفَل وعبد الحميد بن صَيْفِي ضعيفان كما في التقريب.
وثانيهما: أن عبد الحميد بن صيفي، وهو عبد الحميد بن زياد بن صيفي، عن أبيه عن جده لا يعرف سماع بعضهم من بعض، قاله البخاري كما في الميزان.
وأجيب عن الوجه الأول: بأن دفاع بن دغفل ضعَّفه أبو حاتم، ووثَّقه ابن حبان، قاله الذهبي في الميزان.
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، فتضعيف أبي حاتم وقوله: ضعيف الحديث غير قادح؛ لأنه لم يبين السبب.
قال الزيلعي في نصب الراية في الكلام على معاوية بن صالح: وقول أبي حاتم لا يحتج به غير قادح، فإنه لم يذكر السبب، وقد تكررت هذه اللفظة منه في رجال كثيرين من أصحاب الصحيح الثقات الأثبات، من غير بيان السبب، كخالد الحذَّاء، وغيره. انتهى.
فتوثيق ابن حبان هو المعتمد، وعبد الحميد بن صيفي لم يثبت فيه جرح مفسر، وقال أبو حاتم: هو شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات.
وأجيب عن الوجه الثاني: بأن قول الإمام البخاري لا يعرف سماع بعضهم من بعض مبني على ما اشترطه في قبول الحديث المعنعن من لقاء بعض رواته من بعض، ولو مرة.
وأما الجمهور فلم يشترطوا ذلك، والمسألة مذكورة مبسوطة في مقامها.
ومنها: حديث عائشة مرفوعًا: «إذا خطب أحدكم المرأة وهو يخضب بالسواد فليعلمها أنه يخضب» رواه الديلمي في مسند الفردوس.
وأجيب عنه: بأنه ضعيف؛ لضعف عيسى بن ميمون، قاله المناوي.
واستدل المجوزون أيضًا: بأن جمعًا من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- من الخلفاء الراشدين في غيرهم قد اختضبوا بالسواد، ولم ينقل الإنكار عليهم من أحد، فمنهم أبو بكر -رضي الله عنه- روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك، قال: «قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة، فكان أسن أصحابه أبو بكر، فغلفها بالحناء والكتم حتى قنأ لونها» وفي القاموس: قنأ لحيته: سوَّدها كفنأها، انتهى.
وفي المنجد: قَنَأَ قُنُوء الشيء: اشتدت حُمرة اللحية من الخضاب، اسودت...
وأجيب عنه: بأن المراد بقوله: «حتى قنأ لونها» اشتد حمرتها، ففي النهاية في باب القاف مع النون مررت بأبي بكر فإذا لحيته قانئة، وفي حديث آخر: «وقد قَنَأَ لونها» أي: شديدة الحمرة. انتهى.
وقال الحافظ في الفتح: قوله: «حتى قَنَأَ» بفتح القاف والنون والهمزة، أي: اشتدت حمرتها. انتهى.
وقال العيني: أي: حتى اشتد حمرتها حتى ضربت إلى السواد. انتهى.
وروي عن قيس بن أبي حازم، قال: كان أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- يخرج إلينا، وكأن لحيته ضرام العرفج من الحناء والكتم، ذكره العيني في العمدة.
قال الجوزي في النهاية بعد ذكر هذا الأثر: الضرم لهب النار، شبهت به لأنه كان يخضبها بالحناء.
وقال في مادة العرفج: شجر معروف صغير سريع الاشتعال بالنار، وهو من نبات الصيف.
ومنهم عثمان -رضي الله عنه-، قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: قد صح عن الحسن والحسين -رضي الله عنهما- أنهما كانا يخضبان بالسواد ذكر ذلك ابن جرير عنهما في كتاب تهذيب الآثار، وذكره عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله، وعمرو بن العاص -رضي الله عنهم أجمعين-، وحكاه عن جماعة من التابعين منهم عمرو بن عثمان، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري وأيوب، وإسماعيل بن معد يكرب -رضي الله عنهم أجمعين-.
وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دِثَار، ويزيد، وابن جريج، وأبي يوسف، وأبي إسحاق، وابن أبي ليلى، وزياد بن عِلَاقة، وغيلان بن جامع، ونافع بن جبير، وعمرو بن علي المقدمي، والقاسم بن سلام -رضي الله عنهم أجمعين-، انتهى.
قلتُ: وكان ممن يخضب بالسواد ويقول به: محمد بن إسحاق صاحب المغازي، والحجاج بن أرطاة، والحافظ ابن أبي عاصم، وابن الجوزي، ولهما رسالتان مفردتان في جواز الخضاب بالسواد، وابن سيرين، وأبو بردة، وعروة بن الزبير، وشرحبيل بن السِّمْط، وعَنْبَسة بن سعيد، وقال: إنما شعرك بمنزلة ثوبك فاصبغه بأي لون شئت، وأحبه إلينا أحلكه.
وأجيب عن ذلك: بأن خضب هؤلاء الصحابة -رضي الله عنهم- وغيرهم بالسواد ينفيه الأحاديث المرفوعة، فلا يصلح للاحتجاج، وأما عدم نقل الإنكار فلا يستلزم عدم وقوعه.
وفيه: أن الأحاديث المرفوعة في هذا الباب مختلفة فبعضها ينفيه، وبعضها لا، بل يثبته ويؤيده؛ فتفكر.
واستدل المانعون عن الخضاب بالسواد بأحاديث:
منها: حديث جابر الذي رواه مسلم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عنه قال: «أتي بأبي قُحَافة يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثُّغَامة بياضًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد» فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «واجتنبوا السواد» دليل واضح على النهي عن الخضاب بالسواد.
وأجيب عنه: بأن قوله: «واجتنبوا السواد» مدرج في هذا الحديث، وليس من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، والدليل على ذلك: أن مسلمًا روى هذا الحديث عن أبي خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر إلى قوله: «غيروا هذا بشيء» فحسب، ولم يزد فيه قوله: «واجتنبوا السواد» وقد سأل زهير أبا الزبير هل قال جابر في حديثه: "جنبوه السواد؟"، فأنكر، وقال: لا.
ففي مسند أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا حسن وأحمد بن عبد الملك، قالا: حدثنا زهير، عن أبي الزبير، عن جابر، قال أحمد في حديثه: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: «أتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأبي قحافة، أو جاء عام الفتح، ورأسه ولحيته مثل الثُّغام أو مثل الثُّغامة، قال حسن: «فأمر به إلى نسائه، قال: غيروا هذا الشيب، قال حسن: قال زهير: قلت لأبي الزبير قال: «جنبوه السواد»، قال: لا، انتهى.
وزهير هذا هو زهير بن معاوية، المكنى: بأبي خيثمة، أحد الثقات الأثبات، وحسن هذا هو: حسن بن موسى، أحد الثقات.
ورد هذا الجواب: بأن حديث جابر هذا رواه ابن جريح، والليث بن سعد، وهما ثقتان ثبتان عن أبي الزبير عنه مع زيادة قوله: «واجتنبوا السواد» كما عند مسلم وأحمد وغيرهما، وزيادة الثقات الحفاظ مقبولة، والأصل عدم الإدراج.
وأما قول أبي الزبير: لا، في جواب سؤال زهير فمبني عليه أنه قد نسي هذه الزيادة، وكم من محدِّث قال قد نسي حديثه بعدما حدَّث به، وخضب بن جريج بالسواد لا يستلزم كون هذه الزيادة مدرجة، كما لا يخفى.
ومنها: حديث ابن عباس رواه أبو داود وغيره عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد، كحَوَاصِل الحَمَام، لا يَرِيْحُون رائحة الجنة»، فهذا الحديث صريح في حرمة الخضاب بالسواد.
وأجاب المجوزون عن هذا الحديث بوجوه ثلاثة:
الأول: أن في سنده عبد الكريم بن أبي المخارق أبا أمية، كما صرح به ابن الجوزي، وهو ضعيف لا يحتج بحديثه.
وقد رُد هذا الجواب: بأن عبد الكريم هذا ليس هو ابن أبي المخارق أبا أمية، بل هو عبد الكريم بن مالك الجزري، أبو سعيد، وهو من الثقات.
قال الحافظ ابن حجر في القول المسدد: أخطأ ابن الجوزي، فإنما فيه عبد الكريم الجزري الثقة المخرج له في الصحيح. انتهى.
وقال الحافظ المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: ذهب بعضهم إلى أن عبد الكريم هذا هو ابن أبي المخارق، وضعف الحديث بسببه، والصواب: أنه عبد الكريم بن مالك الجزري، وهو ثقة احتج به الشيخان وغيرهما، انتهى.
والثاني: أن الوعيد الشديد المذكور في هذا الحديث ليس على الخضب بالسواد، بل على معصية أخرى لم تذكر، كما قال الحافظ ابن أبي عاصم، ويدل على ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد» وقد عرفت وجود طائفة قد خضبوا بالسواد في أول الزمان، وبعده من الصحابة والتابعين وغيرهم -رضي الله عنهم-، فظهر أن الوعيد المذكور ليس على الخضب بالسواد، إذ لو كان الوعيد على الخضب بالسواد لم يكن لذكر قوله: «في آخر الزمان» فائدة، فالاستدلال بهذا الحديث على كراهة الخضب بالسواد ليس بصحيح.
والثالث: أن المراد بالخضب بالسواد في هذا الحديث: الخضب به لغرض التلبيس والخداع لا مطلقًا؛ جمعًا بين الأحاديث المختلفة، وهو حرام بالاتفاق.
ومنها: حديث أنس، رواه أحمد في مسنده عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «غيروا الشيب ولا تقربوه السواد».
وأجيب عنه: بأن في سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف.
قال الحافظ في التلخيص: قال البيهقي: أجمع أصحاب الحديث على ضعف ابن لهيعة، وترك الاحتجاج بما ينفرد به. انتهى، ثم هو مدلس، ورواه عن خالد بن أبي عمران بالعنعنة.
ومنها: حديث أبي الدرداء مرفوعًا: «من خضب بالسواد سوَّد الله وجهه يوم القيامة» أخرجه الطبراني، وابن أبي عاصم.
ومنها: حديث ابن عمر مرفوعًا: «الصفرة خضاب المؤمن، والحمرة خضاب المسلم، والسواد خضاب الكافر» أخرجه الطبراني، والحاكم.
ومنها: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رفعه: «من غير البياض بالسواد لم ينظر الله إليه» ذكره الحافظ في لسان الميزان.
وأجيب عن هذه الأحاديث الثلاثة: بأنها ضعيفة لا يصلح واحد منها للاحتجاج.
أما الأول فقد ضعفه الحافظ في الفتح كما عرفت، وأما الثاني فقال المناوي في التيسير: إنه منكر، وأما الثالث ففي سنده محمد بن مسلم العنبري، وهو ضعيف كما في الميزان واللسان.
هذا وقد ذكرنا دلائل المجوزين والمانعين مع بيان ما لها وما عليها، فعليك أن تتأمل فيها. تحفة الأحوذي (5/ 356-361).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فإن قيل: فقد ثبت في صحيح مسلم النهي عن الخضاب بالسواد في شأن أبي قُحَافة لما أتي به ورأسه ولحيته كالثُّغامة بياضًا، فقال: «غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد»، والكتم يُسَوِّدُ الشعر.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن النهي عن التسويد البحت، فأما إذا أضيف إلى الحناء شيء آخر، كالكتم ونحوه فلا بأس به، فإن الكتم والحناء يجعل الشعر بين الأحمر والأسود بخلاف الوسمة، فإنها تجعله أسود فاحمًا، وهذا أصح الجوابين.
الجواب الثاني: أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس، كخضاب شعر الجارية، والمرأة الكبيرة تغر الزوج، والسيد بذلك، وخضاب الشيخ يغر المرأة بذلك، فإنه من الغش والخداع، فأما إذا لم يتضمن تدليسًا ولا خداعًا فقد صح عن الحسن والحسين -رضي الله عنهما- أنهما كانا يخضبان بالسواد. زاد المعاد (4/ 337).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: الجواب الأول هو أحسن الأجوبة، بل هو المتعين عندي.
وحاصله: أن أحاديث النهي عن الخضب بالسواد محمولة على التسويد البحت، والأحاديث التي تدل على إباحة الخضب بالسواد محمولة على التسويد المخلوط بالحمرة، هذا ما عندي -والله تعالى أعلم-. تحفة الأحوذي (5/ 361).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ورخص فيه (أي: الخضاب) آخرون للمرأة تتزين به لبَعْلِهَا (أي: زوجها) دون الرجل، وهذا قول إسحاق بن راهويه، وكأنه رأى أن النهي إنما في حق الرجال، وقد جوز للمرأة من خضاب اليدين والرجلين ما لم يجوز للرجل -والله أعلم-. عون المعبود (11/ 173).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واختاره (أي: جواز الخضاب للنساء) الحليمي، وأما خضب اليدين والرجلين فلا يجوز للرجال إلا في التداوي. فتح الباري (10/ 355).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ومن العلماء من رخص فيه في الجهاد. فتح المنعم (8/ 371).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
وحاصل الكلام في ذلك: أن الخضاب بالسواد يختلف حكمه باختلاف الأغراض على أقوال:
الأول: أن يكون الخضاب بالسواد من الغزاة؛ ليكون أهيب في عين العدو، وهذا جائز بالاتفاق.
والثاني: أن يفعله الرجل للغش والخداع، وليري نفسه شابًّا وليس بشاب؛ فهذا ممنوع بالاتفاق؛ لاتفاق العلماء على تحريم الغش والخداع.
والثالث: أن يفعله للزينة؛ فهذا فيه اختلاف بين العلماء، فأكثرهم على كراهته تحريمًا، وروي عن أبي يوسف أنه قال: كما يعجبني أن تتزين لي يعجبها أن أتزين لها، وحديث الباب حجة المانعين؛ لأن الأمر بالاجتناب ها هنا عام مطلق. الكوكب الوهاج (21/ 429).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: إثبات رائحة للجنة، وقد ثبت أنه يوجد من مسافة بعيدة، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: «من قتل معاهدًا، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا» والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى (38/ 66-67).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

مشروعية تغيير الشيب مع المنع من السواد.


إبلاغ عن خطأ