الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

عن عمران بن حصين -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سأله، أو سأل رجلًا، وعمران يسمع، فقال: «يا أَبا فلان، ‌أما‌ صُمْتَ ‌سَرَرَ ‌هذا الشهر؟» قال: أَظنه قال: يعني: رمضان، قال الرَّجُل: لا يا رسول الله، قال: «فإذا أفطرت فصُم يومين» لم يقل الصَّلت: أظنه يعني: رمضان.
قال أبو عبد الله: وقال ثابت: عن مُطرِّف، عن عمران، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من سِرر شعبان».


رواه البخاري برقم: (1983) واللفظ له، ومسلم برقم: (1162).
وفي لفظ لمسلم برقم: (1161): «يا فلانُ، أَصُمْتَ مِن سُرَّةِ هذا الشَّهْرِ؟».


غريب الحديث


«سَرَرَ»:
السَّرارُ: بالفتحِ والكَسرِ، هو حينَ يَستَسِرُّ الهلالُ في آخرِ الشَّهر. الفائق، للزمخشري (2/ 171).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
السَّرُّ والسَّرارُ بفتحِ السِّينِ، والكسرُ فيهما: آخِرُ الشَّهرِ؛ سُمِّيَ به لاستِسْرارِ القمرِ فيه، وقيل: أوَّلُ الشَّهرِ لاستِسْرارِه أيضًا، وقيل: أوسَطُه مأخوذًا من السُّرَّةِ. الأزهار، مخطوط، لوح (219).


شرح الحديث


قوله: «‌عن عمران بن حصين -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه سأله، أو سأل رجلًا، وعمران يسمع»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«‌عن عمران بن حصين» أسلم عام خيبر، وتوفي سنة اثنتين وخمسين «‌-رضي الله عنهما-، عن النبي -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- أنه» -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- «‌سأله» أي: عمران «‌أو سأل رجلًا» شك من مطرف، وزاد أبو عوانة في مستخرجه: «من أصحابه»، «‌‌وعمران يسمع» جملةٌ حالية. إرشاد الساري (3/ 413).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أنَّه سأله، أو سأل رجلًا، وعمران يسمع» هذا شك من مطرف (أي: الراوي عن عمران بن الحصين لهذا الحديث)، فإنَّ ثابتًا رواه عنه بنحوه على الشك أيضًا، أخرجه مسلم، وأخرجه من وجهين آخرين عن مطرف بدون شك على الإبهام «‌أنه قال لرجل» زاد أبو عوانة في مستخرجه «‌من أصحابه» ورواه أحمد من طريق سليمان التيمي به «‌قال لعمران» بغير شك. فتح الباري (4/ 230).

قوله: «فقال: يا أبا فلان، ‌أما ‌صمت ‌سَرَرَ ‌هذا الشهر؟»:
قال العيني -رحمه الله-:
«فقال: يا أبا فلان» بالكنية، في رواية أبي ذر، وفي رواية الأكثرين: «يا فلان». عمدة القاري (11/ 101).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
والسَّرر والسَّرار: آخر الشهر؛ وسُمِّي سررًا لاستسرار القمر فيه. أعلام الحديث (2/ 974).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وأمَّا سرته (في لفظ مسلم) فظاهرها: أنها وسط الشهر، فعلى هذه اللفظة: تكون الإشارة إلى أيام البيض، وعلى باقي الألفاظ يُشكِل الأمر؛ لأنه قد نهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين، إلا أنَّ العلماء تأولوا ذلك فقالوا: لعله عَلِمَ من ذلك الرجل أن عليه نذرًا نذره في ذلك الوقت، فلما فات أَمَرَهُ بقضائه. كشف المشكل (1/ 475، 476).
وقال النووي -رحمه الله-:
«‌يا فلان، أصمت من سرة هذا الشهر؟» هكذا هو في جميع النسخ «‌من سرة هذا الشهر» بالهاء بعد الراء، وذكر مسلم بعده حديث أبي قتادة، ثم حديث عمران أيضًا «‌في سرر شعبان» وهذا تصريح من مسلم بأنَّ رواية عمران الأولى بالهاء، والثانية بالراء؛ ولهذا فرَّق بينهما، وأدخل الأولى مع حديث عائشة («‌قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم» يعني: الثلاثة الأيام) كالتفسير له، فكأنَّه يقول: يُستحب أنْ تكون الأيام الثلاثة من سرة الشهر، وهي وسطه، وهذا متفق على استحبابه، وهو استحباب كون الثلاثة هي أيام البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وقد جاء فيها حديث في كتاب الترمذي وغيره، وقيل: هي الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر. المنهاج شرح صحيح مسلم (8/ 49).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
الحديث الذي فيه «‌سرة هذا الشهر» ورد في غير ما ورد فيه حديث «‌سرر الشهر» فلا يصح الاحتجاج به على أنَّ المراد بالسرر: الوسط. المنهل العذب (10/ 50).
وقال المازري -رحمه الله-:
ظاهر هذا مخالف لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقدموا الشهر بيوم ولا يومين» فيصح أن يحمل هذا على أنَّ الرجل كان ممن اعتاد صيام السرر، أو نذر ذلك، وخشي أن يكون إذا صام آخر شعبان دخل في النهي، فيكون فيما قال له -صلى الله عليه وسلم- دليل على أنه لا يدخل في ذلك الذي نهي عنه، من تقدم الشهر بالصوم، وأن المراد بالنهي من هو على غير حالته. المعلم (2/ 64).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
المعروف عند اللغويين وغيرهم: أن سرار الشهر آخره، يقال: ‌سَرَاره ‌وسَرَرُه ‌وسرُّه، وهو حين يستسر الهلال، وقال أبو داود عن الأوزاعي: سره أوله، وقيل: وسطه... قلتُ: فإن حملنا السرار في هذا الحديث على أول الشهر لم يكن فيه إشكال، وإن حملناه على آخر الشهر عارضه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين» ويرتفع ما يتوهم من المعارضة بأن يحمل النهي على من لم تكن له عادة بصوم شيء من شعبان، فيصومه لأجل رمضان، وأما من كانت له عادة أن يصوم، فليستمر على عادته، وقد جاء هذا أيضًا في بقية الخبر (هكذا قال، وإلا فهذا من حديث أبي هريرة وهو حديث آخر)، فإنه قال: «إلا أن يكون أحدكم يصوم صومًا فليصمه». المفهم (3/ 234).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
وقيل: سِرُّه: وسطه، وسرُّ كل شيء: جوفه...، وذكر مسلم في حديث عمران بن حصين: «أَصُمْتَ مِنْ سُرَّةِ هذا الشهرِ؟» وهذا يدل على أنه وسطه. مطالع الأنوار (5/ 477).
وقال المظهري -رحمه الله-:
السرر والسرار -بفتح السين وكسرها-: ليلتان من آخر الشهر. المفاتيح (3/ 37).

قوله: «قال: أظنه قال: يعني: رمضان»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«‌قال» أبو النعمان: «‌أظنه قال: يعني: رمضان» لم يقل الصلت ذلك، لكن روى الجوزقي من طريق أحمد بن يوسف السلمي عن أبي النعمان بدون ذلك. إرشاد الساري (3/ 413).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«قال: أظنه قال: يعني: رمضان» ‌هذا ‌الظن ‌من ‌أبي ‌النعمان؛ لتصريح البخاري في آخره بأن ذلك لم يقع في رواية أبي الصلت، وكأن ذلك وقع من أبي النعمان لما حدث به البخاري، وإلا فقد رواه الجوزقي من طريق أحمد بن يوسف السلمي، عن أبي النعمان بدون ذلك، وهو الصواب، ونقل الحميدي عن البخاري أنه قال: إن شعبان أصح، وقيل: إن ذلك ثابت في بعض الروايات في الصحيح. فتح الباري (4/ 230).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
هكذا جاء في الحديث: «أظنه يعني: رمضان»، وجاءت الأحاديث كلها بخلافه، وإنما هو شعبان؛ إذ لا معنى لأمره إياه بصيام سرر رمضان؛ إذ كان ذلك مستحقًّا عليه نحو الفرض في جملة الشهر، وكذلك رواه حماد عن ثابت، عن مطرف، والجريري عن أبي العلاء، عن مطرف، قال: «هل صمت من سرر شعبان؟» هكذا قالا، وذكر رمضان وهم -والله أعلم-. أعلام الحديث (2/ 973، 374).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وأما قول بعض الرواة: «‌أظنه ‌يعني: ‌رمضان» فخطأ؛ لأن رمضان يتعين صومه جميعه. كشف المشكل (1/ 476).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«‌أظنه ‌يعني: ‌رمضان» هذا الظن من أبي النعمان، وهو وهم، والصواب: «شعبان». التوشيح (4/ 1467).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«‌أظنه يعني: رمضان» وقد جاء بعد هذا: «‌من سرر شعبان».
قال ابن المنير: وهما راجعان لمعنى واحد؛ إذ المراد: آخر شعبان حيث سرر الهلال لم يظهر، فيكون هلال رمضان، فصحَّت إضافته إلى كل منهما.
قلتُ: لا أدري معنى قوله: سرر الهلال، مع تفسيرهم السررَ بآخر ليلة من الشهر، وإلا كيف يكون المراد: هلالَ رمضان؟ سواء أضفته إلى شعبان، أو رمضان، فتأمله. مصابيح الجامع (4/ 397-398).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
ظاهر الحديث: آخر الشهر، وحمله على من له عادة طيّب.
الحديث فيه احتمال آخره، ويحتمل وسطه من السُّره وسط الشيء، وظاهر الروايات: أنَّ هذا رجل له عادة من صيام في آخر الشهر فأمره بالقضاء، فهذا له عادة طيبة، فإن تركها لأسباب، وقضاها فحسن، وإن لم يقضه فلا حرج، ويحتمل وسط الشهر له عادة يصوم البيض، فالأولى حمله على ما لا يخالف الأحاديث. الحلل الإبريزية (2/ 158).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال العلماء: إذا فُسِّر بالأول (أي: من الشهر) فالمراد به: غرة الشهر، وإذا فُسِّر بالوسط، فالمراد به: البيض، أي: إذا لم تصم ثلاثة من أول الشهر، أو من وسطه، فصم يومين أو ثلاثة بدلًا من ذلك استحبابًا، وإذا فُسِّر بالأخروية، قال الأكثرون: فالوجه في ذلك مع قوله: «‌لا يتقدَّمنَّ أحدكم رمضان بيوم أو يومين» بأنْ يُقال: إنَّ المخاطب إما أنه كان قد أوجبه على نفسه بالنذر، ولم يصم، وإما أنه كان عادة له، وترك، فبيَّن -صلى الله عليه وسلم- أنَّ صومه غير داخل في النهي بقوله: «لا يتقدَّمنَّ‌» فأمره بالقضاء مستحِبًّا أو مستحَبًّا.الأزهار، مخطوط، لوح (219).

قوله: «قال الرجل: لا يا رسول الله، قال: فإذا أفطرتَ، فصم يومين»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«قال الرجل: لا يا رسول الله» ما صمته «قال: فإذا أفطرتَ» أي: من رمضان، كما في مسلم «فصم يومين» بعد العيد؛ عوضًا عن سرر شعبان. إرشاد الساري (3/ 413).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: إذا أفطرت اليومين الأخيرين من شعبان فاقض مكانهما يومين، قيل: كان عليه صوم اليومين الأخيرين من شعبان، فأمره رسول الله -عليه السلام- بقضائهما إذا فاتا، على هذا الوجه فسره أصحاب الحديث، سمي اليومان الأخيران من الشهر سررًا وسرارًا؛ لاستتار القمر في ليلتهما. المفاتيح (3/ 37).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فإذا أفطرتَ» أي: اليومين الآخرين من شعبان، وقيل: أي: إذا فرغتَ من رمضان «فصم يومين» لقضائهما، وكأن الراوي قد أوجب على نفسه صومهما بنذرٍ، فأمره -صلى الله عليه وسلم- بالوفاء به، أو كان ذلك عادة له، فلما فاته استحب له النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يقضيه. شرح المصابيح (2/ 537).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله: «‌فصم يومين» للوجوب على النذر، وللندب على غيره. الأزهار، مخطوط، لوح (219).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإذا أفطرتَ» أي: اليومين الأخيرين من شعبان، وقيل: إذا فرغتَ من رمضان «‌فصم ‌يومين» لقضائهما، أو بدلًا عنهما، وهو أمر ندب إن كان المراد به حقيقة التعقيب، وإلا فالأمر وجوب على التوسع في البعدية، قالوا: كان هذا الرجل أوجب على نفسه صوم يومين من آخر الشهر بنذر، فلما فاته قال له: «إذا أفطرتَ من رمضان ‌فصم ‌يومين» وقيل: لعل ذلك كان عادة له، فبين له أن صيامه غير داخل في النهي عن صوم يوم أو يومين قبل رمضان، فلما فاته استحب له النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقضيه. مرقاة المفاتيح (4/ 1410).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله-:
فوجه الحديث عندي -والله أعلم-: أن هذا كان من نذر على ذلك الرجل في ذلك الوقت، أو تطوع قد كان ألزمه نفسه، فلما فاته أمره بقضائه، لا أعرف للحديث وجهًا غيره. غريب الحديث (2/ 80).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وقد يتأول معنى ذلك على أن هذا الرجل قد كان أوجبه على نفسه بنذر، فأمره بالوفاء به، أو كان ذلك عادة له قد اعتادها، فأمره أن يحافظ عليها، وإنما تأولناه على هذا المعنى؛ لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يستقبل الشهر بيوم أو يومين. أعلام الحديث (2/ 974).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
كذا قيل، وفيه نظر؛ لأنَّ صورة العادة مُصرَّح باستثنائها في ذلك الحديث. فتح الإله (7/6).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا منه -صلى الله عليه وسلم- حمل على ملازمة عادة الخير حتى لا تقطع، وحض على ألا يمضي على المكلف مثل شعبان فلم يصم منه شيئًا، فلما فاته صومه، أمره أن يصوم من شوال يومين؛ ليحصل له أجر من الجنس الذي فوته على نفسه.
قلتُ: ويظهر لي أنه إنما أمره بصوم يومين؛ للمزية التي يختص بها شعبان، فلا بعد في أن يقال: إن صوم يوم منه كصوم يومين في غيره، ويشهد لهذا أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يصوم منه أكثر مما كان يصوم من غيره؛ اغتنامًا لمزية فضيلته -والله تعالى أعلم-. المفهم (3/ 235).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
وحمل الحديث على أنه -عليه السلام- علم أن المخاطب نذر صومه، أو اعتاد صيام سرر الشهور، فأمر بالقضاء بعد عيد الفطر، وخص النهي فيما روى أبو هريرة: أنه -عليه السلام- قال: «لا تقدموا شهر رمضان بصيام يوم أو يومين» بمن يبتدئ به من غير إيجاب ولا اعتياد؛ توفيقًا بينهما، وقيل: المراد به: البيض، فإن سر الشيء: وسطه وجوفه، ومنه السرة. تحفة الأبرار (1/ 505).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وقد أشكل هذا على الناس، ‌فحمله ‌طائفة ‌على ‌الاحتياط ‌لدخول رمضان، قالوا: وسرر الشهر، وسراره -بكسر السين وفتحها- ثلاث لغات، وهو آخره، وقت استسرار هلاله، فأمره إذا أفطر أن يصوم يومًا أو يومين؛ عوض ما فاته من صيام سرره احتياطًا.
وقالت طائفة -منهم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز-: سره أوله، وسراره أيضًا، فأخبره أنه لم يصم من أوله فأمره بقضاء ما أفطر منه، ذكره أبو داود عن الأوزاعي وسعيد.
وأنكر جماعة هذا التفسير فرأوه غلطًا؛ قالوا: فإن سرار الشهر آخره، سمي بذلك لاستسرار القمر فيه.
وقالت طائفة: سرره هنا وسطه، وسر كل شيء جوفه، قال البيهقي: فعلى هذا: أراد أيام البيض، هذا آخر كلامه، ورجح هذا بأن في بعض الروايات فيه: «أصمت من سرة هذا الشهر؟» وسرته: وسطه، كسرة الآدمي.
وقالت طائفة: هذا على سبيل استفهام الإنكار، والمقصود منه الزجر، قال ابن حبان في «صحيحه»: وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أصمت من سرر هذا الشهر؟» لفظة استخبار عن فعل، مرادها الإعلام بنفي جواز استعمال ذلك الفعل المستخبر عنه، كالمنكر عليه لو فعله، وهذا كقوله لعائشة: «أتسترين الجدار؟» وأراد به الإنكار عليها بلفظ الاستخبار، وأمره - صلى الله عليه وسلم - بصوم يومين من شوال أراد به انتهاء السرار؛ وذلك أن الشهر إذا كان تسعًا وعشرين يستسر القمر يومًا واحدًا، وإذا كان الشهر ثلاثين يستسر القمر يومين، والوقت الذي خاطب به -صلى الله عليه وسلم- هذا الخطاب يشبه أن يكون عدد شعبان كان ثلاثين، فمن أجله أمر بصوم يومين من شوال، آخر كلامه.
وقالت طائفة: لعل صوم سرر الشهر كان الرجل قد أوجبه على نفسه بنذر، فأمره بالوفاء.
وقالت طائفة: لعل ذلك الرجل كان قد اعتاد صيام أواخر الشهور، فترك آخر شعبان لظنه أن صومه يكون استقبالًا لرمضان، فيكون منهيًّا عنه، فاستحب له النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقضيه، ورجح هذا بقوله: «إلا صوم كان يصومه أحدكم فليصمه» والنهي عن التقدم لمن لا عادة له، فيتفق الحديثان -والله أعلم-. تهذيب سنن أبي داود (2/ 15 - 17).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
وما قيل: مِن أنَّ الاستفهام في قوله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-: «‌هل صمتَ من سرر شعبان؟» إنكاري، مردود، بقول المسؤول: «‌لا، يا رسول الله» فلو كان سؤال إنكار لكان -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- قد أنكر الصيام والفرض أنه لم يصم، فكيف ينكر عليه فعل ما لم يفعله؟! المنهل العذب المورود (10/ 46-47).

قوله: «لم يقل الصلت: أظنه يعني: رمضان»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
«‌لم يقل الصلت» وهو شيخ البخاري. التوضيح (13/ 486).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«‌لم يقل الصلت: أظنه يعني: رمضان» وإنَّما قاله أبو النعمان. تحفة الباري (4/ 423).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«‌لم ‌يقل ‌الصلت: ‌أظنه يعني» يريد أنَّ هذه الزيادة إنما هي في طريق أبي النعمان. الكوثر الجاري (4/ 319).

قوله: «‌قال أبو عبد الله: وقال ثابت: عن مطرف، عن عمران، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: من سَرر شعبان»:
قال العيني -رحمه الله-:
«قال أبو عبد الله: وقال ثابت: عن مطرف عن عمران عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: من سرر شعبان» أبو عبد الله هو البخاري، وليس في بعض النسخ هذا، وأراد بالتعليق أن المراد من قوله: «أصمت سرر هذا الشهر» هو سرر شعبان، وليس هو برمضان كما ظنه أبو النعمان. عمدة القاري (11/ 102).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«وقال ثابت: عن مطرف عن عمران عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: من سرر شعبان» قال أبو عبد الله: وشعبان أصح، أي: هو الصواب، أراد المبالغة في صحته، لا أن ما يقابله يمكن أن يكون صحيحًا؛ لأن السرر بأي تفسير فُسِّرَ لا يصح في رمضان؛ لأن كله فرض على كل أحد، فلا وجه للسؤال عن صومه، وما يقال: يجوز أن يكون رمضان ظرفًا لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أي: قاله في رمضان، فلا يصح؛ لأن قول الراوي: «يعني: رمضان» تفسير للشهر الذي لم يصم منه المخاطب، وفاعل «‌يعني» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. الكوثر الجاري (4/ 319).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«قال أبو عبد الله» أي: البخاري، وسقط ذلك في رواية ابن عساكر «وقال ثابت» فيما وصله مسلم: «عن مطرف» المذكور «عن عمران» بن حصين «عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: من سرر شعبان» وليس هو برمضان كما ظنه أبو النعمان. إرشاد الساري (3/ 413).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وفيه: دليل على ابن سلمة في منعه صومه تطوعًا، وعلى أصحاب داود حين منعوا صومه أصلًا، وقيل: يحتمل أن يكون جرى هذا جوابًا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لكلام تقدمه لم ينقل إلينا، وقيل: أمره به ليودعه.
وقوله: «‌يا أبا فلان» فيه: جواز الكنية. التوضيح (13/ 488).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنَّ النهي عنه تقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين إنَّما هو في حق من لم يعتد ذلك.
وعلى مشروعية قضاء التطوع.
وعلى الحث على ملازمة ما اعتاده الإنسان من الطاعة والخير. المنهل العذب المورود (10/ 47).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

حديث: «صوموا الشهر وسره».


إبلاغ عن خطأ