«إن الله -تعالى- حَجَبَ التوبة عن كلِّ صاحبِ بدعة».
رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم: (4202) واللفظ له، والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (6846) بلفظ «حَجَزَ التوبة..»، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة برقم (2055) بلفظ: «احْتَجَرَ التوبة»، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1620)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (54).
غريب الحديث
«حَجَبَ»:
الحجاب: الستر. حجب الشيء يحجبه حَجْبًا وحِجَابًا، وحَجَبَه: سَتَرَه. لسان العرب (1/ 298).
«حَجَزَ»:
الحَجْزُ: الفصل بين الشيئين، حَجَزَ بينهما يحجز حجزًا وحجَازَة فاحْتَجَزَ؛ واسم ما فصل بينهما: الحاجز. لسان العرب (5/ 331)
«بِدْعَة»:
أبْدَعَ الشيءَ: اخْتَرَعَه لا على مثال...والبِدعةُ الحدث في الدِّين بعد الإكمال، واستَبْدَعَهُ عدَّهُ بديعًا، وبدَّعَهُ تبْدِيعًا نَسَبَهُ إلى البِدعة. مختار الصحاح (ص: 73).
شرح الحديث
قوله: «إن الله -تعالى- حَجَب التَّوبة عن كُلِّ صاحبِ بدعة»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«عن كُل صاحب بدعة» وإن كان زاهدًا متعبدًا فعاقبته خطرة جدًّا، والمراد بالبدعة هنا: أن يعتقد في ذات الله وصفاته وأفعاله خلاف الحق، فيعتقده على خلاف ما هو عليه نظرًا وتقليدًا، فإذا قرب موته فظهرت له ناصية ملك الموت اضطرب قلبه بما فيه، وانكشف له بطلان بعض معتقده، وكان قاطعًا به، فيكون سببًا لبطلان بقية اعتقاداته أو شكِّه فيها، فإن خرجت روحه قبل أن يثبت ويعود إلى أصل الإيمان فهو من أهل النيران. فيض القدير (2/ 200).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«عن كُل صاحب بدعة» تمنع قبولها عنه إذا تاب وهو على بدعة، أو منعه عن التوفيق للتوبة، وتقدم حديث: «إن الله لا يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته» والتوبة من أشرف أعماله. التنوير (3/ 257).
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
ومعنى قولهم: إنَّ البدعة لا يُتاب منها: أن المبتدع الذي يَتَّخذ دينًا لم يشرعه الله ولا رسوله قد زُين له سوء عمله فرآه حَسَنًا، فهو لا يتوب ما دام يراه حَسَنًا لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيِّئ ليتوب منه، أو بأنه ترك حَسَنًا مأمورًا به أمر إيجاب أو استحباب؛ ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حَسَنًا وهو سيِّئ في نفس الأمر فإنه لا يتوب. مجموع الفتاوى (10/ 9)
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
قال طائفة من السلف -منهم الثوري-: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يُتاب منها. وهذا معنى ما روي عن طائفة أنهم قالوا: إن الله حَجَرَ التوبة على كل صاحب بدعة بمعنى أنه لا يتوب منها؛ لأنه يحسب أنه على هدى، ولو تاب لتاب عليه كما يتوب على الكافر. ومن قال: إنه لا يقبل توبة مبتدع مطلقًا فقد غلط غلطًا منكرًا. ومن قال: ما أَذِنَ الله لصاحب بدعة في توبة، فمعناه: ما دام مبتدعًا يراها حَسَنَة لا يتوب منها، فأما إذا أراه الله أنها قبيحة فإنه يتوب منها كما يرى الكافر أنه على ضلال؛ وإلا فمعلوم أن كثيرًا ممن كان على بدعة تبين له ضلالها وتاب الله عليه منها. وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله. مجموع الفتاوى (11/ 684).
وقال ابن القيم-رحمه الله-:
فوائد شتى من خط القاضي أبي يعلى:
أبو الفرج الهمداني سمعت المروزي يقول: سئل أحمد عما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله احتجر التوبة عن صاحب بدعة»، وحجب التوبة إيش معناه؟ فقال أحمد: لا يوفَّق ولا يسير صاحب بدعة لتوبة، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قرأ هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} الأنعام: 159 فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أهل الأهواء والبدع ليست لهم توبة». بدائع الفوائد (4/ 48).
وقال الشاطبي -رحمه الله-:
وأما أن صاحبها ليس له من توبة؛ فلِمَا جاء من قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إن الله حَجَرَ التوبة على كل صاحب بدعة».
وعن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، قال: " كان يقال: يأبى الله لصاحب بدعة بتوبة، وما انتقل صاحب بدعة إلا إلى أشر منها"...
وسبب بُعْدِهِ عن التوبة: أن الدخول تحت تكاليف الشريعة صعب على النفس؛ لأنه أمر مخالف للهوى، وصادٌّ عن سبيل الشهوات، فيثقل عليها جدا؛ لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه، وكل بدعة فللهوى فيها مدخل؛ لأنها راجعة إلى نظر مخترعها لا إلى نظر الشارع، (فإن تعلقت بحكم الشارع) فعلى حكم التبع لا بحكم الأصل، مع ضَمِيْمَةِ أخرى، وهي أن المبتدع لا بد له مِن تعلُّق بشبهة دليل ينسبها إلى الشارع، ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع، فصار هواه مقصودًا بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكنه الخروج عن ذلك وداعي الهوى مستمسك بحسن ما يتمسك به وهو الدليل الشرعي في الجملة؟!.
ومن الدليل على ذلك: ما روي عن الأوزاعي قال: "بلغني أن من ابتدع بدعة ضلالة آلفه الشيطان العبادة، أو ألقى عليه الخشوع والبكاء؛ كي يصطاد به".
وقال بعض الصحابة: "أشد الناس عبادة مفتون"، واحتج بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «يحقر أحدكم صلاته في صلاته وصيامه في صيامه» إلى آخر الحديث.
ويحقق ما قاله الواقع؛ كما نُقل في الأخبار عن الخوارج وغيرهم. الاعتصام للشاطبي (1/ 162-165).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -رحمه الله-:
«إن الله -تعالى- حَجَبَ التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يتوب من بدعته» ومعنى ذلك: أن الإنسان إذا كان مبتدعًا فقد يستمر على بدعته إلى أن يموت عليها، ولا تحصل له التوبة؛ لأنه يظن نفسه على حق، وأما إذا كان صاحب معصية، ويعرف أن هذا ذنب وأنه عاصٍ لله فيه، فهذا هو الذي يُرْجَى له التوبة؛ لأنه يشعر بالخطأ، ويشعر بالتقصير، وأما ذاك فإنه لا يشعر بالتقصير، بل يظن أنه على حق، كما قال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} فاطر:8، فهو يبقى على باطله.
فإذا كان لديه علم ومعرفة فإنه يكون أشد ضررًا على نفسه وعلى غيره، أما على نفسه فبابتعاده عن التوبة، وأنه قد يموت على بدعته، وأما على غيره فباغترار الناس به، فإنهم يظنون أن مقالته تلك قالها بناء على علم. شرح الأربعين النووية (3/ 12).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -رحمه الله- أيضًا:
«إن الله حَجَبَ التوبة عن صاحب بدعة حتى يتوب عن بدعته» فلكونه يظن أنه على حق لا يحصل منه توبة، بخلاف العاصي فإنه يعرف أنه عاص، ويعرف أن فعله محرم فيتوب منه. شرح سنن أبي داود (514/ 27).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
* فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حُكم قبول الصلاة والصيام والحجّ من المبتدع.
* فتوى علماء اللجنة الدائمة: هل تُردّ على المبتدع بدعته فقط أم جميع أعماله؟