«ليس مِن رجلٍ ادَّعَى لغيرِ أبيهِ وهو يَعْلَمُهُ إلَّا كَفَرَ، ومَنِ ادَّعَى ما ليسَ له فليسَ منَّا، وليتبوَّأ مَقعدهُ مِن النَّارِ، ومَن دَعا رجلًا بالكُفْرِ، أو قال: عَدُوُّ اللهِ وليسَ كذلك إلَّا حَارَ عليه».
رواه البخاري برقم: (3508) ومسلم برقم: (61) واللفظ له، من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-.
ولفظ البخاري: «ليس مِن رجُلٍ ادعى لغير أبيه - وهو يعلمه - إلا كفر، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم، فليتبوأ مقعده من النار».
غريب الحديث
«لْيَتَبَوَّأْ»:
أي: لينزل منزله من النَّارِ، يقال: بَوَّأَهُ الله منزلًا، أي: أسْكنَه إيَّاه، وتبوَّأتُ منزلًا، أي: اتَّخَذْته، والمـَباءة: المنزِل. النهاية، لابن الأثير (1/ 159).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
يقال: تبوّأ فلان منزلًا، إِذا اتَّخذه...، وتبوَّأ: نَزل وأقام. تهذيب اللغة (15/426، 427).
«حَارَ عليه»:
أي: رجع عليه. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص: 20).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
الحَور: الرجوع، فيُقال: حَارَ، إذا رَجَعَ، قال الله تعالى: {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى} الانشقاق: 14، 15، والعرب تقول: الباطل في حُورٍ، أي: رَجْعٍ ونَقْصٍ، وكل نقصٍ ورجوعٍ حُورٌ. مقاييس اللغة (2/ 117).
شرح الحديث
قوله: «ليسَ مِن رجلٍ ادَّعَى لغيرِ أبيهِ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ليس من رجلٍ»، «من» زائدة، والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأة كذلك حكمها. فتح الباري (6/ 540).
قال ابن علان -رحمه الله-:
«ليس مِن» زائدة للتأكيد. دليل الفالحين (8/ 614).
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ادَّعى لغير أبيه» بتشديد الدال: انتسب «لغير أبيه» واتخذه أبًا. إرشاد الساري (6/ 10).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ادعى لغير أبيه» «ادعى» بفتح الدال والعين، ومفعوله محذوف، والتقدير: ادعى نسبًا لغير أبيه، والجملة صفة «رجل». فتح المنعم (1/ 229).
قوله: «وهو يَعْلَمُهُ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وهو يعلمه» جملة حالية، أي: والحال أنَّه يعلم أنَّه غير أبيه؛ وإنَّما قيد بذلك لأنَّ الإثم يتبع العِلم. عمدة القاري (16/ 80).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«وهو يعلمه» أي: وهو يعلم أباه الحقيقي، أو وهو يعلم أنَّه غير أبيه، والثاني أولى؛ للتصريح في الرواية الثالثة والرابعة (أي: بقوله: «وهو يعلم أنه غير أبيه»)، وجملة «وهو يعلمه» حال من فاعل «ادعى». فتح المنعم (1/ 229).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وهو يعلم» تقييد لا بد منه؛ فإنَّ الإثم إنَّما يكون في حق العالِم بالشيء. المنهاج شرح مسلم (2/ 50).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«وهو يَعلَمُهُ» أي: انتسَبَ لغير أبيه رغبةً عنه، مع عِلمِه به، وهذا إنَّما يفعله أهلُ الجفاءِ والجهلِ والكِبر؛ لِخِسَّةِ مَنصِبِ الأب ودناءته؛ فيرى الانتسابَ إليه عارًا ونقصًا في حقِّه، ولا شكَّ في أنَّ هذا محرَّمٌ معلومُ التحريمِ. المفهم (1/ 254).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وهو يعلمه» أي: وقَصْدُه نفي نسب أبيه عنه، وإلا فلو اشتهر بالنسب إلى جده، أو مَن تبنَّاه مثلًا، فانتسب لذلك لشهرته، غير قاصد انتفاءه مِن نَسَبِهِ، فلا يشمله الوعيد الآتي. دليل الفالحين (8/ 614).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
شَرَطَ الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- العلم؛ لأنَّ الأنساب قد تتراخى فيها مُدَد الآباء والأجداد، ويتعذَّر العلم بحقيقتها، وقد يقع اختلال في النسب في الباطن من جهة النساء، ولا يشعر به، فشرَط العلم لذلك. إحكام الأحكام (2/ 209).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وقد دلَّت الأحاديث المذكورة على أنَّ هذا الحكم مشروط بالعلم بأنَّه غير أبيه، وهذا واضح؛ لأن الإثم إنَّما يترتب على العلم بالشيء المتعمد، لكن هل يدخل في هذا الوعيد كل مَن انتسب إلى غير أبيه مهما كان الهدف من الانتساب، أو هو خاص بما كان على شاكلة التبني الجاهلي الذي يترتب عليه آثار غير شرعية من الإرث وغيره؟
التحقيق: أنَّ هذا الوعيد خاص بالحالة الثانية، أما مَن رغب عن الانتساب لأبيه لمعرَّة فيه، أو انتسب لأخواله للافتخار والتشرف، أو انتسب لأحد أفراد العائلة لشهرته، فلا يدخل في الوعيد المذكور، وإنْ كان لا يخلص من إثم ومؤاخذة. المنهل الحديث (3/ 203).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
انظر لو انتسب لغير أبيه لضرورة، كالمسافر ينزل الخوف به، فيقول: أنا ابن فلان؛ لرجل محترم لصلاح أو غيره، والظاهر أنَّه لا يتناوله الوعيد، بخلاف ما لو انتسب لغير أبيه ليُكرَم أو يُعطَى، هذا الأظهر أنَّه يتناوله الوعيد (لعدم الضرورة إليه).
وانظر لو انتسب لأبيه من زنًا، وكان الشيخ (محمد بن عرفة) يقول: إنه أخف؛ لأنه أبوه لغةً لا شرعًا، ويدلُّ على أنَّه أبوه لغةً حديث جريج، حيث قال الولد: «أبي الراعي فلان» وأما عكس ما في الحديث: وهو أنْ يَنسب الرَّجل إلى نفسه غير ولده، فيحتمل أنَّه من الباب، ويحتمل أنْ لا؛ لأنَّ ما في الحديث عقوق، والعقوق كبيرة، وكان لبعض ذوي الخطط ربيب، فكان يُناديه: يا ولدي، فكان معاصروه يعدونها من مُجَرِّحاته. إكمال إكمال المعلم (1/171).
قوله: «إلَّا كَفَرَ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إلا كفر بالله» كذا وقع هنا «كفر بالله» ولم يقع قوله: «بالله» في غير رواية أبي ذر، ولا في رواية مسلم، ولا الإسماعيلي، وهو أولى، وإنْ ثبت ذاك، فالمراد مَن استحل ذلك مع علمه بالتحريم، وعلى الرواية المشهورة فالمراد كفر النعمة، وظاهر اللفظ غير مراد، وإنَّما ورد على سبيل التغليظ والزجر لفاعل ذلك، أو المراد بإطلاق الكفر أنَّ فاعله فَعَلَ فعلًا شبيهًا بفعل أهل الكفر. فتح الباري (6/ 540).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كَفَرَ» فقيل: فيه تأويلان:
أحدهما: أنَّه في حق المستحل.
والثاني: أنَّه كفر النعمة والإحسان، وحق الله تعالى، وحق أبيه، وليس المراد الكفر الذي يخرجه من ملة الإسلام، وهذا كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «يَكْفُرْنَ» ثم فسَّره بكفرانهن الإحسان، وكفران العشير. المنهاج شرح مسلم (2/ 50).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فمَن فعَلَ ذلك (أي: انتسب لغير أبيه) مستحِلًّا، فهو كافرٌ حقيقةً، فيبقى الحديثُ على ظاهره.
وأمَّا إنْ كان غيرَ مستحلٍّ فيكونُ الكفرُ الذي في الحديثِ محمولًا على كفرانِ النِّعَمِ والحقوقِ؛ فإنَّه قابَلَ الإحسانَ بالإساءة، ومَن كان كذلك صدَقَ عليه اسمُ الكافر، وعلى فِعلِهِ أنه كُفرٌ لغةً وشرعًا على ما قرَّرناه، ويحتملُ أن يقال: أُطلِقَ عليه ذلك؛ لأنَّه تَشَبَّهَ بالكُفَّار أهلِ الجاهليَّةِ، أهلِ الكِبرِ والأنفة؛ فإنَّهم كانوا يفعلون ذلك، والله تعالى أعلم. المفهم (1/ 254).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله: «إلا كَفَرَ» متروك الظاهر عند الجمهور، فيحتاجون إلى تأويله، وقد يُؤَوَّل بكفر النعمة، أو بأنه أطلق عليه "كُفْر" لأنه قارب الكفر؛ لعظم الذنب فيه، تسمية للشيء باسم ما قاربه، أو يقال: بتأويله على فاعل ذلك مستحلًّا له. إحكام الأحكام (2/ 209).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
ولا شك أنَّ الانتفاء من النسب المعروف، والاعتزاء إلى نسب غيره كبيرة؛ لما يتعلَّق به من المفاسد العظيمة. العدة في شرح العمدة (3/ 1379).
قوله: «ومَنِ ادَّعَى ما ليسَ له»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«ومَن ادَّعى ما ليس له» أي: حقًّا، سواء كان مالًا أو غيره. كشف اللثام (5/ 607).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ومَن ادَّعى ما ليس له» عامدًا عالـمًا. دليل الفالحين (8/ 614).
وقال محمد الأبي -رحمه الله-:
فيتناول من يدعي عِلْمًا لا يحسنه، أو يرغب في خطة لا يستحقها، وكل ذلك كان الشيوخ يعدونه جَرْحَة. إكمال إكمال المعلم (1/173).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قد يكون المدعي ما ليس له في باب الأموال، وقد يكون من باب الأقوال، وقد يكون من باب الأحوال، والأجمل للمؤمن التقي أن لا يتسع بماله، فكيف بأنْ يَدَّعِي ما ليس له؟! الإفصاح (2/ 170).
قوله: «فليسَ منَّا»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فليس منَّا» أي: مَن أهل هدينا وأخلاقنا. التنوير (9/ 276).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فليس منا» قال العلماء: معناه: ليس على هدينا، وجميل طريقتنا، كما يقول الرجل لابنه: لست مني. المنهاج شرح مسلم (2/ 50).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فليسَ منَّا» ظاهره: التبرِّي الـمُطلَقُ، فيبقى على ظاهره في حقِّ المستحِلِّ لذلك؛ على ما تقدَّم، ويُتأوَّلُ في حقِّ غير المستحلِّ بأنَّه ليس على طريقة النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ولا على طريقةِ أهلِ دينه؛ فإنَّ ذلك ظلمٌ، وطريقةُ أهلِ الدِّينِ العدلُ، وتركُ الظلم، ويكونُ هذا كما قال: «ليسَ مِنَّا مَن ضَرَبَ الخُدُودَ، وشَقَّ الجُيُوب» ويقرُبُ منه: «مَن لم يَأخُذ مِن شاربِهِ فليس مِنَّا». المفهم (1/ 254).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله -عليه السلام-: «فليس منا» أخف مما مضى فيمن ادعى إلى غير أبيه؛ لأنه أخف في المفسدة من الأولى، إذا كانت الدعوى بالنسبة إلى المال، وليس في اللفظ ما يقتضي الزيادة على الدعوى بأخذ المال المدَّعى به مثلًا، وقد يدخل تحت هذا اللفظ الدعاوى الباطلة في العلوم إذا ترتبت عليها مفاسد.
وقوله: «فليس منا» قد تأوله بعض المتقدمين في غير هذا الموضع، بأنْ قال: ليس مثلنا؛ فرارًا من القول بكفره، وهذا كما يقول الأب لولده إذا أنكر منه أخلاقًا أو أعمالًا: لست مني، وكأنَّه من باب نفي الشيء لانتفاء ثمرته، فإن المطلوب أن يكون الابن مساويًا للأب فيما يريده من الأخلاق الجميلة، فلما انتفت هذه الثمرة نُفيت البُنُوَّة مبالغة. إحكام الأحكام (2/ 209-210).
قوله: «وليَتَبَوَّأْ مَقْعدَهُ مِن النَّارِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وليتبوأ» ينزل «مقعده» محل قعوده الذي أُعد له «من النار». التنوير (9/ 276).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«فليتبوأ مقعده من النار» مِن بَوَّأْتُ المنزل هَيَّأْتُهُ، وأصل الكلام أنْ يقول: فقد تبوأ، وإنَّما عدل إلى صيغة الأمر؛ مبالغة في استحقاقه ذلك، كأنَّه مأمور به مُلزم. الكوثر الجاري (6/ 353).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فليتبوأ مقعده من النار»... معناه: فلينزل منزله منها، أو فليتخذ منزلًا بها، وأنَّه دعاء، أو خبر بلفظ الأمر، وهو أظهر القولين، ومعناه: هذا جزاؤه، فقد يجازى وقد يعفى عنه، وقد يوفق للتوبة فيسقط عنه ذلك. المنهاج شرح مسلم (2/ 50).
وقال الشيخ أحمد النجمي -رحمه الله-:
قوله: «فليتبوأ مقعده من النار» هذا فيه وعيد مؤكد؛ لأنَّ حقوق الآخرين مبنية على المشاحة؛ لذلك فإنه يكون مستحقًّا للعذاب، إلا أنْ يشاء الله -عز وجل- العفو عنه. تأسيس الأحكام (4/ 219).
قوله: «ومَن دعا رجلًا بالكُفْرِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «ومَن دعا رجلًا بالكفر» على تقدير النفي، و"مَن" الزائدة؛ ليصح الاستثناء الآتي، والتقدير: أي: وما من أحد دعا ونادى رجلًا بالكفر بأنْ قال له: يَا كافر. الكوكب الوهاج (2/ 508).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
المستثنى منه محذوف هو جواب الشرط، أي: مَن دعا رجلًا بالكفر باطلًا، فلا يلحقه من قوله ذلك شيء إلا الرجوع عليه.
ويجوز أنْ تكون «مَن» الاستفهامية، وفيه معنى الإنكار، أي: ما يفعل أحد هذه الفعلة في حالة من الأحوال إلا في هذه الحالة. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3113-3114).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأة لو دُعيت بذلك لكان الحكم كذلك. البحر المحيط الثجاج (2/ 405).
قوله: «أو قال: عَدُوُّ اللهِ»:
قال النووي -رحمه الله-:
ضبطنا «عدو الله» على وجهين: الرفع والنصب، والنصب أرجح على النداء، أي: يا عدو الله، والرفع على أنه خبر مبتدأ، أي: هو عدو الله. المنهاج شرح مسلم (2/ 51).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
الحديث نصٌّ في أنَّ نسبة الرجل غيره إلى عداوة الله تعالى تكفير له، وكذا نسبة نفسه إلى ذلك، ودليله قوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلَائِكَتِهِ} البقرة: ۹۸، الآية. إكمال إكمال المعلم (1/171).
قوله: «وليسَ كذلك»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وليس كذلك» أي: ليس كافرًا، ولا عدوًّا لله. التنوير (9/ 276).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وليس كذلك» أي: والحال أنه ليس مثل ما ذكر من كونه كافرًا، أو عدوًّا لله، بل هو مسلم محب لله. مرقاة المفاتيح (7/ 3027).
قوله: «إلَّا حَارَ عليه»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«إلا حَارَ عليه» أي: على القائل، وحار: رجع، ويعني بذلك: وِزرَ ذلك وإثمَهُ. المفهم (1/ 254).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إلا حار» بالحاء المهملة والراء: رجع «عليه» وكان هو الكافر والعدو لله، وهذا دليل أنَّ مَن كفَّر من يُعلم إسلامه كَفَرَ، وليس هو كفر الردة الذي يستحق به القتل، بل عليه إثم الكفر، ويجب عليه التوبة؛ للإجماع على أنَّه لا يُقتل قائل ذلك، ولا يُحكم بِرِدَّتِه. التنوير (9/ 276).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات؛ من حيث إنَّ ظاهره غير مراد؛ وذلك أنَّ مذهب أهل الحق: أنَّه لا يكفر المسلم بالمعاصي، كالقتل والزنا، وكذا قوله لأخيه: كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام، وإذا عُرف ما ذكرناه، فقيل: في تأويل الحديث أوجه:
أحدها: أنَّه محمول على الـمُستحِل لذلك، وهذا يكفر، فعلى هذا معنى «باء بها» أي: بكلمة الكفر، وكذا «حار عليه» وهو معنى «رجعَت عليه» أي: رجع عليه الكفر، فباء وحار ورجع بمعنى واحد.
والوجه الثاني: معناه رجعَت عليه نقيصتُه لأخيه، ومعصية تكفيره.
والثالث: أنَّه محمول على الخوارج المكفِّرين للمؤمنين، وهذا الوجه نقله القاضي عياض -رحمه الله- عن الإمام مالك بن أنس، وهو ضعيف؛ لأنَّ المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون: أنَّ الخوارج لا يكفَّرون كسائر أهل البدع.
والوجه الرابع: معناه: أنَّ ذلك يَؤُوْل به إلى الكفر؛ وذلك أن المعاصي -كما قالوا:- بريد الكفر، ويُخاف على المكثِر منها أنْ يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر، ويؤيد هذا الوجه ما جاء في رواية لأبي عوانة الإسفراييني في كتابه المخرَّج على صحيح مسلم: «فإنْ كان كما قال وإلا فقد باء بالكفر» وفي رواية: «إذا قال لأخيه: يا كافر وجب الكفر على أحدهما».
والوجه الخامس: معناه: فقد رجع عليه تكفيره، فليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير؛ لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا، فكأنه كفَّر نفسه؛ إما لأنه كفَّر مَن هو مثله، وإما لأنه كفَّر مَن لا يُكفِّره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام، والله أعلم. المنهاج شرح مسلم (2/ 49-50).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وهذا وعيد عظيم لمن كَفَّر أحدًا من المسلمين، وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة، وقع فيها خلقٌ كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنة، وأهل الحديث؛ لـمَّا اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم، وخَرَقَ حجاب الهيبة في ذلك جماعة مما ذكرنا، وهذا الوعيد لاحقٌ بهم، إذا لم يكن خصومُهم كذلك. العدة في شرح العمدة (3/ 1381).
وقال الشيخ سليمان اللهيميد -حفظه الله-:
استَدل بالحديث الخوارج على أنَّ فاعل الكبيرة كافر، ومذهب أهل السُّنة والجماعة أنَّ فاعل الكبيرة ليس بكافر، بل مؤمن ناقص الإيمان، وأجاب أهل السنة والجماعة عن حديث الباب وأشباهه التي فيها لفظ الكفر على بعض الكبائر:
- أنَّ المراد المستحل.
- أو المراد الزجر مِن فعلها.
- أو المراد كفر النعمة. إيقاظ الأفهام (6/ 97).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
(و) يؤخذ من قوله: «إلا حار عليه» أنَّ مَن حكم على شخص من المسلمين بالكفر بغير دليل يوجِبه، فإنه يرجع على القائل؛ لأن معنى "حار" رجع عليه، وفي المقابل هل يكون مَن أنكر كفرَ كافرٍ ولم يحكم عليه بالكفر كاليهودي والنصراني والوثني وغير ذلك، هل يكون مَن لم يكفر هؤلاء كافر؟
الجواب: نعم؛ لأنه كذَّب الله -عز وجل- في خبره عنهم بأنهم كفار، وقد أخبر الله -عز وجل- عن اليهود والنصارى أنهم كفار، فقال الله -عز وجل-: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ...} المائدة: 73، وقال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} المائدة: 78، وقال -عز وجل-: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} إلى أن قال: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} المائدة: 64، إلى غير ذلك من الآيات، فمن تحاشى أن يحكم عليهم بالكفر فهو كافر بهذه الآيات التي أنزلها الله -عز وجل- فيهم، وبالله التوفيق. تأسيس الأحكام (4/ 220).
وقال العيني -رحمه الله-:
في الحديث: تحريم الانتفاء من النسب المعروف، والإدعاء إلى غيره.
وفيه: لا بد من العلم للبحث فيما يرتكبه الرجل من النفي أو الإثبات.
وفيه: جواز إطلاق لفظ الكفر على المعاصي؛ لأجل الزجر والتغليظ. عمدة القاري (16/ 80).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: تحريم دعوى ما ليس له في كل شيء، سواء تعلَّق به حق لغيره أم لا. المنهاج شرح صحيح مسلم (2/ 50).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
في الحديث: دليل أنَّه لا يحل لأحد أخذ شيء يعلم باطله، وأنَّه مأثوم، حَكَمَ له به حاكم أم لا، وأنَّ حُكم الحاكم به لا يحلله، كما قال في الحديث الآخر: «فإنَّما أقطع له قطعة من النار» خلافًا لأبي حنيفة. إكمال المعلم (1/ 320).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ويؤخذ من رواية مسلم: تحريم الدعوى بشيء ليس هو للمدعي، فيدخل فيه الدعاوى الباطلة كلها: مالًا وعِلمًا وتعلُّمًا ونسبًا وحالًا وصلاحًا ونعمةً وولاءً، وغير ذلك، ويزداد التحريم بزيادة المفسدة المترتبة على ذلك، واستدل به ابن دقيق العيد للمالكية في تصحيحهم الدعوى على الغائب بغير مسخر لدخول المسخر في دعوى ما ليس له، وهو يعلم أنه ليس له، والقاضي الذي يقيمه أيضًا يعلم أن دعواه باطلة، قال: وليس هذا القانون منصوصًا في الشرع حتى يخص به عموم هذا الوعيد، وإنَّما المقصود إيصال الحق لمستحقه، فترك مراعاة هذا القدر، وتحصيل المقصود من إيصال الحق لمستحقه أولى من الدخول تحت هذا الوعيد العظيم. فتح الباري (6/ 541).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فيه من الفقه: ذكر حَوْب (أي: إثم) مَن ادعى إلى غير أبيه...
وفيه أيضًا: شدة إثم من ادعى ما ليس له، حتى قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس منا» يعني: من المسلمين أو من البررة الصالحين...
وفيه أيضًا: شدة الحظر على من رمى أخاه المسلم بالكفر، فإنه بهذا الحديث على يقين من ارتدادها إليه إنْ لم يكن أخوه كما ادعاه، فليحذر أنْ يقولها أبدًا لمن هو من أمره في شك، وكذلك أن يرميه بالفسق، فإنَّه على سبيله في ارتداده عليه إن لم يكن كما ذكره بيقين. الإفصاح (2/ 170).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
فيؤخذ منه: التنبه على تحريم تكفير الناس بغير مُسوِّغ شرعي، وكفرٍ بَوَاحٍ ظاهر، فإنَّ التكفير والإخراج من الملة أمر خطير، لا يَقْدُمُ عليه إلا عن بصيرة وتثبت وعِلم. تيسير العلام (ص: 624).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
من أعظم الفِرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه.
فتوى علماء اللجنة الدائمة فيمن انتسب إلى غير أبيه لمصلحة دنيوية