«تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِن جارِ السَّوْءِ في دارِ الْمُقَامِ؛ فإنَّ جارَ الباديةِ يَتَحَوَّلُ عنكَ».
رواه النسائي برقم: (5502) واللفظ له، وابن حبان برقم: (1033) والحاكم برقم: (1951) والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (9106) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه عنه البزار برقم: (8496) بلفظ: كان النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقولُ: «اللهم إنّي أعوذُ بكَ مِن جارِ السّوءِ في دارِ المقَامةِ؛ فإنَّ جارَ البادي ينتقلُ».
صحيح الجامع برقم: (2967)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1443).
غريب الحديث
«السَّوْءِ»:
سوأ: ساءَهُ يَسُوءُه سَوْءًا...: فَعَلَ به ما يَكره، نَقيضُ سَرَّهُ... والسُّوء: الفُجور والمنكر. لسان العرب (1/ 95-96).
«المُقَام»:
أي: دار الإقامة، وهي الجنة (دار الخلود)، وفي الفرق بين الْمُقامة بالضم والفتح وجهان: أحدهما: أنها بالضم دار الإقامة، وبالفتح موضع الإقامة.
الثاني: أنها بالضم المجلس الذي يجتمع فيه للحديث. [النكت والعيون، للماوردي (4/ 475).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
المَقامُ والمُقامُ، فقد يكون كلُّ واحدٍ منهما بمعنى الإقامةِ، وقد يكون بمعنى موضع القِيام؛ لأنك إذا جعلتَه مِن قامَ يقومُ فمفتوح، وإن جعلتَه مِن أقامَ يُقيم فمضمومٌ. الصحاح تاج اللغة (5/ 2017).
«البَادِية»:
اسم للأرض التي لا حَضَرَ فيها. المحيط، للصاحب ابن عباد (9/ 373).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
قيل للبادية: باديةً؛ لبروزها وظهورها؛ وقيل للبريّة: بادية؛ لأنها ظاهرة بارزة...، يقال: بدا لي شيء أي: ظهر. لسان العرب (14/ 67).
شرح الحديث
قوله: «تعوَّذُوا باللهِ مِن جارِ السَّوْءِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«تعوَّذُوا بالله» بصيغة الأمر، وعند الحاكم في مستدركه: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذُ بك من جار السوء...». ذخيرة العقبى (40/ 59).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«تعوَّذُوا بالله...» أي: اطلبوا منه أن يدفع عنكم. مرقاة المفاتيح (1/ 209).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله في حديث أبي هريرة: «استعيذوا...» أمر بالاستعاذة. التنوير (3/ 96).
قوله: «مِن جارِ السَّوْءِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«جار السَّوْء» بفتح السين المهملة، وسكون الواو، من إضافة الموصوف إلى الصفة، وهو قليل...، وفي رواية أحمد... «استعيذوا بالله من شر جار المُقام؛ فإنَّ جار المسافر إذا شاء أن يُزَايِل زَايَلَ» وفي حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه- عند الطبراني: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «اللهم إني أعوذُ بك من يوم السوء، ومن ليلة السوء، ومن ساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء في دار المُقام». ذخيرة العقبى (40/ 59).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«من جار السَّوء» أي: مِن شَرِّهِ. فيض القدير (2/ 106).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ الزوجة أحق باسم الجار من كل أحد؛ لملاصقته بالبدن، فمعنى الجوار: القُرب؛ ولهذا سمَّت العرب الزوجة جارةً؛ لقربها، وقد قال بعضهم في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أعوذ بك من جار السَّوْء في دار المقامة»: إنها الزوجة. فتح القريب المجيب (10/ 576).
قوله: «في دارِ المُقامِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«في دار المُقامة» بضم الميم: الإقامة...، حديث أبي هريرة: «استعيذوا بالله من شر جار المُقام...»... ودار المُقام: دار الإقامة، وهو مستقرُّ الإنسان من الأوطان. التنوير (3/ 96).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«في دار المُقامة» الإقامة؛ فإنه هو الشر الدائم، والأذى الملازم...، وفي رواية الطبراني: «جار السوء في دار الإقامة قاصمة الظَّهْر» وقد ينزل بسببه البلاء، فيعمُّ الصالح والطالح. فيض القدير (2/ 106).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
«في دار المُقامة»؛ حيث إنه في دار المُقامة، أشد منه في دار الترحال؛ فإن الضرر فيها يزول سريعًا؛ بخلاف دار الإقامة يدوم. العدة (3/ 1192).
وقال ماهر مقدم -حفظه الله-:
قوله: «الْمُقامة» بالضم: الإقامة، أي: دار الإقامة، كما في قوله تعالى: {لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} الأحزاب: 13، أي: لا موضع لكم...، وقد استعاذ المصطفى -صلى الله عليه وسلم- «من جار السُّوء في دار المُقامة»؛ لأنه هو الشر الدائم، والأذى الملازم...، ويشمل جارُ المقام: الزوجةَ والخادمَ والصدِيقَ الْمُلازم. شرح الدعاء من الكتاب والسنة (ص: 413).
قوله: «فإنَّ جارَ الباديةِ يتحوَّلُ عنكَ» وفي لفظ: «فإنَّ جارَ البادي ينتقلُ».
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «فإنَّ جار البادية» أي: الذي جاور في البادية، يعني: السفر «يتحوّل عنك» أي: يفارقك بسهولة؛ فلا يطولُ ضرره معك. ذخيرة العقبى (40/ 59).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«فإنَّ جار البادي يتحوَّل» هو الذي يكون في البادية، ومَسْكَنه الْمَضَارب والخيام، وهو غير مقيم في موضعه، بخلاف جار المُقام في المدن، ويروى: «النادي» بالنون. النهاية (1/ 109).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«فإنَّ الجار البادي يتحوَّل عنك» فلا يعظم ضرره. السراج المنير (3/ 33).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإنَّ جار البادية يتحول» أي: جار السفر، وإنما عبَّر عنه بها؛ لأن الأسفار غالبها فيها. التنوير (3/ 96).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فيه: إيماء إلى أنه ينبغي تجنُّب جار السوء، والتباعد عنه بالانتقال عنه إن وجد لذلك سبيلًا، بمفارقة الزوجة، وبيع الخادم، وأن المسافر إذا وجد من أحد من رفقته ما يُذم شرعًا فارقه. فيض القدير (1/ 492).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
في الحديث: دليل على أنه يحسُن الصبر، وعدم الدعاء بزوال الأمر المكروه المعلوم زواله. التنوير (5/ 70).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
* فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- فيمن ابتلي بالسكن مع زملاء السوء.