الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«لا يَسُبَّ أحدكم الدَّهر؛ فإن الله هو الدَّهر، ولا يقُولن أَحدُكُم للعنبِ: الكَرْم؛ فإن الكَرْم الرَّجُل المُسلم»


رواه مسلم برقم: (2247)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي البخاري برقم: (6183)، ومسلم برقم: (2247) بلفظ: «...إنما الكَرْم ‌قلب ‌المؤمن»


غريب الحديث


«الكَرْم»:
يقال: رجل كَرَم: أي: كَرِيم، وصف بالمصدر، كرجل عَدْلٍ. النهاية، لابن الأثير(4/ 167).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
الكريم: الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل. لسان العرب (12/ 510).


شرح الحديث


قوله: «لا يسبُّ أحدُكم الدهر»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
معنى النهي عن سب الدهر: أن من اعتقد أنه الفاعل للمكروه فسبَّه أخطأ، فإن الله هو الفاعل، فإذا سَبَبْتُم من أنزل ذلك بكم رجع السب إلى الله. فتح الباري (10/ 565).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قال الشافعي: تأويل ذلك -والله أعلم-: أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر، وتذمَّه عند المصائب التي تنزل بهم من موت أو هدم أو ذهاب مال أو غير ذلك من المصائب، وتقول: أصابتنا قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وأتى عليهم الدَّهر والليل والنهار يفعل ذلك بهم، فيذمون الدهر بذلك ويسبونه. الاستذكار (8/ 553).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قال علماؤنا: المعنى في هذا الحديث، أنه ورد نهيًا عما كان أهل الجاهلية يقولونه من ذم الدهر وسبه؛ لما ينزل بهم فيه من المصائب في الأموال والأنفس، وكانوا يضيفون ذلك إلى الدهر، ويسبونه ويذمونه لذلك، على أنه الفاعل ذلك بهم، وإذا وقع سبهم على من فعل ذلك بهم، وقع على الله تعالى، فجاء النهي عن ذلك؛ تنزيهًا لله تعالى، وإجلالًا له، لما في ذلك من مضارعة سبه وذمه، وقد ذم الله الذين كانوا يعتقدون هذا بقولهم: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} الجاثية: 24، وإنما الأمر كله والدهر بيد الله، فإذا سبَّ الرجل صنعة غيره وذمها، فإنما يذم فاعلها. المسالك في شرح موطأ مالك (7/ 573).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
كان من شأن العرب أن تذم الدهر وتسبه عند النوازل والحوادث، ويقولون: أبادهم الدهر، وأصابتهم قوارع الدهر وحوادثه، ويكثرون ذكره بذلك في أشعارهم، وذكر الله عنهم في كتابه العزيز فقال: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} الجاثية: 24، والدهر اسم للزمان الطويل ومدة الحياة الدنيا، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذم الدهر وسبه، أي: لا تسبوا فاعل هذه الأشياء؛ فإنكم إذا سببتموه وقع السب على الله تعالى؛ لأنه الفعَّال لما يريد لا الدهر. النهاية (2/ 144).

قوله: «فإن الله هو الدَّهر»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فإن الله هو الدَّهر» أي: المصرِّف الفعَّال. لمعات التنقيح (8/ 103).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فإن الله هو الدَّهر» أي: فإن الله خالق الدَّهر ومصرِّفه، فمَن سبَّ الدهر فقد سبَّ خالقه. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 155).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: إن الله خالق الدهر ومصرِّفه ومقلِّبه والمتصرف فيه، والدهر مسخَّر بحكمته. مرقاة المفاتيح (7/ 3002).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
محصل ما قيل في تأويله ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المراد بقوله: «إن الله هو الدهر» أي: المدبر للأمور.
ثانيها: أنه على حذف مضاف، أي: صاحب الدهر.
ثالثها: التقدير: مقلِّب الدهر، ولذلك عقَّبه بقوله: «بيدي الليل والنهار» ووقع في رواية زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: «بيدي الليل والنهار أجدِّدُه وأُبْلِيْه، وأَذْهب بالملوك» أخرجه أحمد.
وقال المحققون: مَن نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكنه يُكره له ذلك؛ لشبهه بأهل الكفر في الإطلاق، وهو نحو التفصيل الماضي في قولهم: مطرنا بكذا. فتح الباري (10/ 565-566).

قوله: «ولا يقولنَّ أحدُكم للعنب: الكَرْم؛ فإن الكَرْم الرجل المسلم» وفي لفظ: «إنما الكَرْم قلب المؤمن»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«الكرْم» بإسكان الراء: شجر العنب. الكواكب الدراري (22/ 42).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
العِنَب: يطلق على الثمر والشَّجر، وها هُنا الشَّجر. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (3/ 225).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: لا تقولوا لشجر العنب: الكرْم. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 155).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
أي: لا تطلقوا عليه هذا اللفظ؛ «فإن الكرم المسلم». دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (8/ 554).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
سمَّت العرب العنب: كرْمًا، والخمر: كرْمًا، أما العنب؛ فلكَرَم ثمرته، وامتداد ظلها، وكثرة حمله وطِيبه، وتذلله للقطف، وسهولته للجَنِي، ليس بذي شوك ولا شاق المصعد، ويؤكل غضًا طريًا وزبيبًا يابسًا، ويُدَّخر للقُوت، ويتخذ شرابًا.
وأصل الكرَم: الكثرة، والجمع للخير، وبه سمي الرجل كريمًا؛ لكثرة خصال الخير فيه، ونخلة كريمة لكثرة حملها. مطالع الأنوار (3/ 352).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «لا تقولوا: الكرم» يعني: لا تقولوا لشجر العنب: الكرم؛ لأن العرب يقولون لشجر العنب: كرمًا؛ لأنه يُتخذ منه الخمر، فيشربونها، وتحملهم الخمر على الجود والكرم، فسمَّوا الشجر بالكرْم الذي يحصل فيهم من شرب الخمر المتَّخَذة من العنب، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تسمية العنب كَرْمًا تحقيرًا لشأن الخمر؛ كي لا يظنه الناس حسنة لإظهار الكرَم في أنفسهم، بل «الكرْم قلب المؤمن» الذي يجتنب من شرب الخمر، ولا يستحق شجرٌ أن يوصف بالكَرَمِ. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 154).
وقال الباجي -رحمه الله-:
يحتمل عندي: أن يكون معناه: أن العنب وإن كان فيه منافع ورزق وخصب لمن رُزِقه، فإن قلب المؤمن أكثر خيرًا، وأنفع لنفسه وللناس، ولم يرد ذلك النهي عن أن يسمى الكَرْم كَرْمًا، ولذلك لم ينقله الناس عن النهي، ولا امتنعوا من تسمية شجر العنب كَرْمًا، ولكنه إنما أراد به تفضيل قلب المؤمن عليه، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» فهو الذي يظهر لي فيه، والله أعلم وأحكم. المنتقى شرح الموطأ (4/ 244).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
نهيه عن تسمية شجر العنب كرمًا -وهو اسمه المشهور عندهم- إنما معناه التوكيد لتحريم الخمر، وتأكيد النهي عنها، وسلبها الفضيلة بتغيير نعتها المأخوذ عندهم من اسم الكرْم، إذا كان في تسليم هذا الاسم تقرير لدعواهم فيها، وتسويغ لما كانوا يتوهمونه من التكرم في سقيها وشربها، فأمر بأن لا تُدعى كَرْمًا، وأن تسمى مواضعها وأشجارها: حدائق الأعناب.
وقال: «إنما الكَرْمُ قلب المؤمن»؛ لما فيه من نور الإيمان، وتقوى الإسلام، قال -صلى الله عليه وسلم-: «الكرم التقوى»، وهو معنى قوله -عزَّ وجلَّ-: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الحجرات: 13. أعلام الحديث (3/ 2212).
وقال المازري -رحمه الله-:
وأما نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن أن يسمى العنب كرمًا، وذَكَر أن الكَرْم قلب المؤمن، فإنما محمله عند أهل العلم على أنه لما حُرِّم الخمر عليهم وكانت طباعهم تحثُّهم على الكَرَم ونفوسهم مجبولة عليه كره -صلى الله عليه وسلم- أن يسمى هذا المحرَّم باسمٍ وُضع لمعنى يُهَيِّج طباعهم إليه عند ذكره، وتهش نفوسهم نحوه عند سماعه، فيكون ذلك كالمحرك على الوقوع في المحرمات، ولهذا ختم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما الكرم قلب المؤمن» يعني: أن الكَرَم حَبْسُ النفس عن شهواتها، وإمساكها عن المحرمات عليها، فهذه الحالة أحق بأن تُسمى كرمًا. المعلم بفوائد مسلم (3/ 191).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: وفيه نظر؛ لأن محل النهي إنما هو تسمية العنب بالكرْم، وليست العنبة محرَّمة، وإنما المحرمة الخمر، ولم يسمّ الخمر عنبًا حتى ينهى عنه، وإنما العنب هو الذي سمي خمرًا باسم ما يؤول إليه من الخمرية، كما قال تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} يوسف: 36، وقول أبي عبد الله (المازري): كره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يسمى هذا المحرَّم باسم يهيج الطباع إليه؛ ليس بصحيح؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم ينهَ عن تسمية المحرم الذي هو الخمر بالعنب في هذا الحديث، بل عن تسمية العنب بالكرْم، فتأمله، وإنما محمل الحديث عندي محمل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس المسكين بالطواف عليكم»، و«ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، أي: الأحق باسم الكرم المسلم، أو قلب المسلم؛ وذلك لما حواه من العلوم، والفضائل، والأعمال الصالحات، والمنافع العامة، فهو أحق باسم الكريم والكرْم من العنب. المفهم (5/ 550-551).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا القرطبي:
قلتُ: والذي قاله المازري موجَّه؛ لأنه يحمل على إرادة حسم المادة بترك تسمية أصل الخمر بهذا الاسم الحسن، ولذلك ورد النهي تارة عن العنب، وتارة عن شجرة العنب، فيكون التنفير بطريق الفحوى؛ لأنه إذا نهى عن تسمية ما هو حلال في الحال بالاسم الحسن لما يحصل منه بالقوة مما ينهى عنه، فلأنْ ينهى عن تسمية ما ينهى عنه بالاسم الحسن أحرى. فتح الباري (10/ 567).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
قوله (في حديث آخر): «نهى عن بيع الكرم بالزبيب»، وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقال للعنب: الكرم، فيكون هذا الحديث قبل النهي عن تسميته. مطالع الأنوار (3/ 351).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث تسمية العنب كرمًا، وثبت في الصحيح النهي عنه، فيحتمل: أن هذا الاستعمال كان قبل النهي.
ويحتمل: أنه استعمله بيانًا للجواز، وأن النهي عنه ليس للتحريم بل لكراهة التنزيه.
ويحتمل: أنهم خُوطبوا به للتعريف؛ لأنه المعروف في لسانهم الغالب في استعمالهم. شرح صحيح مسلم (13/ 154).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإن الكرم الرجل المسلم» أي: إنما يستحق هذا الاسم الرجل المسلم، أو قلب المؤمن؛ لأن الكَرْم مشتق من الكرَم بفتح الراء، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الحجرات: 13، فسمى قلب المؤمن كرمًا لما فيه من الإيمان والهدى والنور والتقوى. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (22/ 387).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
هذا الحديث يدل على أنهم كان يسمون العنب كرمًا، ويزعمون أنها تُحْدث كرمًا على ما قيل، فأراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألا يُنسب إلى الخمر فضيلة، وإنما الفضيلة للمؤمن؛ لما فيه من النور والإيمان. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 106).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
وقد قال عمر -رضي الله عنه-: كرم المؤمن تقواه؛ إذ به شرفه، وجماع خيره، قال الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الحجرات: 13، كأنه أفضل أنواع الكرم، وخصال الخير، وكمال الشرف. مطالع الأنوار على صحاح الآثار (3/ 352).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
(فيه) ترك المبالغة والإغراق في الصفات إذا لم تستحق الموصوف ذلك، ولا يبلغ النهايات في ذلك إلا في مواضعها، وحيث يليق الوصف بالنهاية. شرح صحيح البخاري (9/ 339).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذه الأحاديث: كراهة تسمية العنب كرْمًا بل يقال: عنب، أو حَبَلة. المنهاج شرح صحيح مسلم (15/ 4).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: النهي عن تسمية العنب كرمًا، وليس ذلك على سبيل التحريم، وإنما هو على سبيل الكراهة. طرح التثريب (8/ 159).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما ملخصه: لما كان اشتقاق الكرْم من الكرَم، والأرض الكريمة هي أحسن الأرض، فلا يليق أن يعبَّر بهذه الصفة إلا عن قلب المؤمن الذي هو خير الأشياء؛ لأن المؤمن خير الحيوان، وخير ما فيه قلبه؛ لأنه إذا صلَح صلُح الجسد كُله، وهو أرض لنبات شجرة الإيمان.
قال: ويؤخذ منه أن كل خير باللفظ أو المعنى أو بهما أو مشتقًّا منه أو مُسمى به إنما يضاف بالحقيقة الشرعية؛ لأن الإيمان وأهله وإن أضيف إلى ما عدا ذلك فهو بطريق المجاز، وفي تشبيه الكَرْمِ بقلبِ المؤمن معنى لطيف؛ لأن أوصاف الشيطان تجري مع الكرمة كما يجري الشيطان في بني آدم مجرى الدم، فإذا غفل المؤمن عن شيطانه أوقعه في المخالفة، كما أن مَن غفل عن عصير كَرْمه تخمَّر فتنجس، ويقوي التشبه أيضًا: أن الخمر يعود خَلًّا من ساعته بنفسه أو بالتخليل، فيعود طاهرًا، وكذا المؤمن يعود من ساعته بالتوبة النصوح طاهرًا مِن خَبَث الذنوب المتقدمة التي كان متنجسًا باتصافه بها، إما بباعثٍ مِن غيره من موعظة ونحوها، وهو كالتخليل أو بباعث من نفسه وهو كالتخلل، فينبغي للعاقل أن يتعرض لمعالجة قلبه؛ لئلا يهلك، وهو على الصفة المذمومة. فتح الباري (10/ 568).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان النهي عن تسمية العنب بالكرْم.
ومنها: بيان سبب النهي عن ذلك، وهو أن هذا الوصف الشريف لا يليق أن يسمى به إلا قلب المؤمن؛ لِمَا جَمَعَ من الإيمان، والإخلاص، والتقوى والورع، وغيرها من الصفات الحميدة. البحر المحيط الثجاج (36/ 572-573).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

حديث: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» .

حكم قول بعض الناس: "الدهر باغ والزمان غدَّار"


إبلاغ عن خطأ