«مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ».
رواه البخاري برقم: (907)، من حديث أبي عَبْسٍ عبد الرحمن بن جَبْر الأنصاري -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«اغْبَرَّتْ»:
أي: أصابهما غبار. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 402).
شرح الحديث
قوله: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»:
قال ابن رجب -رحمه الله-:
خرَّج الإسماعيلي في صحيحه هذا الحديث بسياق تامٍّ، ولفظه: عن يزيد ابن أبي مريم: بينما أنا رائحٌ إلى الجمعة إذ لَحِقَني عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاري، وهو راكب وأنا ماشٍ، فقال: احتسب خطاك هذه في سبيل الله، فإني سمعتُ أبا عبس ابن جبر الأنصاري يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-: «من اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرَّمهما الله على النار»، وخرَّجه الترمذي والنسائي بمعناه.
ففي هذه الرواية: أنَّ هذه القصة جَرَتْ ليزيد مع عباية، وفي روايةِ البخاري: أنها جَرَتْ لعباية مع أبي عبس، وقد يكون كلاهما محفوظًا، -والله أعلم-.
وليس عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- في هذا الحديث ذكر المشي إلى الجمعة، إنما فيه فضل المشي في سبيل الله، فأدخل الراوي المشي إلى الجمعة في عموم السبيل، وجعله شاملًا له وللجهاد.
والأظهر في إطلاق سبيل الله: الجهاد، وقد يُؤخذ بعموم اللفظ، كما أَذِنَ النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- لمن جعل بعيره في سبيل الله أن يحج عليه، وقال: «الحج من سبيل الله»، وقد ذكرناه في موضع آخر.
وقد كان كثير من السلف يختارون المشي إلى الجمعة، كما سبق من غير واحدٍ من الصحابة.
وقد روي عن عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه-: أنه كان يُبَكِّرُ إلى الجمعة، ويخلع نعليه، ويمشي حافيًا، ويقصر في مشيه. فتح الباري (8/198- 199).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «من اغبرَّت» كذا هو على الأصل في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: «ما اغْبَرَّتا»، وهي لُغَة. عمدة القاري (14/ 109).
وقال العيني -رحمه الله- أيضًا:
اغبرار القدمين عبارة عن الاقتحام في المعارك لقتال الكفار، ولا شك أن الغبار يثور في المعركة حال مصادمة الرجال، ويعم سائر الأعضاء، ولكن تخصيص القدمين بالذكر؛ لكونهما عمدة في سائر الحركات. عمدة القاري (14/ 108).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«مَن اغبرَّت قدَماه» أي: أصابهما غبار «في سبيل الله» اسم جنس مضاف يفيد العموم، فيشمل الجمعة. إرشاد الساري (2/ 175).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«من اغبرَّت قدماه» أي: أصابهما غبار، أو صارتا ذا غبار، والمراد: المشي «في سبيل الله» أي: في طريق يطلب فيها رضا الله، فشمل طريق الجهاد، وطلب العلم، وحضور الجماعة، والحج، وغير ذلك؛ لأنه اسم جنس مضاعف، يفيد العموم إلا أنَّ المتبادر: «في سبيل الله»: الجهاد. فيض القدير (6/ 76).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«من اغبرَّت قدماه» أصابها غبار «في سبيل الله» في الجهاد، أو في طريق يطلب فيها مرضاة الله، فيشمل الخارج إلى الصلاة، ولطلب العلم، ولغير ذلك. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 125).
وقال محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «اغبرَّت قدماه» أي: أصابها الغبار، وإنما ذكر القدمين، وإن كان الغبار يَعُمُّ جميع البدن عند ثَوَرَانه؛ لأن أكثر المجاهدين في ذلك الزمان كانوا مشاة، والأقدام تَتَغَبَّر على كل حال، سواء كان الغبار قويًا، أو ضعيفًا؛ ولأن أساس ابن آدم على القدمين، فإذا سلمت القدمان من النار سلم سائر أعضائه منها. كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري (10/ 83).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فهذا في الغبار الذي يصيب الوجه والرجل، فكيف بما هو أشَقُّ منه كالثلج والبرد والوحل!؛ ولهذا عاب الله -عز وجل- المنافقين الذين يتعللون بالعوائق، كالحر والبرد، فقال -سبحانه وتعالى-: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} التوبة: 81. مجموع الفتاوى (28/ 419).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«من اغبرَّت قدماه في سبيل الله» أي: من مشى في أي طريق يؤدي إلى طاعة الله تعالى من حج، أو عمرة، أو صلاة جماعة، أو جمعة، حتى اغبَّرت قدماه من الطريق التي سار فيها. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (2/ 246).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«سبيل الله» عامٌّ بالإضافة، فيشْمَل الجمعة. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (4/ 283).
وقال ابن قرقول -رحمه الله:
قوله: «في سَبِيلِ اللهِ» يعني: في جميع الطرق الموصلة إلى الله -عز وجل-، وهي طاعته. مطالع الأنوار على صحاح الآثار (5/ 444).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
فيه: استعمال اللفظ في عمومه، لكن المتبادر عند الإطلاق من لفظ: «سبيل الله»: الجهاد. إرشاد الساري (5/ 49).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
سَوْق الحديث دالٌّ على أنَّ المراد بالسبيل ليس هو الجهاد، فإن كان كذلك فالحكم في الجهاد ثابت بطريق الأولوية، وإنْ كان إثبات الحكم في الجمعة؛ لأنه مورد الرواية، ومراد بها، بل لأنه من أفراد سبيل الله.
والمراد بالسبيل في الرواية عامٌّ، فإثبات الحكم في الجهاد؛ لكونه أحد أفراده، كما أنَّ الجمعة وغيرها منه. الكوكب الدري على جامع الترمذي (2/ 429).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
سبيل الله: كل طريق خير، ومنه المشي إلى الجمعة. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (3/ 31).
وقال الحميدي -رحمه الله-:
«من اغبرَّت قدماه في سبيل الله» إشارة إلى السعي فيها، وحملها هذا الصاحبُ الراوي على العموم؛ إذ بشَّر بذلك من سعى إلى الجمعة، وخطا إليها. تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم (ص: 220).
قوله: «حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
وإذا كان هذا في اغبرار قدميه، فكيف ببذله نفسه للقتال، وكفاح الأعداء؟!.
قال في المطامح: فيه تنبيه على فضيلة المشي على الأقدام في الطاعات، وأنها من الأعمال الراجحة التي يَستوجب بها العبد رفيع الدرجات. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 125).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«حرَّمه الله» كُلَّهُ «على النار» أبلغ من قوله: أدخله الجنة، وإذا كان ذا في غبار قدميه، فكيف بمن بذل نفسه فقاتل وقُتل في سبيل الله؟!
فيه: تنبيه على فضيلة المشي على الأقدام للطاعات، وأنه من الأعمال الرابحة التي يَستوجب العبد بها معالي الدرجات، والفردوس الأعلى. فيض القدير (6/ 76).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
المراد من التحريم -«حرَّمه الله»- إما ابتداءً؛ أو خلودًا كما في نظائره. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (3/ 31).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقال ابن المنير: إنَّ الله أثابهم بخطواتهم، وإن لم يباشروا قتالًا، وكذلك دل الحديث: على أنَّ مَن اغبرَّت قدماه في سبيل الله، حرَّمه الله على النار، سواء باشر قتالًا أم لا. فتح الباري (6/ 29).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
من فوائده:
- ما ترجم له المصنِّف -رحمه اللَّه تعالى- وهو: بيان ثواب من اغبرَّت قدماه في سبيل اللَّه تعالى.
- ومنها: فضل الجهاد في سبيل اللَّه تعالى.
- ومنها: أنَّ سبيل اللَّه يعمُّ جميع فعل الطاعات، كما هو رأي الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، حيث إنَّ الصحابيّ -رضي اللَّه تعالى عنه- استدلَّ بهذا الحديث على فضل المشي إلى الجمعة. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (26/ 147).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
ويُستفاد منه: فضل المشي إلى الطاعات عامة، وإلى صلاة الجمعة خاصة؛ لأنَّها من أفضل الطاعات التي يُتَقَرَّب بها إلى الله تعالى. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (2/ 246).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)