السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا طلَع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين».


رواه البخاري برقم: (723)، ومسلم برقم: (723) واللفظ له، من حديث حفصة -رضي الله عنها-.


شرح الحديث


قوله: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«كان رسولُ الله إذا طلع الفجر» أي: تحقق طلوع الفجر الصادق «لا يصلي» من النوافل «‌إلا ‌ركعتين ‌خفيفتين»؛ وذلك ليتسع الوقت للفريضة. دليل الفالحين(6/ 584).
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ركعتين خفيفتين» يريد بهما سُنة الصبح. المفاتيح (2/ 250).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«‌ركعتين ‌خفيفتين» أي: وذلك بتخفيفه أركانهما، باقتصاره على المجزئ منها. دليل الفالحين (6/ 583).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ووقت ركعتي الفجر من حين طلوع الفجر الثاني إلى أن تقام صلاة الصبح، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من الأمَّة. المحلى (2/ 146).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
ويدخل وقتها بطلوع الفجر الصادق، وهو المستطير دون المستطيل. إحياء علوم الدين (1/ 193).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
واختلفوا في التنفل ‌بعد ‌طلوع ‌الفجر، فكرهت طائفة الصلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وابن المسيب ورواية عن عطاء، وحجتهم حديث موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر»، ويروى أيضًا من مُرسلات ابن المسيب عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأجاز ذلك آخرون، روي هذا عن طاوس والحسن البصري، ورواية عن عطاء، قالوا: إذا طلع الفجر فصل ما شئت، ذكر هذا عبد الرزاق. شرح صحيح البخاري (3/ 153، 154).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله في الحديث: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين» حجة في منع التنفل بعد طلوع الفجر بعد الركعتين للفجر، وهو قول مالك والجمهور، إلا أن مالكًا ومَن وافقه يجعله وقت ضرورة لصلاة الليل لمن ترك الوتر حتى أصبح، على خلاف عنه في ذلك سنذكره، ولمن نام عن حزبه من الليل، وقد جاء عنه وعن غيره من أصحابه أنه لا بأس أن يصلي بعد الفجر ست ركعات، قالوا: وما خفَّ، وإنما يكره من ذلك ما كثر؛ حماية لئلا يؤخِّر صلاة الصبح بسبب تطويل النفل وتكثيرهِ حينئذ، وأجاز غيره التنفل حينئذ ما لم يصلِّ الصبح. إكمال المعلم (3/ 66، 67).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قول حفصة -رضي الله عنها-: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين» ظاهره أنه لا يجوز في هذا الوقت نافلة إلا ركعتي الفجر، وقد روى الترمذي حديثًا عن ابن عمر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين» وقال: حديت غريب، وهو ما أجمع عليه أهل العلم، كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، قلت: وهذا الإجماع الذي حكاه الترمذي إنما هو على كراهة التنفل المبتدأ، وأما ما كان منه بحسب سبب فقد ذكرنا الخلاف فيه في باب تحية المسجد، وتخفيفه -صلى الله عليه وسلم- في ركعتي الفجر إنما كان لمبادرته إلى إيقاع صلاة الصبح في أول وقتها، والله -تعالى- أعلم. المفهم (2/ 361، 362).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- أيضًا:
وكذلك اختلفوا في تحية المسجد بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح، فقال بجواز ذلك الشافعي وأحمد وداود، وقال بالمنع أبو حنيفة والليث والأوزاعي، واختُلف عن مالك فيمن ركع ركعتي الفجر في بيته، هل يُحيِّي المسجد أو لا يُحيِّيه؟ قولان عنه، وهذا الخلاف فيمن أراد الجلوس في المسجد، فأما العابر فخفَّف فيه أكثرهم، وهو قول مالك، ومنهم من أمره به، وهو قياس مذهب أهل الظاهر. المفهم (2/ 353).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «ركع ركعتين خفيفتين» فيه أنه يُسن تخفيف سُنة الصبح، وأنهما ركعتان، قوله: «كان إذا طلع الفجر لا يصلي ‌إلا ‌ركعتين ‌خفيفتين» قد يستدل به من يقول: تُكره الصلاة من طلوع الفجر إلا سُنة الصّبح وما له سبب، ولأصحابنا في المسألة ثلاثة أوجه: أحدها: هذا، ونقله القاضي عن مالك والجمهور، والثاني: لا تدخل الكراهة حتى يصلي سُنة الصبح، والثالث: لا تدخل الكراهة حتى يصلي فريضة الصبح، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وليس في هذا الحديث دليل ظاهر على الكراهة، إنما فيه الإخبار بأنه كان -صلى الله عليه وسلم- لا يصلي غير ركعتي السنة، ولم ينه عن غيرها. شرح صحيح مسلم (6/ 2، 3).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وقد كره جماعة من العلماء ‌التنفل ‌بعد ‌أذان ‌الفجر إلى صلاة الفجر بأكثر من ركعتي الفجر؛ لأنه -عليه السلام- لم يزد على ذلك، كما أخرجه مسلم من حديث حفصة، ونهى أيضًا عنه، كما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث ابن عمر، ونقل الترمذي إجماع العلماء عليه، وهو أحد الأوجه عندنا، وبه قال الأئمة الثلاثة، ونقله القاضي عياض عن مالك والجمهور، ومقابله: لا يدخل حتى يصلي سنة الصبح، والأصح: الجواز، وأن الكراهة لا تدخل إلا بفعل الفرض؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «صلِّ ما شئت؛ فإن الصلاة مشهودة مقبولة، حتى تصلي الصبح ثم أَقْصَر» أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن عبسة. التوضيح (6/ 370، 371).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد رخص طائفة من العلماء في بعض الصلوات بعد طلوع الفجر قبل صلاة الفجر، كالوتر وصلاة الليل، روي عن عمر وعائشة في صلاة الليل، وإلى ذلك ذهب مالك في الوتر وقضاء صلاة الليل، وروي عن عطاء.
ونص أحمد عليه في الوتر، وحكى ابن أبي موسى مذهب أحمد جواز قضاء صلاة الليل فيه بغير خلاف، حكاه في المذهب، وحكى الخلاف في بقية ذوات الأسباب، كتحية المسجد وغيرها.
وقال آخرون: لا يدخل وقت النهي حتى يصلي الفجر.
ورُويت الرخصة في الصلاة قبل صلاة الفجر عن الحسن وطاوس.
والمشهور عند عامة أصحاب الشافعي من مذهبه: الرخصة في ذلك حتى يصلي الفجر، وحكي رواية عن أحمد. فتح الباري (5/ 31).
وقال العراقي -رحمه الله-:
الذين قالوا بالنهي في هاتين الصورتين (بعد العصر وبعد الفجر) اتفقوا على أن النهي فيما بعد العصر متعلق بفعل الصلاة، فإن قدَّمها اتسع وقت النهي، وإن أخرها ضاق، فأما فيما بعد الصبح فاختلفوا، فقال الشافعي: هو كالذي قبله، إنما تحصل الكراهة بعد فعل الصبح كما هو مقتضى الأحاديث المتقدمة، وهو رواية عن أحمد، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري.
وذهب المالكية والحنفية إلى ثبوت الكراهة من طلوع الفجر سوى ركعتي الفجر، وهو المشهور عن أحمد، وهو وجه في مذهب الشافعي، قال ابن الصباغ في الشامل: إنه ظاهر المذهب، وقطع به المتولي في التتمة، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عمر وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعن إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون إذا طلع الفجر أن يصلوا إلا ركعتين.
وحكاه ابن المنذر عن العلاء بن زياد وحميد بن عبد الرحمن، قال: ورُويت كراهته عن ابن عمر وعبد الله بن عمر، وليس يثبت ذلك عنهما. طرح التثريب (2/ 188).
وقال العيني -رحمه الله-:
«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا طلع الفجر لا يصلى ‌إلا ‌ركعتين ‌خفيفتين» وهذا يدل على أنه -عليه السلام- ما كان يزيد على ركعتي الفجر، مع حرصه على إحراز فضيلة النوافل. البناية (2/ 71).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
قال قوم: لا يقرأ في ركعتي الفجر، وقال آخرون: يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب خاصة. شرح معاني الآثار (1/ 296).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وأما أقاويل الفقهاء في ‌القراءة ‌في ‌ركعتي ‌الفجر، فقال مالك: أما أنا فلا أزيد فيهما على أمِّ القرآن في كل ركعة؛ لحديث عائشة المذكور في هذا الباب، رواه ابن القاسم عنه، وقال ابن وهب عنه: لا يقرأ فيهما إلا بـأم القرآن، وقال الشافعي: يخفف فيهما، ولا بأس أن يقرأ مع أم القرآن سورة قصيرة، وروى ابن القاسم عن مالك أيضًا مثله، وقال الثوري: يخفف، فإن فاته شيء من حزبه بالليل فلا بأس أن يقرأه فيهما ويطول، وقال أبو حنيفة: ربما قرأت في ركعتي الفجر حزبي من القرآن، وهو مذهب أصحابه.
قال أبو عمر: السنة تشهد لقول مالك والشافعي في هذا الباب، والله الموفق للصواب. التمهيد (15/ 454).
وقال الشيخ محمد بن علي آدم الإتيوبي -رحمه الله-:
الحاصل أن ‌تخفيف ‌ركعتي الفجر هو المستحب، وأن قراءة الفاتحة لا بد منها، ويقرأ معها أحيانًا السورتين المذكورتين في حديث الباب (الكافرون والإخلاص)، أو الآيتين السابقتين في الباب الماضي {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} البقرة: 136 إلى آخر الآية، وفي الأخرى: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} آل عمران: 52، وأما القول بالاقتصار على الفاتحة، فمردود بالأحاديث الصحيحة المذكورة، وكذا القول بعدم القراءة أصلًا باطل؛ لمنابذته للأحاديث الصحيحة الموجبة لقراءة فاتحة الكتاب، ولاستحباب الآيتين السابقتين، أو السورتين المذكورتين في هذا الباب، والله -تعالى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ذخيرة العقبى (12/ 271).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: وتخفيفه لهما -والله أعلم- ‌لمزاحمة ‌الإقامة؛ لأنه كان لا يصليهما في أكثر أحواله حتى يأتيه المؤذن للإقامة، وكان يغلِّس بصلاة الصبح. شرح صحيح البخاري (3/ 161).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واختُلف في ‌حكمة ‌تخفيفهما، فقيل: ليبادر إلى صلاة الصبح في أول الوقت، وبه جزم القرطبي، وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين كما كان يصنع في صلاة الليل؛ ليدخل في الفرض أو ما شابهه في الفضل بنشاط واستعداد تام، والله أعلم. فتح الباري (3/ 46).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وقيل: التخفيف لأنه ورد أن المؤمن يخفَّف عليه الحساب يوم القيامة حتى يكون ‌كقدر ‌ركعتي ‌الفجر، فاستحب تخفيفهما؛ رجاء أن يحصل له ذلك. شرح سنن أبي داود (6/ 289).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
واختلفوا في الوقت الذي يقضي فيه ركعتي الفجر من فاتته، فقالت طائفة: يركعهما بعد صلاة الصبح، هذا قول عطاء وطاوس وابن جريج.
وفيه قول ثان: وهو أن يقضيهما بعد طلوع الشمس، فَعَل ذلك ابن عمر، وبه قال القاسم بن محمد.
وقال مالك: إن شاء قضاهما ضحىً إلى نصف النهار، وإن شاء تركهما، ولا يقضيهما بعد الزوال.
وممن قال: يقضيهما بعد طلوع الشمس: الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، واستحسن ذلك أبو ثور.
وقال أصحاب الرأي: إنْ أحَبَّ قضاهما إذا ارتفعت الشمس.
قال أبو بكر: يقضيهما إذا صلى الصبح أحوط، وإن قضاهما بعد طلوع الشمس يجزيه. الإشراف على مذاهب العلماء (2/ 275، 276).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
واختلف العلماء في الوقت الذى يقضيهما فيه من فاتته، فقالت طائفة: يركعهما بعد صلاة الصبح، هذا قول عطاء وطاوس، ورواية عن ابن عمر، ورواية المزني عن الشافعي، وأبى ذلك مالك وأكثر العلماء؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس»، وقالت طائفة: يقضيهما بعد طلوع الشمس، وروي ذلك عن ابن عمر، والقاسم بن محمد، وهو قول: الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، ورواية البويطي عن الشافعي، وقال مالك ومحمد بن الحسن: يقضيهما بعد طلوع الشمس إن أحب، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يقضيهما من فاتته، وليستا بمنزلة الوتر. شرح صحيح البخاري (3/ 149، 150).
وقال ابن بطال -رحمه الله- أيضًا:
واختلفوا فيمن لم يصلهما وأدرك الإمام في صلاة الصبح أو أقيمت عليه، فقالت طائفة: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، روي ذلك عن عمر وابن عمر وأبي هريرة، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وفيه قول ثان: أنه يصليهما في المسجد والإمام يصلي، روي ذلك عن ابن مسعود، وبه قال الثوري والأوزاعي، إلا أنهما قالا: إن خشي أن تفوته الركعتان دخل مع الإمام، وإن طمع بإدراك الركعة الثانية صلاهما ثم دخل مع الإمام، وقال أبو حنيفة مثله، إلا أنه قال: لا يركعهما في المسجد، وقال مالك: إن دخل المسجد فلا يركعهما، وليدخل معه في الصلاة، وإن كان خارج المسجد ولم يخف أن يفوته الإمام بركعة فليركعهما، وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى فليدخل وليصل معه، ثم يصليهما إن أحب بعد طلوع الشمس. شرح صحيح البخاري (3/ 150).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، وفي رواية: «فلا صلاة إلا التي أقيمت»، فإذا أقيمت الصلاة فلا يشتغل بتحية المسجد ولا بسنة الفجر، وقد اتفق العلماء على أنه لا يشتغل عنها بتحية المسجد، ولكن تنازعوا في ‌سُنة ‌الفجر، والصواب: أنه إذا سمع الإقامة فلا يصلي السُّنة لا في بيته ولا في غير بيته، بل يقضيها إن شاء بعد الفرض، والسُّنة أن يصلي بعد طلوع الفجر ركعتين سُنة والفريضة ركعتان، وليس بين طلوع الفجر والفريضة سنة إلا ركعتان، والفريضة تسمى ‌صلاة ‌الفجر وصلاة الغداة، وكذلك السُّنة تسمى ‌سنة ‌الفجر وسنة الصبح وركعتي الفجر، ونحو ذلك، والله أعلم. مجموع الفتاوى (23/ 264).

ولمزيد من الفائدة يُنظر: 

النهي عن الصلاة بعد طلوع الفجر غير سنة الفجر.

وهل له إذا لم يتمكن من الوتر ليلًا أن يوتر بعد طلوع الفجر؟


إبلاغ عن خطأ