الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‌نهى ‌عن ‌الشِّغَار، والشِّغَار أن يزوِّج الرجلُ ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صِدَاق».


رواه البخاري برقم: (5112)، ومسلم برقم: (1415)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.


غريب الحديث


«‌الشِّغَار»:
الشِّغَار: بكسر الشين، وهو: مِن رَفْعِ الرِّجْل؛ لأنه من هيئاته، وقيل: مِن رَفْعِ الصِّداق فيه، وبعده منه. مطالع الأنوار، لابن قرقول(6/ 66).
وقال أبو عبيد -رحمه الله-:
أما الشِّغَار فالرجل يزوج أخته أو ابنته على أن يزوجه الآخر -أيضًا- ابنته أو أخته ليس بينهما مَهْرٌ غير هذا، وهي المشاغرة، وكان أهل الجاهلية يفعلونه، يقول الرَّجُل للرجل: شاغِرني، فيفعلان. غريب الحديث (3/ 128).

«صِدَاق»:
الصِّداق: مَهْرُ المرأة، وجمعها في أدنى العَدد أَصْدِقَة، والكثير صُدُق، وهذان البناءان إنما هما على الغالب. لسان العرب، لابن منظور(10/ 197).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
صداق المرأة: فيه لغات أكثرها فتح الصاد، والثانية كسرها، والجمع صُدُق بضمتين، والثالثة لغة الحجاز صَدُقَة، وتُجمع صَدُقَات على لفظها، وفي التنزيل: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ} النساء: 4، والرابعة لغة تميم: صُدْقَة، والجمع: صُدُقَات، مثل غُرفة، وغُرُفَات في وجوهها، وصَدْقَة لغة خامسة، وجمعها صُدَقٌ، مثل قرية وقُرى. المصباح المنير(1/ 335).


شرح الحديث


قوله: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‌نهى ‌عن ‌الشِّغَار»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
كلمة «نهى» مأخوذة من النهي، وتعريف النهي: طلب الكفِّ عن الفعل على وجه الاستعلاء، وليس المراد بالفعل هنا ما يقابل القول، بل المراد بالفعل هنا: الإيجاد ولو كان قولًا. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 479).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «نهى عن الشِّغَار» أي: عن نكاح الشِّغار، وهو مصرح به في رواية ابن وهب عن مالك، حكاه ابن عبد البر، وكان الشغار من أنكحة الجاهلية. طرح التثريب (7/ 22).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
هو في العربية مأخوذ من الـمُشَاغَرة، وهو رفع الكلب ساقه عند بوله، فصار عاقد النكاح على الشغار قاصدًا إلى رفع الصِّداق، فتصير الزوجة موهوبة بغير صداق. المسالك (5/ 498).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وقيل: بل سمي شاغرًا؛ لأنه رفعٌ للعقد من أصله، فارتفع النكاح والعقد معًا. الشافي (4/ 375).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
سُمي هذا النكاح شغارًا؛ لأنهما رَفعا المهر بينهما، وعلى الحقيقة إنما رفعا ما يجوز أن يكون مهرًا، وجَعَلا ما ليس بمهر مهرًا وهو البِضْع، فصار المعقود عليه معقودًا به، فكأنه زوَّجها واستثنى بِضْعها فجعله مهرًا لصاحبها، فكان باطلًا لذلك. الإفصاح (4/ 110).
وقال النووي -رحمه الله-:
كان الشغار من نكاح الجاهلية، وأجمع العلماء على أنه منهي عنه. شرح صحيح مسلم (9/ 201).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أجمع العلماء على أن نكاح الشغار مكروه ولا يجوز. الاستذكار (5/ 465).
وقال العراقي -رحمه الله- معلقًا:
وتبعهم والدي -رحمه الله- في شرح الترمذي، فحكى إجماع العلماء على تحريمه، وفيما ذكروه نظر؛ فإن أبا حنيفة ومن قال بقوله يقولون بجوازه، وقد عبَّر ابن عبد البر والبيهقي والخطابي في حكاية هذا المذهب بالجواز، وكذا عبَّر به صاحب الهداية من الحنفية، ويوافق هذا أن المقرر في الأصول أن النهي يشتمل التحريم والكراهة، والذي هو حقيقة في التحريم إنما هو صيغة افعل، ويمكن أن يقال: أراد هؤلاء بالجواز الصحة، وقد يقال: سلَّمنا أن النهي للتحريم لكن لا يلزم من ذلك البطلان، فإن الذي حكاه الإمام فخر الدين الرازي في المحصول عن أكثر الفقهاء أن النهي لا يقتضي الفساد، فهلَّا صح وبطل المسمى، كما قالوا في المهر الفاسد.
وجواب ذلك في قول الشافعي -رحمه الله-: إنَّ النساء محرَّمات إلا ما أحل الله من نكاح أو مِلْكِ يمين، فلا يحل المحرَّم من النساء بالمحرم من النكاح، والشغار محرم؛ لنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنه، وهكذا كل ما نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من نكاح لم يحل به المحرم. انتهى.
ويدل على البطلان قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا شِغار في الإسلام»، وهو في صحيح مسلم. طرح التثريب (7/ 26-27).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
اعلم أن نكاح الشغار نافذ عندنا (الحنفية)، وأما ورود النهي عنه فهو مسلَّم إلا أنه ليس كل نهي يقتضي البطلان، وإِنما القُبح فيه من جهة خُلو البُضْعَين عن العوض، وقد قلنا بوجوب مهر المثل فيه، فانعدم المعنى، فلو فعله أحد نفذ، ولزمه مهر المثل، وإليه ذهب بعض السلف، كما عند الترمذي.
ونظيره قوله -صلى الله عليه وسلم-: «اشترطي لهم الولاء»، فكذا يصح النكاح، ويلغو الشرط. فيض الباري (6/ 421).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
واختلفوا فيه إذا وقع هل يصح بمهر المثل أم لا؟
فقال مالك: لا يصح نكاح الشِّغار دخل بها أو لم يدخل، ويفسخ أبدًا.
قال: وكذلك لو قال: أُزَوِّجك ابنتي على أن تزوجني ابنتك بمائة دينار، فلا خير في ذلك.
قال ابن القاسم: لا يفسخ النكاح في هذا إن دخل، ويثبت بمهر المثل، ويفسخ في الأول دخل أو لم يدخل على ما قاله مالك.
وقال الشافعي: إذا لم يسمِّ لواحدة منهما مهرًا ويشرط أن يزوجه ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وهما يليان أمرهما على أنَّ صِدَاق كل واحدة منهما بِضْعُ الأخرى ولم يسمِّ واحد منهما صِداقًا فهذا الشغار، ولا يصح عقد هذا النكاح ويفسخ قبل البناء وبعده.
قال: ولو سمَّى لإحداهما صِداقًا أو لهما جميعًا فالنكاح ثابت بمهر المثل، والمهر فاسد، ولكل واحدة منهما مهر مثله إن كان دخل بها، أو نصف مهر مثله إن كان طلقها قبل الدخول.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: أزوِّجك ابنتي على أن تزوجني ابنتك وتكون لكل واحدة بالأخرى فهو الشغار، ويصح النكاح بمهر المثل، وهو قول الليث وأحمد، وإسحاق وأبي ثور، وبه قال الطبري. الاستذكار (5/ 465-466).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وموجِب هذا الخلاف: اختلافهم في: هل هذا النهي راجع لعَين العقد؛ فيكون فاسدًا أبدًا؛ لأن كل واحد من الزوجين معقود عليه، ومعقود به، وهما متناقضان؟ أو هو راجع إلى إخلاء العقد من الصِّداق، وهو أمر يتدارك بفرض صداق المثل، كنكاح التفويض؟ وأما وجه الفرق فهو: أن إيقاع العقد على غير الوجه المنهي عنه ممكن قبل الدخول فيفسخ، فيستأنفان عقدًا جائزًا، فأما إذا دخل فقد فات، فيرجع فيه إلى صِدَاق المثل. المفهم (4/ 110-111).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
أصل الخلاف في مسألة أصولية، وهي: أن النهي عن الأفعال الشرعية يوجب البطلان أو لا؟ فمَن ذهب إلى أنه يوجب البطلان اختار بطلان الشغار أيضًا، ومن لا فلا، ويقول الإمام أبو حنيفة: إنَّ ما كان فيه من معنى الفساد فقد أصلحناه، وكافيناه بإيجاب مهر المثل، فلا وجه للفساد أصلًا، ولا نجد من حال الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- أنهم تعاملوا مع المنهي عنه معاملة الباطل دائمًا. فيض الباري على صحيح البخاري (5/ 515).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
واختُلف إذا سمَّى في ذلك صِدَاقًا، فكرهه مالك، ورآه من باب الشغار، ووجهه لا من صريحه، وبكراهته ومنعه قال الشافعي وغيره، لكنهم فرقوا بينه وبين صريحه، فقالوا: إذا فات بالبناء مضى وكان لهما صداق المثل، وقال أحمد بن حنبل: إذا كان في الشغار صِدَاق فليس بشغار، وهو قول الكوفيين، قالوا: ولها ما سمَّى، وقاله ابن أبي حازم من أصحابنا. إكمال المعلم (4/ 560-561).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
قال الإمام أحمد: الشغار الباطل أن يزوِّجه ولِيَّتَه على أن يزوجه الآخر وليَّتَه ولا مهر بينهما على حديث ابن عمر، فإن سمَّوا مع ذلك مهرًا صح العقد بالمسمى عنده.
وقال الخرقي: لا يصح، ولو سموا مهرًا على حديث معاوية.
وقال أبو البركات ابن تيمية وغيره من أصحاب أحمد: إن سموا مهرًا، وقالوا: مع ذلك بُضْع كل واحدة مهر الأخرى لم يصح، وإن لم يقولوا ذلك صح. زاد المعاد (5/ 99).
وقال الباجي -رحمه الله-:
فإن سمى لإحداهما مهرًا ولم يسمِّ للأخرى مهرًا مثل أن يقول: أزوِّجك ابنتي بمائة على أن تزوجني ابنتك دون مهر، فسخ العقدان قبل البناء، ويفسخ بعد البناء عقد التي لم يُسَمَّ لها مهر، ويثبت عقد الأخرى، ووجه ذلك ما قدمناه من الفرق بين التي سُمِّي لها مهر والتي لم يسمَّ لها مهر، والله أعلم. المنتقى شرح الموطأ (3/ 310).

قوله: «والشِّغَار أن يزوِّج الرَّجل ابنته على أن يزوِّجه الآخر ابنته»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
قال الشافعي: ولا أدري تفسير الشِّغَار في الحديث من النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو من ابن عمر، أو نافع، أو مالك. الشافي (4/ 374).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
قال الأئمة: وهذا التفسير يجوز أن يكون مرفوعًا، ويجوز أن يكون من عند ابن عمر -رضي الله عنهما-. العزيز شرح الوجيز (7/ 503).
وقال الباجي -رحمه الله-:
ظاهره: أنه من جملة الحديث، وعليه يُحمل حتى يَرد ما يبيِّن أنه من قول الراوي. المنتقى شرح الموطأ (3/ 310).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلِّقًا:
قلتُ: قد تبين ذلك ولكن لا يلزم من كونه لم يرفعه ألا يكون في نفس الأمر مرفوعًا، فقد ثبت ذلك من غير روايته، فعند مسلم من رواية أبي أسامة، وابن نمير، عن عبيد الله بن عمر أيضًا، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مثله سواء، قال: وزاد ابن نمير: «والشِّغار أن يقول الرجل للرجل: زوِّجني ابنتك، وأزوجك ابنتي، وزوجني أختك، وأزوجك أختي»، وهذا يحتمل أن يكون من كلام عبيد الله بن عمر، فيرجع إلى نافع، ويحتمل: أن يكون تلقاه عن أبي الزناد، ويؤيد الاحتمال الثاني وروده في حديث أنس وجابر وغيرهما أيضًا، فأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت وأبان، عن أنس مرفوعًا: «لا شِغار في الإسلام، والشِّغار أن يزوج الرجلُ الرجلَ أخته بأخته»، وروى البيهقي من طريق نافع بن يزيد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا: «نُهي عن الشغار، والشِّغار أن ينكح هذه بهذه بغير صِدَاق، بُضْعِ هذه صِداق هذه، وبُضْعِ هذه صِدَاق هذه»، وأخرج أبو الشيخ في كتاب النكاح من حديث أبي ريحانة: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الـمُشَاغَرة، والـمُشَاغَرة: أن يقول: زوِّج هذا من هذه، وهذه من هذا بلا مهر». فتح الباري (9/ 162).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قد جاء تفسير الشغار في حديث ابن عمر من قول نافع، وجاء في حديث أبي هريرة من كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي مساقه، وظاهره الرفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ويحتمل: أن يكون من تفسير أبي هريرة، أو غيره من الرواة، أعني: في حديث أبي هريرة، وكيفما كان فهو تفسير صحيح موافق لما حكاه أهل اللسان، فإن كان من قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو المقصود، وإن كان من قول صحابي فمقبول؛ لأنهم أعلم بالمقال، وأقعد بالحال. المفهم (4/ 112).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
هذا الذي قاله القرطبي -رحمه الله تعالى- حسن جدَّا. البحر المحيط الثجاج (25/ 200).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
صورته (أي الشغار) وهي على خمسة أنحاء:
الأول: أن يقال: أزوِّجك ابنتي أو أختي على أن تزوجني ابنتك أو أختك، ولا مهر بيننا.
الثاني: أن يقال: أزوِّجك ابنتي بمائة على أن تزوجني ابنتك، ويذكر المهر من إحدى الجهتين.
الثالث: أن يذكر المهر من الجهتين جميعًا.
الرابع: أن يسكت عن إيجاب المهر وإسقاطه.
الخامس: أن يذكُرا صِداقًا، ويحطَّا فيه عن مهر المثل الذي كان يزوَّج به، لو لم يكن على هذا الشرط. عارضة الأحوذي (5/ 31).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وصورة الشغار الكاملة: أن يقول: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، وبُضْع كل منهما صِداق الأخرى، ومهما انعقد لي نكاح ابنتك انعقد لك نكاح ابنتي، ففي هذه الصورة وجوه من الفساد:
منها: تعليق العقد، ومنها: التشريك في البُضْعِ، ومنها: اشتراط هدم الصِداق، وهو مفسد عند مالك.
ولا خلاف أن الحكم لا يختص بمن ذكر في الحديث، وهو الابنة بل يتعدى إلى سائر الـمُولِيات. إحكام الأحكام (2/ 175-176).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمات، وبنات الأعمام، والإماء كالبنات في هذا. شرح صحيح مسلم (9/ 201).

قوله: «ليس بينهما صِداق»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وليس بينهما صِداق» أي: بل صِداق كل واحدة منهما هو بُضع الأخرى. البحر المحيط الثجاج (25/ 198).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وليس بينهما صِدَاق» وهو المهر، وسمِّي صِداقًا؛ لأن بذله لطلب المرأة دليل على صِدْق الطالب، والمال محبوب إلى النفوس، ولا يُبذَل المحبوب إلا للوصول إلى ما هو أحبُّ. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 481).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
لعل الإشارة إنما وقعت فيه إلى ما كانت الأعراب تفعله من المعاوضة بالبنات والأخوات، يعطي الرجل أخته أو ابنته على أن يعطيه الآخر أخته أو ابنته، وقد هدم الله تعالى نكاح الجاهلية. القبس (ص: 705).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
تفسير نافع وقوله: «ولا صداق بينهما» يُشعِر بأن جهة الفساد ذلك، وإن كان يحتمل أن يكون ذِكْرُ ذلك لملازمته لجهة الفساد.
وعلى الجملة: ففيه إشعار بأن عدم الصِداق له مدخل في النهي. إحكام الأحكام (2/ 175-176).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد اختلف الفقهاء هل يُعتبر في الشِّغار الممنوع ظاهر الحديث في تفسيره، فإن فيه وصفين:
أحدهما: تزويج كل من الوليَّين ولِيَّتَه للآخر بشرط أن يزوجه وليَّته.
والثاني: خُلو بُضْعِ كل منهما من الصداق.
فمنهم من اعتبرهما معًا حتى لا يمنع -مثلًا- إذا زوَّج كل منهما الآخر بغير شرط، وإن لم يذكر الصِّداق، أو زوَّج كل منهما الآخر بالشرط وذكر الصِّداق.
وذهب أكثر الشافعية إلى أن علة النهي الاشتراك في البُضْع؛ لأن بُضْع كُل منهما يصير مورد العقد، وجعل البُضْع صِدَاقًا مخالف لإيراد عقد النكاح، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصِّداق؛ لأن النكاح يصحُّ بدون تسمية الصداق.
واختلفوا فيما إذا لم يصرحَا بذكر البُضْع، فالأصح عندهم: الصحة، ولكن وجد نص الشافعي على خلافه، ولفظه: إذا زوَّج الرجل ابنته أو المرأة يَلِيَ أمرها من كانت لآخر على أن صِداق كل واحدة بُضْع الأخرى، أو على أن يُنكحه الأخرى، ولم يسمِّ أحد منهما لواحدة منهما صِداقًا فهذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو منسوخ، هكذا ساقه البيهقي بإسناده الصحيح عن الشافعي، قال: وهو الموافق للتفسير المنقول في الحديث.
واختلف نص الشافعي فيما إذا سمى مع ذلك مهرًا فنص في الإملاء (كتاب للشافعي) على البطلان، وظاهر نصه في المختصر الصحة، وعلى ذلك اقتصر في النقل عن الشافعي من ينقل الخلاف من أهل المذاهب.
وقال القَفَّال: العلة في البطلان التعليق والتوقيف، فكأنه يقول: لا ينعقد لك نكاح بنتي حتى ينعقد لي نكاح بنتك.
وقال الخطابي: كان ابن أبي هريرة (من فقهاء الشافعية) يشبِّهه برجل تزوج امرأة، ويستثني عضوًا من أعضائها، وهو مما لا خلاف في فساده، وتقرير ذلك: أنه يزوِّج وليَّته ويستثني بُضْعها حيث يجعله صِداقًا للأخرى.
وقال الغزالي في الوسيط: صورته الكاملة أن يقول: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، على أن يكون بُضع كل واحدة منهما صِداقًا للأخرى، ومهما انعقد نكاح ابنتي انعقد نكاح ابنتك.
قال شيخنا (يعني: العراقي) في شرح الترمذي: ينبغي أن يزاد: "ولا يكون مع البُضْعِ شيء آخر"؛ ليكون متفقًا على تحريمه في المذهب.
ونقل الخِرَقي أن أحمد نصَّ على أن علة البطلان ترك ذكر المهر.
ورجح ابن تيمية (أبو البركات) في المحرر: أن العلة التشريك في البُضع. فتح الباري (9/ 163-163).
وقال المازري -رحمه الله-:
علَّل بعض العلماء النهي عن نكاح الشغار بأنه يصير المعقود به معقودًا عليه؛ لأن الفَرْجَين كل واحد منهما معقود به ومعقود عليه، على هذه الطريقة يكون فساده يرجع إلى عقده، ويفسخ على هذا بعد الدخول وقبله، وزعم بعضهم أن ذلك راجع لفساد الصِّداق؛ ولأنه كمن تزوَّج بغير صِداق، وعلى هذا يمضي بالدخول على إحدى الطريقتين عندنا (المالكية) في هذا الأصل، وقد روى علي بن زياد في كتاب (خَيْرٌ مِن زِنَتِهِ) عن مالك أنه يفوت بالدخول.
وحاول بعض شيوخنا أن يُخرِّج من مذهبنا فيه قولًا ثالثًا، وهو أنه يفوت بالعقد، بناء على أحد الأقوال عندنا فيما صِدَاقه فاسد أنه يفوت بالعقد، وأن الفسخ فيه قبل الدخول استحسان واحتياط. المعلم (2/ 141).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
الذي يترجح لي في هذه المسألة: أن النهي مترتب على وجود الاشتراط، إذا اشترط أحد النكاحين بالآخر، وقد رأينا وعرفنا من هذا القبيل الشيء الكثير، فإنه إذا حصل هذا الشرط ودبَّ الفساد بين إحدى الأسرتين دبَّ إلى الأسرة الأخرى، وكل منهما يقول: كيف تبقى ابنتي تحت فلان وابنته قد خرجت مني، أو تمردت عليَّ، فيجبرون المرأة في الأسرة الصالحة على أن تمتنع من زوجها، وهذا هو السبب في النهي، أما عدم وجود الصداق فيمكن أن يَحكم بصحة النكاح وللمرأة صداق المثل كالمولية، وبهذا يتبين أن العلة في النهي هي الاشتراط. تأسيس الأحكام (4/ 147).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ووجه النهي عنه ظاهر جدًّا؛ لأن الله تعالى قال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} النساء: 24، وفرج المرأة ليس مالًا، وهذان الرجلان جعلا بُضع كل واحدة من المرأتين مهرًا للأخرى، وهذا لا يصح، هذا وجه.
الوجه الثاني: أنه لو جاز هذا لكان سببًا لإضاعة الأمانة؛ لأن الرجل ربما يزوج ابنته مَن ليس بكفء؛ لأنه سيزوجه ابنته فيغير الأمانة.
ثالثًا: أنه قد يؤدي إلى إكراه المرأة على الزواج؛ لأن الولي يريد أن يصل إلى غرضه وغايته، فلا يهمه رضيت أم كرهت.
الرابع: أنه يكون في الغالب سببًا للنزاع والخصومات التي لا تنتهي؛ لأن إحدى المرأتين لو فسدت على زوجها حاول زوجها أن يفسد موليته على الزوج، وهذا يقع كثيرًا إذا رغبت الزوجة على زوجها مباشرة ذهب إلى ابنته عند زوجها ويفسدها عليه وهذا مشاهَد ومجرَّب، فهذه أربع مفاسد كلها تدل على أن نكاح الشغار باطل لا يقره الإسلام. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 481-482).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
من فوائد الحديث: عناية الشرع بالمرأة لحماية حقوقها؛ لئلا تكون ألعوبة بيد الرجال.
ومن فوائد الحديث: سد الشرع لجميع أبواب ما يقتضي النزاع؛ لأن نكاح الشغار من أسباب النزاع. فتح ذي الجلال والإكرام، باختصار (4/ 484).


إبلاغ عن خطأ