الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

«إنَّ مثلَ الذي يعمل السَّيِّئاتِ، ثم يعمل الحسَناتِ، كمَثَلِ رَجلٍ كانت ‌عليه ‌دِرعٌ ‌ضيِّقةٌ قد خَنَقَتهُ ثم عمل حسنةً فانفَكَّت حَلْقَةٌ، ثم عمِل حسنةً أخرى، فانفَكَّت حَلْقَةٌ أخرى، حتى يخرج إلى الأرضِ».


رواه أحمد برقم: (17307)، والطبراني في الكبير برقم: (783)، من حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-.
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2854)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (3157).


غريب الحديث


«دِرعٌ»:
الدِّرع: لَبُوس الحديد، تُذكَّر وتؤنَّث، وحكى اللحيانيّ: دِرْعٌ سابغةٌ ودِرْعٌ سابغٌ. المحكم، لابن سيدهِ(2/٨).

«خَنَقَتهُ»:
الخِنَاق: الحبل الذي يخنق به. المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد (4/ 197).
وقال المطرزي -رحمه الله-:
الخنِق بكسر النون ولا يقال بالسكون وهو مصدر خَنَقَه إذا عصر حَلْقَه، والخَنَّاق فاعله، والخِنَاق بكسر الخاء وتخفيف النون ما يخنق به من حبلٍ أو وَتَرٍ أو نحوه. المغرب في ترتيب المعرب (ص: 155).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «إنَّ مَثَلَ الذي يعمل السَّيِّئاتِ، ثم يعمل الحسَناتِ كمَثَلِ رجل كانت ‌عليه ‌درعٌ ‌ضيِّقةٌ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
يعني: عَمَلُ السيئات يضيق صدر الرجل ورزقه، ويحيره في أمره فلا ييسر له أموره ويسود قلبه، ويبغِّضُه في أعين أحبائه، وإذا عَمِلَ الحسنات تُزيل حسناتُه سيئاته، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} هود: 114.
فإذا زالت سيئاته انشرح صدره، وتوسع رزقه، وطاب قلبه، وتيسر له كل أمر، وصار محبوبًا في قلوب الناس، فهذا هو المراد من الحديث. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 202).
وقال الخازن -رحمه الله-:
وقال ابن كيسان: يدفَعُون الذَّنْبَ بالتوبة، وقيل: لا يكافئون الشر بالشر ولكن يدفعون الشر بالخير، وقال القتيبي: معناه إذا سَفِهَ عليهم حَلِمُوا، والسفَّه السيئة والحلم الحسنة، وقال قتادة: ردُّوا عليهم ردًّا معروفًا. وقال الحسن: إذا حُرموا أعطوا، وإذا ظلموا عَفَوْا، وإذا قُطعوا وصلوا. لباب التأويل في معاني التنزيل (3/ 16).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فالخطايا تحيط بصاحبها حتى تهلكه، وقد ضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل الخطايا التي يتلبس بها العبد بمثَل درعٍ ضيقة يلبسها، فتضيق عليه حتى تخنقه، ولا تنفك عنه إلا بعمل الحسنات من توبة أو غيرها من الأعمال الصالحة، ففي المسند، عن عقبة بن عامر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ مَثَل الذي يعمل السيئات ‌ثم ‌يعمل ‌الحسنات كمثَل رجلٍ كانت عليه درع ضيقة ثم خنقته، ثم عَمِلَ حسنة فانفكت حَلْقَةٌ ثم عَمِلَ حسنةً أخرى فانفكَّت حلقة أخرى حتى يخرج إلى الأرض» فلا يخلص العبد من ضيق الذنوب عليه وإحاطتها به، إلا بالتوبة والعمل. روائع التفسير (1/ 104- 105).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«إنَّ مَثَلَ الذي يعمل السيئات» بضيق صدره ورزقه، وتَحَيِّره في أمره، «ثم يعمل الحسنات كمثَل رجل كانت ‌عليه ‌درع». شرح المصابيح(3/ 161).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «إن مثَل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجلٍ ‌عليه ‌درع» الحديث. الدِّرع واحدة الدروع وهي قميص النساء، وهو أيضًا لَبُوس الحديد. فتح القريب المجيب (12/ 479).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنَّ مثل الذي يعمل السيئات، ثم يعمل الحسنات» أي: صفته «كمثل رجل» قُيِّد به لمناسبته بالدرع. مرقاة المفاتيح (4/ 1646).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن مثَل الذي يعمل السيئات» جمع سيئة وهي ما يسوء صاحبه في الآخرة أو الدنيا، «ثم يعمل الحسنات كمثل رجلٍ» بزيادة مثل أو الكاف. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 101).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«كانت عليه درع» بدال مهملة قال ابن الأثير: زردية. فيض القدير (2/ 520).

وقوله: «قد خَنَقَتهُ ثم عمل حسنةً فانفَكَّت حَلْقَةٌ».
قال المظهري -رحمه الله-:
«خنقته» أي: عَصَرَ حلْقَه وترقُوَتَه مِن ضيق تلك الدرع، «فانْفَكَّت» أي: انْحَلَّت وتَوَسَّعَت. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 202).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قد خنَقَتْهُ» أي: عَصَرَتْ حلقه؛ فإنه بعمل السيئات يضيق صدره، ويحيِّره في الأمور، ويبغِّضه إلى الناس، وبعمل الحسنات ينشرح صدره، وتتيسر أموره، ويصير محبوبًا في قلوب الناس، وهذا معنى قوله: «ثم عمل حسنة» أي: أي حسنة كانت، والتنوين للتنكير، وأما قول ابن حجر: أي: أَوْصَلَ نعمةً لمن له قُدرة على فكِّ حِلَقِ تلك الدرع فجازاه بفكِّ واحدة منها فمُوهمٌ للتخصيص، ومُخرج للحديث من التمثيل المعنوي إلى الأمر الحسي، والعجب منه أنه قال: وما قررتُه في عمل حسنة هو الذي يصح به ترتيب الحديث ويتضح به التمثيل، بخلاف ما أوهمَ كلامُ شارح من بقاء الحسنة على معناها من مجرد عَمَلِ العبادة؛ لأنه لا مناسبة بين عملها وفكِّ تلك الحِلَقِ فتأمله. اهـ.
فتأمَّلْنَا فوجدنا كلامه غير معقول المعنى؛ لأن الإحسان إلى شخص مرة بعد أخرى بأن يَفُكَّ في كل مرة حَلْقَةً من حِلَقِ الدرع متعسِّر، بل متعذر عادة، وأيضًا الذي لبس درعًا ضيقة تَخَنَّقَتْ يَقْدِر على خلعها ولا يحتاج إلى أنه يفعل أنواعًا من الإحسان في كثير من الأزمان حتى يخلصه من اختناق درعه، «فانفكت» أي: انحلت «حَلْقَةٌ» بسكون اللام ويُفتح. مرقاة المفاتيح (4/ 1646).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وقوله: «ثم عمل حسنة» هذا في جانب المشبَّه ذكره لبيان التشبيه، أما في انفكاك حلقة الدرع الذي هو المشبَّه به فليس عمل الحسنة معتبرة، فافهم. لمعات التنقيح (5/ 182).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ثم عمل حسنة فانفكَّت» أي تخلَّصت، «حلْقَة» بسكون اللام «ثم عمل» حسنة. «أخرى فانفكت الأخرى» فلا تزال كل واحدة تفك واحدة.
إن قلت: الحسنة بعشر أمثالها فأكثر وهنا ما قوبلت إلا بفكِّ سيئة واحدة؟
قلت: هي كعشر في الإثابة لا في محو السيئة، أو المراد بها كبائرها. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 102).

قوله: «ثم عمِل حسنةً أخرى، فانفَكَّت حَلْقَةٌ أخرى، حتى يخرج إلى الأرضِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«حتى تخرج إلى الأرض» أي: حتى يسقط الدرع إلى الأرض ويخرج ذلك الرجل من ضيق تلك الدرع. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 202).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ثم عمل حسنة أخرى فانفكت حَلْقةٌ أخرى حتى تخرج» أي: تسقط تلك الدرع، «إلى الأرض» ويخرج ذلك الرجل من ضيق تلك الدرع. شرح المصابيح (3/ 162).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم عمل أخرى» أي: حسنة «فانفكت أخرى» أي: حلقةٌ، وهكذا تنفك واحدة بواحدة بعد أخرى «حتى تخرج إلى الأرض» أي: حتى تسقط الدرع. مرقاة المفاتيح (4/ 1646).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
والمقصود: أن عمل السيئات يضيِّق صدر عاملها ويعسِّر عليه أموره، وعمل الحسنات يشرحه وييسر. لمعات التنقيح (5/ 182).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«حتى يخرج إلى الأرض» أي: تنفك عنه وتنفصل ويتخلص صاحبها منها، ومن ضيقها ويشرح صدره ويسهل أمره ويوسع رزقه. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 102).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
والمقصود من الحديث: أن عمل السيئات يضيِّق صدر عاملها، ويحيره في أمره ويعسره عليه فلا تُيَسَّر له أموره ويسودُّ قلبه ويضيق عليه رزقه ويبغِّضه إلى الناس، وإذا عمل الحسنات تذهب حسناته سيئاته كما قال الله -عز وجل-: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} هود: 114، فإذا زالت سيئاته انشرح صدره وتوسع رزقه وطاب قلبه وتيسر له أموره وصار محبوبًا في قلوب الناس، فالحديث تمثيل وبيان لقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} هود: 114. مرعاة المفاتيح (8/ 102).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ومعنى قوله: «حتى تخرج إلى الأرض»: انحلَّت وانفكت حتى تسقط تلك الدروع ويخرج صاحبها من ضيقها، فقوله: «تخرج إلى الأرض» كناية عن سقوطها. فيض القدير (2/ 520).


إبلاغ عن خطأ