السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَمرَ بزكاةِ الفطرِ أنْ تُؤَدَّى قبلَ خروجِ الناسِ إلى الصلاةِ».


رواه البخاري برقم: (1509)، ومسلم برقم: (986)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.


شرح الحديث


قوله: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَمر بزكاة الفطر أن تُؤَدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«بزكاة الفطر» أي: بإخراجها. منحة الباري بشرح صحيح البخاري (3/604).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
سميت زكاة لما فيها من التنمية، تنمية الخلق؛ لأنها تجعل الإنسان في عِدَاد الكرماء، وتنمية المال؛ لأن كل شيء بَذَلْتَه من مالكَ ابتغاء وجه الله فهو تنمية له، وتنمية الحسنات؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ عليها حتى ما تجعله فِي فِيِّ امرأتك». الشرح الممتع على زاد المستقنع (6/149).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
ثم قيل لزكاة الفطر: فطرة، والفطرة الخِلقة، ومنه قول الله -جل وعز-: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} الروم: 30، أي: جِبِلَّتَه التي جَبَلَ الناس عليها، يُراد: أنها صدقة عن البدن والنفس، كما كانت الزكاة الأُولى صدقة عن المال. غريب الحديث (1/ 184).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- معلقًا:
فكأنه يريد: الصدقة عن البدن والنفس، شُرعت تزكية للنفس وتطهيرًا لها، وتنمية لعملها، فيزول الرَّفَث واللَّغو، ولإغْنَاء الفقراء. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (10/628-629).
وقال موفق الدين ابن قدامة -رحمه الله-:
وأُضيفت هذه الزكاة إلى الفطر؛ لأنها تجب بالفطر من رمضان. المغني (2/ 646).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
(و) هل الإضافة من إضافة الشيء إلى زمنه أو سببه؟ إذا قلنا: إلى سببه، فمعناه: أن الصغار لا فطرة عليهم؛ لأنهم لا يصومون، وإذا قلنا: إلى زمنه، وجبت على الصغار ومن لا يستطيع الصوم لِكِبَرٍ ونحوه. الشرح الممتع على زاد المستقنع (6/149).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«قبل خروج الناس إلى الصلاة» أي: قبل صلاة العيد، وبعد صلاة الفجر. إرشاد الساري (3/89).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
هذا أمرُ استحباب؛ لجواز التأخير عند الجمهور. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1500).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
السُّنة إخراج زكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة، لأَمْرِ النبي بذلك، وروي هذا عن ابن عباس، وابن عمر وعطاء، وهو قول مالك والكوفيين (الأحناف). شرح صحيح البخاري (3/566).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
بهذا الحديث أخَذَ جمهور العلماء مالك وغيره، واستحبوه لينتفع بها المساكين، ويُغْنَوْا عن طواف ذلك اليوم، كما جاء في الحديث، وكرهوا تأخيرها عن يوم الفطر، ورخَّص بعضهم في تأخيرها، وقاله مالك وأحمد بن حنبل، وجعله بعض شيوخنا خلافًا من قول مالك. إكمال المعلم (3/485).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: دليل للشافعي والجمهور في أنه لا يجوز تأخير الفطرة عن يوم العيد، وأن الأفضل إخراجها قبل الخروج إلى المصلى. شرح صحيح مسلم (7/63).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
متى تجب؟ عندنا (الشافعية) ثلاثة أقوال: أصحها بأول ليلة العيد، وثانيها: بطلوع الفجر، وثالثها: بهما، وعند المالكية أربعة أقوال: مشهورها: ليلة الفطر، وطلوع الفجر يومه (أي العيد)، وطلوع الشمس، وما بين الغروبين، وفائدته: فيمن وُلد أو مات أو أسلم أو بِيْعَ فيما بين ذلك.
وعبارة ابن بَزِيْزَة: تجب بالغروب، وقيل: بطلوع فجر يوم الفطر، وقيل: تجب وجوبًا موسَّعًا بين الوقتين المذكورين.
وعند الحنفية: تجب وقت طلوع الفجر الثاني من يوم الفطر، ومعرفة وقت أدائها يوم الفطر: من أوله إلى آخره، وبعده يجب القضاء عند بعضهم، والأصح عندهم أن تكون أداءً، وتجب وجوبًا موسعًا، وفي الذخيرة: لا يسقط بالتأخير ولا بالافتقار بعد وجوبها، وقال عبد الملك المالكي: آخر وقتها زوال يوم الفطر. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (10/629).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الذي يَظهرُ لي أنَّ المذهبَ الأول (وهو غروبُ الشَّمسِ من آخرِ يومٍ من رمضان) هو الأرجح؛ لأنَّه أقربُ إلى المعنى؛ إذ إنَّ الصَّدقةَ مُضافةٌ إلى الفِطرِ من رمضان، والفِطرُ من رمضان يتحقَّقُ بانسلاخِ آخرِ يومٍ منه وذلك بغروبِ شمسِه.
فليلةُ العيد ليست منه، بل هي تابعةٌ لما بعدها، وهو يومُ العيد، وهي وقتُ الفِطرِ من رمضان، وأوَّلُها من غروبِ الشَّمس، فيتعلَّقُ الوجوبُ به.
وهذا ظاهرٌ لمن تأمَّل بإنصافٍ؛ فالحقُّ أنَّ الوجوبَ يتعلَّقُ بغروبِ الشَّمسِ من آخرِ يومٍ من رمضان، فمن كان من أهلِ وجوبِ الفِطر حينئذٍ لزمته، ومن لا فلا. البحر المحيط الثجاج (19/137).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ووقت زكاة الفطر الذي لا تجب قبله إنما تجب بدخوله، ثم لا تجب بخروجه: فهو إثر طلوع الفجر الثاني من يوم الفطر، ممتدًا إلى أن تبيَضَّ الشمس، وتحل الصلاة من ذلك اليوم نفسه؛ فمَن مات قبل طلوع الفجر من اليوم المذكور فليس عليه زكاة الفطر، ومن وُلِدَ حين ابيضاض الشمس من يوم الفطر، فما بعد ذلك، أو أسلم كذلك: فليس عليه زكاة الفطر، ومن مات بين هذين الوقتين أو وُلِدَ أو أسلم أو تمادت حياته وهو مسلم، فعليه زكاة الفطر، فإن لم يؤدِّها وله من يؤديها فهي دين عليه أبدًا حتى يؤديها متى أداها. المحلى بالآثار (4/ 265).
وقال ابن حزم -رحمه الله- أيضًا:
فمن لم يُؤدها حتى خرج وقتها فقد وجبت في ذمته، وماله لمن هي له، فهي دين لهم، وحق من حقوقهم، وقد وجب إخراجها من ماله، وحرم عليه إمساكها في ماله، فوجب عليه أداؤها أبدًا، وبالله تعالى التوفيق، ويسقط بذلك حقهم، ويبقى حق الله تعالى في تضييعه الوقت، لا يقدر على جبره إلا بالاستغفار والندامة. المحلى (4/266).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عندي أنَّ ما ذهب إليه ابنُ حزمٍ -رحمه الله- في هذه المسألة أرجحُ المذاهب؛ لحديثِ الباب، حيثُ أمر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن تُؤدَّى قبل خروجِ الناسِ إلى الصلاة، وقد قال الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور: 63.
ولا يتوعَّدُ الله -سبحانه وتعالى- بمثل هذا التوعُّد إلَّا على تركِ واجبٍ، فثبت بذلك وجوبُ أدائها قبلَ الصلاة، فإذا وجبَ حَرُمَ تأخيرُها.
ويؤيِّد ذلك الحديثُ المتقدِّم: «مَن أدَّاها قبلَ الصلاة فهي زكاةٌ مقبولة، ومَن أدَّاها بعدَ الصلاة فهي صدقةٌ من الصدقات»، وهو حديثٌ حسن.
والحاصل: أنَّه لا يجوز تأخيرُها عن الصلاة لما ذُكِر، ولكن لا تسقطُ بالتأخير، بل تكونُ دينًا عليه يجبُ أداؤه أبدًا. البحر المحيط الثجاج (19/138-139).
وقال العراقي -رحمه الله-:
الأفضل إخراجها قبل الخروج إلى الصلاة، وقد صرح بذلك الفقهاء من المذاهب الأربعة، وزاد الحنابلة على ذلك فجعلوا تأخيرها عن الصلاة مكروهًا، وذلك أعلى درجات الاستحباب، هذا هو المشهور عندهم، وقال القاضي منهم: ليس ذلك بمكروه، وزاد ابن حزم الظاهري على ذلك فقال بالوجوب، وأنه لا يجوز تأخيرها عن الصلاة، وعبارته: ووقت زكاة الفطر إثر طلوع الفجر الثاني ممتد إلى أن تبيضَّ الشمس وتحل الصلاة من ذلك اليوم، ثم استدل بهذا الحديث ولا حجة فيه؛ لأن صيغة الأمر محتملة للاستحباب كاحتمالها للإيجاب، وليست ظاهرة في أحدهما بخلاف صيغة افْعَلْ؛ فإنها ظاهرة في الوجوب، فلما ورد هذا الحديث بصيغة الأمر اقتصرنا على الاستحباب؛ لأنه الأمر المتيقَّن والزيادة على ذلك مشكوك فيها. طرح التثريب (4/64).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وإنما شُرع إخراج صدقة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة ليَسْتَغْنِي الفقراء يوم العيد، فإنْ قدَّمها قبل الفطر بيوم أو يومين جاز؛ لأن الغنى يحصل بذلك، ولا تجوز الزيادة على ذلك. الإفصاح عن معاني الصحاح (4/96).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
اختلف في تقديمها، فعندنا: يجوز في كل رمضان، وقيل: وقبله، وقيل: بطلوع فجر أول رمضان، وعن أبي حنيفة: يجوز لسنة وسنتين، وعن خلف بن أيوب: تجوز لشهر، وفي الذخيرة: لا تجوز بأكثر من يوم أو يومين كمذهب أحمد، وقيل: بنصف الشهر كتعجيل أذان الفجر منْ نصف الليل، وقال الحسن بن زياد: يجوز تعجيلها قبل وقت وجوبها، وعند المالكية في جواز تقديمها بيوم إلى ثلاثة حكايته قولين. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (10/629-630).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عندي الأرجح قول من قال: بجواز تقديمها يومًا أو يومين، ولا بأس بثلاثة أيام؛ لما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-، قال: «وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم، أو يومين». البحر المحيط الثجاج (19/139-140).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قال جمهور الفقهاء: لا يجوز تأخير إخراجها عن يوم الفطر، وبه قال الشافعية والحنفية والمالكية، وهو المشهور عند الحنابلة، وحكى ابن المنذر عن ابن سيرين والنخعي أنهما كانا يرخِّصَان في تأخيرها عن يوم الفطر، قال: وقال أحمد: أرجو ألا يكون بذلك بأس، وذكر ابن قدامة أن محمد بن يحيى الكحال قال: قلتُ لأبي عبد الله: فإن أَخْرَجَ الزكاة ولم يعطها، قال: نعم إذا أعدها لقوم. طرح التثريب (4/64).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
المستحب إخراج صدقة الفطر يوم الفطر قبل الصلاة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بها أن تُؤَدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة في حديث ابن عمر، وفي حديث ابن عباس: «من أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة مَقْبُولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات»، فإنْ أخَّرَها عن الصلاة ترك الأفضل؛ لما ذكرنا من السُّنة؛ ولأن المقصود منها الإغناء عن الطواف والطلب في هذا اليوم، فمتى أخَّرها لم يحصل إغناؤهم في جميعه، لا سيما في وقت الصلاة، ومال إلى هذا القول عطاء ومالك وموسى بن وردان، وإسحاق، وأصحاب الرأي. المغني (3/88).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

ما الحكمة من إخراج زكاة الفطر ؟

هل يجوز إخراج زكاة الفطر بعد خروج وقتها وهل تقبل من صاحبها ؟

إذا عجز عن زكاة الفطر فهل تسقط عنه أو تبقى دينا في ذمته ؟


إبلاغ عن خطأ