«إنه ليأتي الرَّجل العظيم السَّمين يوم القيامة لا يَزِنُ عند الله جناح بَعوضة، وقال: اقرؤوا: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} الكهف: 105».
رواه البخاري برقم: (4729)، ومسلم برقم: (2785)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
شرح الحديث
قوله: «إنه ليأتي الرَّجل العظيم السَّمين يوم القيامة»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«إنه ليأتي الرجل العظيم» في الطول أو في الجاه «السمين» ولابن مردويه من وجه آخر، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «الطويل العظيم الأَكُول الشَّرُوب». إرشاد الساري (7/ 231).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ليأتي الرجل العظيم» أي: جاهًا ومالًا، أو لحمًا وشحمًا، فيكون قوله: «السمين» عطف بيان له. مرقاة المفاتيح (8/ 3520).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ليأتي» بفتح اللام وهي المؤذنة بالقسم المقدَّر قبلها، المأتي به لتأكيد الأمر وتقويته، «الرجل العظيم» قَدْرًا في الدنيا «السمين» جسمًا «يوم القيامة» ظرف «ليأتي». دليل الفالحين (3/ 60).
قوله: «لا يَزِنُ عند الله جناح بعوضة»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «لا يَزِنُ عند الله جناح بعوضة» أي، لا يعدلها في القَدْرِ والمنزلة، أي: لا قدر له. إكمال المعلم (8/ 315).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
اعلم أن أوزان القيامة إنما تثقل بالمعاني لا بالصور، فإذا كان صاحب جثة وليس فيه من معاني الإيمان ما يثقل الميزان لم يكن له وزن.
وفي هذا الحديث أن السِّمَن ليس مما يمدح به الرجل؛ لأنه من مَمَادِحِ النسوان، فهو على نحو الحِلْيَة التي قال الله -عز وجل-: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} الزخرف: 18. الإفصاح (6/ 305).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«لا يَزِنُ عند الله جناح بعوضة» البعوضة: صغيرة البَقِّ، والإشارة بهذا إلى أنَّ القَدْرَ إنما يكون بالإيمان والتقوى، وكم من عظيم الجثة لا وقع له؛ لأن الوقع إنما يكون بالمعاني لا بالصور. كشف المشكل (3/ 430).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«لا يزن عند الله جناح بعوضة» أي: لا قيمة له ولا قَدْرَ؛ إذ لا عمل له يوزن، فإن الأعمال هي التي تُوْزَنُ -أي: صحتها- لا أشخاص العاملين، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- في عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: «أتعجبون من حُمُوشَة (دِقَّةِ) ساقيه؟ لهي أثقل في الميزان من أُحُد»، أو كما قال، أي: الأعمال التي عمل بها أثقل في الميزان، لا أن ساقيه توضعان في الميزان ولا شخصه كما قد ذهب إليه بعض المتكلمين على هذه الآية فقال: إن الأشخاص توزن!
ويفهم من هذا الحديث: أن السِّمَن المكتسَب للرجال مذموم، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن أبغض الرجال إلى الله الحَبْرُ السَّمين»، وقال في حديث عمران: «ويظهر فيهم السِّمَنُ»، وسبب ذلك: أن السِّمَن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل والشُّرب والدَّعَة والراحة والأمن والاسترسال مع النفس على شهواتها.
وحاصل هذا الحديث يرجع إلى قوله في الحديث الآخر: «إن الله لا ينظر إلى صُوَركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». المفهم (7/ 359، 360).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«لا يزن عند الله جناح بعوضة» أي: ما له قدر ومنزلة؛ لخسَّته وحقارته. شرح المصابيح (6/ 35).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«لا يَزِنُ عند الله جناح بعوضة» كناية عن عدم الاعتداد به، والظاهر أنه أراد السِّمَن حقيقة، ويجوز أن يكون مجازًا عن الرفعة والجاه. الكوثر الجاري (8/ 186).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«لا يزن عند الله جناح بعوضة» وعند ابن أبي حاتم من طريق صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعًا «فيُوزَن بحبَّةٍ فلا يزنها». إرشاد الساري (7/ 231).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا يزن» أي: لا يعدل ولا يُسوى «عند الله جناح بعوضة» أي: لا يكون له عند الله قَدْرٌ ومنزلة، تقول العرب: ما لفلان عندنا وزْنٌ، أي: قَدْرٌ؛ لخِسَّتِه، ومنه حديث: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرًا منها شربة ماء». مرقاة المفاتيح (8/ 3520).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«لا يزن عند الله جناح بعوضة» جملة حالية من فاعل «يأتي»، أي: لا يعدله عند الله، أي: لا قَدْرَ له عنده. دليل الفالحين (3/ 60).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وجمع بعض العلماء بين هذه النصوص بأنَّ الجميع يُوزن، أو أن الوزن حقيقة للصحائف، وحيث إنها تثقل وتخِفُّ بحسب الأعمال المكتوبة صار الوزن كأنه للأعمال، وأما وزن صاحب العمل فالمراد به قَدْرُه وحرمته. وهذا جمعٌ حسن والله أعلم. مجموع الفتاوى (5/ 65)
قوله: «وقال: اقرؤوا: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} الكهف: 105»:
قال الطبري -رحمه الله-:
{فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} الكهف: 105، يقول -تعالى ذكره-: فلا نجعل لهم ثقلًا، وإنما عنى بذلك أنهم لا تثقل بهم موازينهم؛ لأن الموازين إنما تثقل بالأعمال الصالحة، وليس لهؤلاء شيء من الأعمال الصالحة فتثقل به موازينهم. جامع البيان (15/ 429).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
{فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} الكهف: 105. والمعنى: أنهم لا ثواب لهم، وأعمالهم مقابَلة بالعذاب، فلا حسنة لهم تُوزن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النار. الجامع لأحكام القرآن (11/ 66).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} الكهف: 105 فإن قلت: كيف وجه صحة الاستشهاد بالآية، فإن المراد بالوزن في الحديث وزن الجثة ومقداره؛ لقوله: «العظيم السمين» وفي الآية: إما وزن الأعمال؛ لقوله تعالى: {فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} الكهف: 105، وإما مقدارهم، والمعنى: نزدري بهم ولا يكون لهم عندنا وزن ومقدار؟
قلت: الحديث من الوجه الثاني على سبيل الكناية، وذِكْرُ الجثة والعِظَم لا ينافي إرادة مقداره وتفخيمه، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} المنافقون: 4. الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3503).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
{فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} الكهف: 105. أي: لا نثقل موازينهم؛ لأنها خالية عن الخير. تفسير القرآن العظيم (5/ 202).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وقال: اقرؤوا: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} الكهف: 105» أي: قدرًا. شرح المصابيح (6/ 35).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وقال اقرؤوا» القائل في الظاهر هو الصحابي، أو مرفوع من بقية الحديث. عمدة القاري (19/ 49).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وقال:» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- أو أبو هريرة: «اقرؤوا {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} الكهف: 105» أي: لا نجعل لهم مقدارًا، أو لا نضع لهم ميزانًا تُوزن به أعمالهم؛ لأن الميزان إنما يُنصب للذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، أو لا نقيم لأعمالهم وزنًا لحقارتها، وفي هذه الآية من أنواع البديع: التجنيس المغاير، وفيها أيضًا: الاستعارة، فاستعار إقامة الوزن التي هي حقيقة في اعتداله لعدم الالتفات إليهم وإعراض الله عنهم، كما استعار الحبوط في قوله: {فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} الكهف: 105 الذي هو حقيقة في البطلان؛ لذهاب جزاء أعمالهم الصالحة، والحذف في {فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} الكهف: 105. أي: ثمرات أعمالهم؛ إذ ليس لهم عمل فنقيم لهم وزنًا، واستدل به على أن الكفار لا يحاسَبون؛ لأنه إنما يحاسَب من له حسنات وسيئات، والكافر ليس له في الآخرة حسنات فتُوْزَن. إرشاد الساري (7/ 231).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وقال» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- أو أبو هريرة: «اقرؤوا» أي: استشهادًا واعتضادًا: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ} الكهف: 105 أي: للكفار {يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} الكهف: 105، قيل: مقدارًا وحسابًا واعتبارًا، وقيل: ميزانًا، فالتقدير آلة الوزن؛ إذ الكفار الخُلَّص يدخلون النار بغير حساب، وإنما الميزان للمؤمنين الكاملين، والمرائين والمنافقين، والله -سبحانه تعالى- أعلم. مرقاة المفاتيح (8/ 3520).