السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«قال الله -عزَّ وجلَّ: يُؤذيني ابنُ آدم، يقول: يا خَيْبَة الدهر، فلا يقولنَّ أحدكم: يا خَيْبَة الدهر؛ فإني أنا الدَّهر، أُقَلِّبُ ليلَه ونهارَه، فإذا شِئتُ قَبضْتُهُمَا».


رواه مسلم برقم: (2246)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند مسلم برقم: (2246) بلفظ: «لا ‌تسبوا ‌الدَّهر؛ فإن الله هو الدَّهر».
ورواه البخاري برقم: (4826)، ومسلم برقم: (2246)، بلفظ: «قال الله -عزَّ وجلَّ-: يؤذيني ابن آدم، يسبُّ الدَّهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقَلِّب الليل والنهار».


غريب الحديث


«خَيْبَة الدهر»:
خَاب يَخِيْبُ خَيْبَةً: حُرِمَ، ولم يَنَل ما طلب. لسان العرب، لابن منظور (1/ 368).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الخيبة: الحرمان والخسران، وقد خَابَ يَخِيْبُ ويَخُوب. النهاية (2/ 90).


شرح الحديث


قوله: «قال الله -عزَّ وجلَّ-»:
قال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هذا حديث قدسي، والحديث القدسي هو الذي جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مضيفًا إياه إلى ربه؛ وذلك بأن تكون الضمائر فيه لله -عزَّ وجلَّ-، وليست للرسول -صلى الله عليه وسلم-. شرح سنن أبي داود (598/ 5).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
والحديث القدسي له صيغتان:
الأولى: قال الله -عزَّ وجلَّ، أو يقول الله -عزَّ وجلَّ-.
والثانية: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربِّه. شرح سنن أبي داود (598/ 5).

قوله: «يُؤذيني ابنُ آدم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يؤذيني» بالهمز ويبدل، أي: يقول في حقي «ابن آدم» ما أكره، ويَنسب إليَّ ما لا يليق بي. مرقاة المفاتيح (1/ 96).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
هذا خبر يتضمن النهي، والله تعالى يتأذى من فعل بني آدم، ولكن لا يضره شيء تعالى وتقدس. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 351).
وقال النووي -رحمه الله-:
معناه: يعاملني معاملة تُوْجِبُ الأذى في حقكم. شرح صحيح مسلم (15/ 2).
وقال المظهري -رحمه الله-:
الإيذاء: إيصال شيء يكرهه من القول أو الفعل سواء أثَّر فيه أو لم يؤثر فيه، وإيذاء بني آدم ربهم تعالى لم يؤثر فيه، ولم يضره، بل يضر القائلين، فإذا كان كذلك يكون معنى «يؤذيني ابن آدم»: يقول لي ابن آدم ما أكرهه وأبغضه، ولا يليق بحضرتي. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 107).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
يقال: إنه آذى الله، أو يؤذي الله، ولكن لا يقال: إن الإنسان أضر الله -عزَّ وجلَّ- أو نفع الله، فلا يضاف النفع أو الضر (إلا) إلى العباد، ولكن جاء في القرآن وفي السنة ذكر الإيذاء، وأنه يصدر منهم الإيذاء لله -عزَّ وجلَّ- قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} الأحزاب:57، وقد فُسِّر معنى ذلك بأنهم يحصل منهم الأذى بارتكابهم المعاصي وتركهم الأوامر، فهذا هو الإيذاء، لكن لا تضره هذه المعصية كما أن الطاعة لا تنفعه، وإنما تضر المعاصي أصحابَها، وتنفع الطاعات أصحابَها، والله -عزَّ وجلَّ- لا يصل إليه ضرٌّ ولا نفع، فلا تنفعه طاعة المطيعين، ولا تضره معاصي العاصين -سبحانه وتعالى-، بل هو النافع الضار. شرح سنن أبي داود (598/ 6).

قوله: «ابن آدم»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ويُراد بـ«ابن آدم» هنا: أهل الجاهلية، ومَن جرى مجراهم ممن يطلق هذا اللفظ ولا يتحرز منه، فإن الغالب من أحوال بني آدم إطلاق نسبة الأفعال إلى الدهر فيذمونه ويسفِّهُونه إذا لم تحصل لهم أغراضهم، ويمدحونه إذا حصلت لهم، وأكثر ما يوجد ذلك في كلام الشعراء والفصحاء. المفهم (5/ 547-548).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
المراد من «ابن آدم» هذا الجنس، فلا يلزم أن يكون مِن كلِّ واحد. الكوثر الجاري(8/ 266).

قوله: «يقول: يا خَيْبَة الدهر»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«يقول يا خيبة الدهر» بفتح الخاء المعجمة، أي: يقول ذلك إذا أصابه مكروه. فيض القدير (4/ 481).
وقال العراقي -رحمه الله-:
الخيبة: بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الياء المثناة من تحت، بعدها باء موحَّدة: الحرمان والخسران، وعدم نيل المطلوب، فقول القائل: يا خيبة الدهر، أو واخيبة الدهر، وهو منصوب على النُّدْبَة، وهي نداء متفجَّع عليه حقيقة أو حكمًا، أو متوجَّع منه، كأنه فَقَدَ الدهر؛ لما يصدر عنه من الأمور التي يكرهها فندبه. طرح التثريب (8/ 156).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«الدهر»: هو الزمان مِن أول خَلْقِ الله تعالى العالَم إلى آخر الدنيا، ويقال: بعض الزمان دهر أيضًا. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 107).

قوله في رواية: «يَسُبُّ الدهر»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«يسب الدهر» يروى: «بسب الدهر» بالباء الجارة، وبعدها المصدر المجرور بالباء، ويروى: «يسب الدهر» على أنه فعل مضارع، و «الدهر» منصوب على أنه مفعوله، والسب: الشتم. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 107).
وقال ابن تيمية –رحمه الله-:
من سب الدهر مِن الخلق لم يقصد سبَّ الله سبحانه وإنما قصد أن يسب مَن فعل به ذلك الفعل مضيفًا له إلى الدهر، فيقع السب على الله؛ لأنه هو الفاعل في الحقيقة، سواء قلنا: إن الدهر اسم من أسماء الله تعالى كما قال نعيم بن حماد، أو قلنا: إنه ليس باسم، وإنما قوله: «أنا الدهر» أي: أنا الذي أفعل ما ينسبونه إلى الدهر، ويُوقِعون السبَّ عليه، كما قال أبو عبيدة والأكثرون. الصارم المسلول(ص: 493).
وقال ابن القيم –رحمه الله-:
سابُّ الدَّهر دائر بين أمرين، لا بد له من أحدهما: إما سبُّه لله، أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب مَن فعله فقد سب الله. زاد المعاد (2/ 324).

قوله في رواية: «لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ»:
قال النووي -رحمه الله-:
«لا تسبوا الدهر» أي: لا تسبوا فاعل النوازل؛ فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى؛ لأنه هو فاعلها ومُنزلها، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له، بل هو مخلوق مِن جُملة خلق الله تعالى، ومعنى «فإن الله هو الدهر» أي: فاعل النوازل والحوادث، وخالق الكائنات، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (15/ 3).
وقال الأصبهاني -رحمه الله-:
«‌لا ‌تسبوا ‌الدهر» على تأويل: لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء، ويصيبكم بهذه المصائب. التحرير (ص539).

قوله: «فلا يقولنَّ أحدكم: يا خَيْبَة الدهر»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال الداودي: هو دعاء على الدهر بالخَيبة، وهي كلمة هذا أصلها، فصارت تقال لكل مذموم ومن يسبُّه؛ لما يكون من تغيُّر أصله، فلا بأس؛ لأن الذم يقع على أصله. التوضيح (28/ 601).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«يا خيبة الدهر» ليس هذا النهي مقصورًا على هذا اللفظ، بل يلحق به كل ما في معناه من قولهم: خَرُفَ الفلك، وانعكس الدهر، وتَعِسَ، وما في معنى ذلك. المفهم (5/ 548).

قوله: «فإني أنا الدهر»:
قال ابن تيمية –رحمه الله-:
ذكر شيخنا أبو عبد الله -رحمه الله- يعني: ابن حامد... وقال: لا يجوز أن يُسمى الله دهرًا، والأمر على ما قاله. بيان تلبيس الجهمية (2/ 131).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «أنا الدَّهر» أي: أنَّ الأشياء التي ينسبونها إلى الدَّهر الدهر، أنا مقدرها وخالقها على إرادتي، ألا ترى قوله تعالى: «بِيَدي الأمر أُقَلِّبُ الليل والنهار» والأيام والليالي ظروف الحوادث، فإذا سَبَبْتُم الدهر وهو لا يفعل شيئًا فقد وقع السب على الله؛ لأن السَّاب للدهر من أجلها إنما سبَّه؛ إذ لا فعل للدهر، وكانت الجاهلية تقول: لعن الله هذا الدهر. التوضيح(33/ 436).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الرواية الصحيحة المشهورة فيه برفع «الدهرُ»؛ على أنه خبر (إنَّ) إن جعلنا «أنا» فصلًا، وإن جعلناها مبتدأ فهو خبره، وقد قيدها بعض الناس «الدهرَ» بالنصب؛ على أن تكون ظرفًا يعمل فيه «أُقَلِّب» فكأنه قال: أنا طول الدهر أقلب الليل والنهار، ويكون «أقلب» هو الخبر، والذي حمله على ذلك خوف أن يقال: إن الدهر من أسماء الله تعالى، وهذا عدول عما صح إلى ما لم يصح؛ مخافة ما لا يصح، فإن الرواية الصحيحة عند أهل التحقيق بالضم، ولم يَرْوِ الفتحَ من يعتمد عليه، ولا يلزم من ثبوت الضم أن يكون الدهر من أسماء الله تعالى؛ لأن أسماء الله تعالى لا بد فيها من التوقيف عليها، أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، فيخبر به، وينادى به، كما اتفق في سائر أسماء الله تعالى كالغفور، والشكور، والعليم، والحليم، وغير ذلك من أسمائه، فإنك تجدها في الشريعة، وفي لسان أهلها، تارة يخبر بها، وأخرى يخبر عنها، وأخرى يُدْعَى ويُنادى بها، ولم يوجد للدهر شيء من ذلك، فلا يكون اسمًا من أسمائه تعالى، ثم لو سُلِّمَ أن النصب يصح في ذلك اللفظ على ذلك الوجه، فلا يصح شيء من ذلك في الرواية التي قال فيها: «لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر» ولم يذكر: «أقلب الليل والنهار»، ولا يصح أن يقال: إن هذه الرواية مطلقة، والأولى مقيدة؛ لأنا إن صرنا إلى ذلك لزم نصب «الدهر» بعامل محذوف ليس في الكلام ما يدل عليه، ولزم حذف الخبر، ولا دليل عليه، وكل ذلك باطل من اللسان قطعًا. المفهم (5/ 549-550).
وقال العيني -رحمه الله-:
قلتُ: قوله: «أُقَلِّبُ الليل والنهار»، قرينة قوية دالة على أن المضاف في قوله: «أنا الدهر» محذوف، وأن أصله: "خالق الدهر"؛ لأن الدهر في الأصل: عبارة عن الزمان مطلقًا، والليل والنهار زمان، فإذا كان كذلك يطلق على الله أنه مقلِّب الليل والنهار، بكسر اللام، والدهر يكون مُقَلَّبًا بالفتح، فلا يقال: الله الدهر مطلقًا؛ لأن المقلِّب غير المقلَّب فافهم، وقد تَفَرَّدْتُ به من الفتوحات الربانية، وعلى هذا لا يجوز نسبة الأفعال الممدوحة والمذمومة للدهر حقيقة، فمن اعتقد ذلك فلا شك في كفره، وأما من يجري على لسانه من غير اعتماد صحته فليس بكافر، ولكنه تشبَّه بأهل الكفر، وارتكب ما نهاه عنه الشارع؛ فليتب وليستغفر. عمدة القاري (19/ 167).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «أنا الدهر» معناه: أنا صاحب الدهر، ومدبِّر الأمور التي تنسبونها إلى الدهر، فإذا سبَّ ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور، عاد سبه إليَّ، لأني فاعلها، وإنما الدهر زمانٌ ووقت جعلتُه ظرفًا لمواقع الأمور. أعلام الحديث (3/ 1904).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ومعنى قوله: «أنا الدهر»: أنا مَلِكُ الدهر، ومصرفه، فحُذف اختصارًا للفظ، واتساعًا في المعنى. شرح صحيح البخاري (9/ 337).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
محصل ما قيل في تأويله ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المراد بقوله: «أن الله هو الدهر» أي: المدبر للأمور.
ثانيها: أنه على حذف مضاف، أي: صاحب الدهر.
ثالثها: التقدير: مقلِّب الدهر، ولذلك عقَّبه بقوله: «بِيَدي الليل والنهار»، ووقع في رواية زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: «بيدي الليل والنهار أُجَدِّدُه وأُبْلِيه، وأذهب بالملوك» أخرجه أحمد.
وقال المحققون: مَن نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكنه يكره له ذلك لشبهِهِ بأهل الكفر في الإطلاق. فتح الباري (10/ 565).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
وقد غَلِطَ ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدِّهم الدهر من الأسماء الحسنى؛ أخذًا من هذا الحديث. تفسير القرآن العظيم (7/ 248).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
ويرونه (أي: الدهر) الفاعل لهذه الأشياء، ولا يرونها من قضاء الله -عزَّ وجلَّ، كما قال تعالى عنهم: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} الجاثية: 24. كشف المشكل (3/ 346).

قوله في رواية: «بِيَدِي الأمرُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بيدي الأمر» بالإفراد، وفتح الياء وتسكن، ويجوز التثنية وفتح الياء المشددة للتأكيد والمبالغة، أي: الأمور كلها خيرها وشرها، حلوها ومرها، تحت تصرفي. مرقاة المفاتيح (1/ 96).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«بيدي الأمر» كله، واليد عند بعضهم بمعنى: القُدرة، أي: تقدير الأمور الواقعة في جميع الأزمنة لله تعالى، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه (وهو من التأويل الباطل المخالف لمذهب أهل السنة). شرح سنن أبي داود (19/ 680).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-متعقبًا:
هذا التأويل غير صحيح، وأن الحق هو ما كان عليه السلف؛ أن اليد صفة من صفات الله -سبحانه وتعالى-، أثبتها النص، فنحن نثبتها على مراد الله تعالى، وننزهه تعالى عن مشابهة خلقه، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، فتنبه. البحر المحيط الثجاج (32/ 359).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
إذا فُسر مثل هذا اللفظ بأن كل شيء في ملكه وتحت تصرفه، وكان المقصود به عدم إثبات اليد فهذا تأويل باطل، وإذا أُثْبِتَت اليد وأُثبت لازمها وأثرها الذي هو أن كل شيء في يد الله وفي قبضة الله فإنَّ ذلك كله يكون حقًّا، وإنما المحذور إذا لم نُثبت اليد لله -عزَّ وجلَّ-، وهذا مثل قوله -عزَّ وجلَّ-: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} الملك:1، فإذا أريد به أن الملك ملكه وكل شيء في قبضته وكل شيء في يده -سبحانه وتعالى- مع إثبات اليد فإن ذلك يكون كله حقًّا. شرح سنن أبي داود (176/ 23).

قوله: «أُقَلِّبُ ليله ونهاره»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أقلب ليله» بالإطالة والإقصار والإظلام «ونهاره» بالزيادة والنقصان والإضاءة، وفاعل ما فيهما. الكوكب الوهاج(22/ 385).

قوله في رواية: «أُقَلِّب الليل والنهار»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أقلب الليل والنهار» كما أشاء؛ بأن أنقص فيهما أو أزيد، وأقلب قلوب أهلهما كما أريد. مرقاة المفاتيح (1/ 96).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أقلب الليل والنهار» أي: أتصرف فيهما كيف شئت، وكما قدَّرته من إطالة وإقصار، وإضاءة وإظلام، فمَن سبَّ الدهر فإنه فاعل هذه الأمور عاد سبُّه إلى ربه الذي هو فاعلها. شرح سنن أبي داود (19/ 680).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
إنما عقَّب قوله: «أنا الدهر»، بقوله: «أقلب الليل والنهار»؛ لرفع وهم أن الدهر حقيقة به تعالى، خلافًا لمن زعم ذلك؛ إذ مقلِّب الشيء ومصرِّفه يستحيل أن يكون نفسه. شرح المصابيح (1/ 53).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أجمع المسلمون -وهو مما عُلم بالعقل الصريح- أن الله -سبحانه وتعالى- ليس هو الدهر الذي هو الزمان أو ما يجري مجرى الزمان، فإن الناس متفقون على أن الزمان الذي هو الليل والنهار. مجموع الفتاوى (2/ 494).

قوله: «فإذا شِئتُ قبضْتُهُما»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإذا شئت قبضتهما» عند قيام القيامة وخَراب هذه الدار، وسب الدَّهر والتحرم منه بابٌ فَتَحَهُ الشعراء ودخله الناس كافة، ولا يُعلم أنه جاء في كلام النبوة والسلف الصالح سبه أو نسبة شيء إليه، فعلى البشر أن يزم لسانه بزمام التقوى عن ذلك. التنوير(7/ 601).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
كان من عادة أهل الجاهلية إذا أصابهم شدة من الزمان أو مكروه من الأمر أضافوه إلى الدهر وسبُّوه، فقالوا: بؤسًا للدهر، وتبًّا للدهر، ونحو ذلك من القول؛ إذ كانوا لا يثبتون لله ربوبية، ولا يَعرفون للدهر خالقًا، وقد حكى الله ذلك من قولهم حين قالوا: {ومَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} الجاثية: 24، ولذلك سُموا الدهرية، وكانوا يَرون الدهر أزليًّا قديمًا لا أوَّل له، فأَعْلَمَ الله -تبارك وتعالى- أن الدهر محدَثٌ يقلِّبه بين ليل ونهار، لا فعل له في شيء من خير أو شر، لكنه ظرف للحوادث ومحل لوقوعها، وأن الأمور كلها بيد الله تعالى، ومِن قِبَلِهِ يكون حُدوثها، وهو مُحْدِثُها ومنشئها سبحانه لا شريك له. أعلام الحديث (3/ 1904).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة:
لا يخفى أنَّ مَن سبَّ الصنعة فقد سب صانعها، فمن سب نفس الليل والنهار أقدم على أمر عظيم بغير معنى، ومن سب ما يجري فيهما من الحوادث -وذلك هو أغلب ما يقع من الناس وهو الذي يعطيه سياق الحديث- حيث نفى عنهما التأثير، فكأنه قال: لا ذنب لهما في ذلك، وأما الحوادث فمنها ما يجري بوساطة العاقل المكلَّف، فهذا يضاف شرعًا ولغة إلى الذي جرى على يديه، ويضاف إلى الله تعالى؛ لكونه بتقديره، فأفعال العباد مِن أكسابهم، ولهذا ترتبت عليها الأحكام، وهي في الابتداء خَلْقُ الله، ومنها ما يجري بغير وساطة فهو منسوب إلى قُدرة القادر، وليس لليل والنهار فعل ولا تأثير، لا لغة ولا عقلًا ولا شرعًا، وهو المعني في هذا الحديث، ويلتحق بذلك ما يجري من الحيوان غير العاقل، ثم أشار بأن النهي عن سب الدهر تنبيه بالأعلى على الأدنى، وأن فيه إشارة إلى ترك سب كل شيء مطلقًا إلا ما أَذِنَ الشرع فيه؛ لأن العلة واحدة، والله أعلم، انتهى ملخصًا. فتح الباري (10/ 566).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان أن الأمر كله بيد الله تعالى يتصرف فيه كيف يشاء، وأنه لا دخل لشيء سواه، لا الدهر، ولا غيره، فمَن زعم ذلك فقد افترى على الله كذبًا، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. البحر المحيط الثجاج (36/ 563).

ولمزيد من الفائدة يُنظر الجمع بين حديث: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» وقوله تعالى: { وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} 


إبلاغ عن خطأ