«ما أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ ما أَذِنَ لنبيٍّ حَسْنِ الصَّوتِ يَتغنَّى بالقرآنِ، يجهرُ به».
رواه البخاري برقم (7105)، ومسلم برقم (792)، واللفظ له من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (5023): «لم يَأْذَن الله لشيءٍ ما أَذِن للنبي أن يتغنَّى بالقُرآن».
غريب الحديث
«أَذِنَ»:
يقال: أَذِنَ له، إذا اسْتَمَعَ. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص: 299).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
أَذِنَ له أَذَنًا (بفتح الهمز والذال في المصدر): استمع. الصحاح (5/ 2068).
«يَتَغَنَّى»:
يريد: يجهر به، فسَّرَهُ في الحديث: أنَّه من الجَهْرِ، وتَحْسِينِ الصَّوت. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (2/ 137).
شرح الحديث
قوله: «ما أَذِنَ الله»:
قال ابن العربي -رحمه الله-:
«ما أَذِنَ الله لشيء ما أَذِنَ لنبي...» معناه: ما استمع لشيء كسماعه له. المسالك (2/ 314).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
«ما أَذِنَ الله لشيء»: استمع، ويقال: اشتقاقه من الأُذُن؛ لأن السماع يقع بها لذوي الآذان، قال الشاعر:
صُمٌّ إذا سمعوا خيرًا ذُكِرتُ بِهِ *** وإنْ ذُكِرتُ بسوءٍ عندهمْ أَذِنُوا. التوضيح (33/ 550).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «ما أَذِنَ الله لشيء...» إلخ، قلتُ: والإِذنُ فيه بمعنى الاستماع، وكان في الترجمة بمعنى الإجازة، إلَّا أنْ يُقال: إن الله تعالى أجاز نبيه بالقراءة، فلمَّا قَرَأَ استمعها، فاسْتُعْمِلَ الإِذنُ في الاستماع، بهذا الطريق، ثم إن اللغويين صرَّحُوا: بكونه بمعنى الاستماع، وحينئذٍ لا حاجةَ إلى هذا التَّمَحُّل أيضًا. فيض الباري (6/ 586).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
ومنهم من فسّر "الأذن" ههنا بالأمر، والأول (الذي هو: الاستماع) أولى؛ لقوله: «ما أَذِنَ الله لشيء ما أَذِن لنبيٍّ يَتَغَنَّى بالقرآن» أي: يجهر به، والإِذْنُ: الاستماع؛ لدلالة السياق عليه، وكما قال تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} الانشقاق: 1، 2. أي: استمعَت لربها وحُقَّت، أي: وحُقَّ لها أن تستمع أمره وتطيعه، فالإذن ههنا هو: الاستماع؛ ولهذا جاء في حديثٍ رواه ابن ماجه بسند جيد عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لله أشد أَذَنًا إلى الرجل الحَسَنِ الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنَة إلى قَيْنَتِهِ». فضائل القرآن (ص: 180، 181).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «ما أذِن الله» بكسر الذال المعجمة، من الأَذَنِ بفتحتين: ومعناه: الاستماع والاصغاء...، وأما الإذْن بمعنى: الإطلاق والإباحة، فهو بكسر الهمزة وسكون الذال، وليس ذلك مرادًا هنا، وكلاهما مشترك في أن الماضي بكسر الذال، المضارع بفتحها، كفَرِح يَفرَح. مرعاة المفاتيح (7/ 266).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قد جاء في القرآن والسُّنة في غير موضع أنه يخص بالنظر والاستماع بعض المخلوقات كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: مَلِكٌ كذاب، وشيخٌ زان، وعائل مستكبر» وكذلك في "الاستماع"... قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما أَذِنَ الله لشيء كأَذَنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به» وقال: «لله أشد أَذَنًا إلى صاحب القرآن من صاحب القَيْنَة إلى قَيْنَتِه» فهذا تخصيص بالأَذَن وهو: الاستماع لبعض الأصوات دون بعض. مجموع الفتاوى (13/132، 133).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ما أَذِنَ الله» أي: ما اسْتَمَع الله وأصغى، وأصله: أنّ الـمُستَمِع يميل بأُذُنه إلى جهة الـمُستَمَع... وهذا المعنى في حق الله تعالى مُحال، وإنما هو من باب التوسُّع على ما جرى به عُرف التخاطب، وهو منصرِف في حق الله تعالى لإكرام القارئ وإجزال ثوابه، ووجه هذا التوسع: أن الإصغاء إلى الشيء قبولٌ له، واعتناء به، ويترتب على ذلك إكرام الـمُصغَى إليه، فعبَّر عن الإكرام بالإصغاء؛ إذ هو عنه. المفهم (2/ 421).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقبًا:
هذا الذي قاله القرطبي في المعنى المراد بالأذَن هنا أنه بمعنى الإكرام، وإجزال الثواب أراد به أن الكلام من باب المجاز، لا من باب الحقيقة، وهذا غير صحيح؛ لأنه يستلزم عدم إثبات صفة الأَذَن لله -سبحانه وتعالى-، وقد أثبتها له هذا النص الصحيح، فالصواب إثباتها على حقيقتها اللائقة بجلاله -سبحانه وتعالى-، ولا يلزم من ذلك تشبيهه بمخلوقاته؛ لأن صفاته سبحانه وتعالى لا تشبه صفات المخلوق، فلو لزم من إثباتها التشبيه للزم أيضًا في الإكرام، وإجزال المثوبة، اللَّذين أوّلَ بهما القرطبي؛ لأنهما يوصف بهما المخلوق أيضًا، فيقال: إن فلانًا لما استحسن قراءة فلان أكرمه، وأجزل له العطاء، ونحو ذلك.
والحاصل أن إثبات الصفات الواردة في القرآن، والأحاديث الصحيحة بمعناها الحقيقي، لا المجازي، على ما يليق بجلاله -سبحانه وتعالى- هو الحق الذي كان عليه سلف هذه الأمة، الذين أثنى عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «خير القرون قرني...» الحديث. والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى (13/ 17).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
«الأَذَن» في معناه ثلاثة وجوه: منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل؛ لأنه صَرْفٌ للكلام عن ظاهره بغير دليل، ومنها ما لا يصح الجزم بإثباته ولا نفيه.
فالأول: هو الاستماع؛ وهو ثابت بالقرآن؛ لقوله تعالى: {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} الشعراء: 15. وهذا هو الصواب في تفسير الأَذَن؛ فمعنى: «ما أَذِنَ الله» أي: ما استمع.
والثاني: تفسير الأذَن بإكرام القارئ؛ فإنه يتضمن نفي حقيقة الاستماع إلى الله -عز وجل-، مع مخالفته لمعنى الأَذَن في اللغة.
والثالث: تفسير الأذَن بالإصغاء بالأُذُن؛ فإن الأُذُنَ لم يقم دليل على إثباتها ولا نفيها، فيجب الإمساك عن إضافتها إلى الله تعالى نفيًا وإثباتًا. التعليقات على فتح الباري (9/ 69).
قوله: «لِشَيْءٍ»:
قال البرماوي -رحمه الله-:
«لشيء» في بعضها: «لنبيٍّ». اللامع الصبيح (17/ 441).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
«ما أَذِن الله لشيء» إنما هو: ما استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع لنبي يَتَغَنَّى بالقرآن. زاد المعاد (1/ 470).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لشيء» من الأصوات. الكوكب الوهاج (10/ 119).
قوله: «ما أَذِنَ لنبي»:
قال ابن تيمية-رحمه الله-:
أَذِنَ يَأْذَنُ أَذَنًا: أي استمع يستمع استماعًا ... فأخبر أنه يستمع إلى هذا وهذا. مجموع الفتاوى (6/ 235).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«ما أذن لنبي...» وفي لفظ: «كإذنه لنبي». كشف المشكل(3/ 367).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما أَذِنَ الله لشيءٍ كأذَنِهِ لنبيٍّ...» (كما في لفظ مسلم) الألف والذال مفتوحتان، مصدر أَذَنْتُ للشيء أَذَنًا: إذا استمعتُ إليه، ومن قال: «كإذْنِه» فقد وَهِمَ. غريب الحديث (3/ 256).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
ووقع في مسلم من رواية يحيى بن أيوب في هذا الحديث: «كإذْنِه» من (الإِذْنِ) الذي هو: الإباحة والإطلاق، والأول (الذي هو: الاستماع) أولى بمعنى الحديث، وأشهر في الرواية، وقد غلَّط الخطابي هذه الرواية (رواية الإذْن)؛ لأن مقصد الحديث لا يقتضي أنه أراد الإذْن، والفعل من هذا أيضًا (أَذِنَ) كالأول، وإذا كان بمعنى الإعلام، قيل فيه: آذَنَ إِيْذَانًا، وفي خطبة عتبة بن غزوان: "إنّ الدنيا قد آذَنَتْ بِصَرَم". مطالع الأنوار (1/ 228).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ما أَذِن لنبي» أي: مثل ما أذن. الكوكب الوهاج (10/ 119).
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
ولا بد من تقدير مضاف عند قوله: «لنبي» أي: لصوت نبي. مرعاة المفاتيح (7/ 268).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «ما أذن للنبي» قيل: المراد بالنبي هو نبينا -صلى الله عليه وسلم- وقيل: غيره... والمراد جنس النبي. فيض الباري (5/ 485، 486).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طِيبُ الصوت؛ لكمال خَلقهم، وتمامُ الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك. فضائل القرآن (ص: 179، 180).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وهل يلحق بالنبي غيره؟ الظاهر ذلك. التنوير (9/ 339).
قوله: «حَسَنِ الصَّوْتِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حَسَنِ الصوت» صفة كاشفة. مرقاة المفاتيح (4/ 1498).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«ما أذن لنبي حَسَنِ الصَّوْتِ» ومنه الحديث: «ما بعث لنبي حسن الصوت» وهذه الزيادة ما أراها وردت مورد الاشتراط لإذْنِ الله، بل وردت مورد البيان؛ لكون كلّ نبيٍّ حسن الصوت، ومنه الحديث: «ما بعث الله نبيًا إلا حَسَن الوجه، حَسَن الصوت». الميسر(2/ 507، 508).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
«ما أَذِنَ لنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ» قُيّد النبي في هذا الحديث بحسن الصوت، وقد ورد: «ما بَعَثَ الله نبيًا إلا حَسَن الوجه والصوت» (ضعفه الألباني في أصل صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- (2/ 569))، فالمراد نبي يحسن الصوت. لمعات التنقيح (4/ 587).
قوله: «يتغَنَّى»:
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
يقتضي أنْ التَّغني المشروع هو بالقرآن، وأن مَن تغنَّى بغيره فهو مَذموم. الاستقامة (1/ 291).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وقال سفيان: «يَتَغَنَّى» معناه: يَسْتَغْنِى به. أعلام الحديث (3/ 1945).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال سفيان: تفسيره: يستغني به، قلت: احتج بقوله: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} الحجر: 88. قال: وأمر -عليه السلام- أن يُستغنى بالقرآن عن المال. التوضيح (24/ 105).
وقال ابن حجر مستأنساً لرأي ابن عيينة -رحمهما الله-:
ويمكن أن يُسْتَأْنَسَ بما أخرجه أبو داود، وابن الضريس، وصححه أبو عوانة، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله ابن أبي نهيك قال: لَقِيْنِي سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- وأنا في السوق فقال: تَجَّارٌ كَسَبَةٌ!! سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ليس منَّا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن»، وقد ارتضى أبو عبيد تفسير «يَتَغَنَّى» يَسْتَغْنِي، وقال: إنه جائز في كلام العرب، وأنشد الأعشى:
وكنتُ اِمرَأً زَمَنًا بالعراق **خفيفَ المناخِ طويلَ الْتَّغَنّ
أي: كثير الِاسْتِغْنَاء، وقال المغيرة بن حبناء:
كِلانَا غَنِيٌّ عن أخيه حَيَاتَهُ ** ونحن إذا مِتْنَا أشدُّ تَغَانِيًا
قال: فعلى هذا يكون المعنى من لم يستغن بالقرآن عن الإكثار من الدنيا فليس منا، أي: على طريقتنا واحتج، أبو عبيد أيضاً بقول ابن مسعود -رضي الله عنه- "مَن قرأ سورة آل عمران فهو غَنِي"، ونحو ذلك. فتح الباري (9/ 69).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
سُئِلَ الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال: نحن أعلم بهذا، لو أراد -صلى الله عليه وسلم- الِاسْتِغْنَاءَ لقال: مَنْ لم يَسْتَغْنِ بالقرآن، ولكن لما قال -صلى الله عليه وسلم-: «يَتَغَنَّ بالقرآن»، علمنا أنه أراد به الْتَغَنِّي. شرح صحيح البخاري (10/ 260).
وقال الطيبي -رحمه الله:
وقال الشافعي وموافقوه: معناه: تحزين القراءة وترقيقها، واستدلوا بالحديث الاَخر: «زَيِّنُوا القراَنَ بأصواتكم». الكاشف(5/ 1682).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
«يَتغنَّى» به: يجعله هِجِّيْرَاه (دأبه وعادته)، وتسلية نفسه، وذِكْرَ لسانه في كل حالاته، كما كانت العرب تفعل ذلك بالشِّعر والحُدَاء والرجز في قطع مسافاتها، وإسقائها، وحروبها. مطالع الأنوار (5/ 159).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فأما قوله: «يتغنى بالقرآن» فتمسك به من يجوّز القرآن بالألحان، وهو أبو حنيفة، وجماعة من السلف، وقال به الشافعي في التحزين، وكرهه مالك، وأكثر العلماء، ولا أشك أن موضع الخلاف في هذه المسألة إنما هو إذا لم يغيّر لفظ القرآن بزيادة أو نقصان، أو يُبْهِم معناه بترديد الأصوات، فلا يُفهم معنى القرآن، فإن هذا مما لا شك في تحريمه، فأما إذا سَلِم من ذلك، وحذا به حذو أساليب الغناء والتطريب والتحزين فقط، فقد قال مالك: ينبغي أن ننَزِّه أذكار الله، وقراءة القرآن عن التشبه بأحوال الْمُجُون والباطل؛ فإنها حقٌ وَجِدٌّ وَصِدق. والغناء: هزل ولهو ولعب، وهذا الذي قاله مالك وجمهور العلماء هو الصحيح. المفهم (2/ 421).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء -رحمهم الله-: فيستحب تحسين الصوت بالقراءة وترتيبها ما لم يَخرج عن حدِّ القراءة بالتَّمْطِيْطِ ، فإنْ أفرط حتى زاد حرفًا أو أخفاه فهو حرام، وأما القراءة بالألحان (ما يسمى بالمقامات) فقد قال الشافعي -رحمه الله- في موضع: أكرهها، قال أصحابنا: ليست على قولين بل فيه تفصيل: إن أفرط في التمطيط فجاوز الحد فهو الذي كرهه، وإن لم يجاوز فهو الذي لم يكرهه، وقال أقضى القضاة الماوردي في كتابه الحاوي: القراءة بالألحان الموضوعة إن أخرجت لفظ القرآن عن صيغته بإدخال حركات فيه أو إخراج حركات منه، أو قصر ممدود أو مد مقصور، أو تمطيط يخفى به بعض اللفظ ويتلبس المعنى، فهو حرام يَفْسُق به القارئ، ويأثم به المستمع؛ لأنه عَدَلَ به عن نَهْجِه القويم إلى الاعوجاج، والله تعالى يقول: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} الزمر: 28. قال: وإن لم يخرجه اللحن عن لفظه وقراءته على ترتيله كان مباحًا؛ لأنه زاد على ألحانه في تحسينه، هذا كلام أقضى القضاة.
وهذا القسم الأول من القراءة بالألحان المحرمة مصيبة ابتُلي بها بعض الجهلة الطغام الغشمة الذين يقرؤون على الجنائز، وبعض المحافل، وهذه بدعة محرمة ظاهرة، يأثم كل مستمع لها، كما قاله أقضى القضاة الماوردي، ويأثم كل قادر على إزالتها أو على النهي عنها إذا لم يفعل ذلك. التبيان (ص: 110 - 112).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان، أما تَحْسِينُ الصوت، وتقديمُ حَسَن الصَّوت على غيره فلا نزاع في ذلك،...
والذي يتحصل من الأدلة: أن حُسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنًا فليحسِّنه ما استطاع، كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح، ومن جملة تحسينه: أن يُراعى فيه قوانين النَّغَم؛ فإنَّ الْحَسَنَ الصوت يزداد حسنًا بذلك، وإن خرج عنها أَثَّرَ ذلك في حُسْنِه، وغير الْحَسَنِ ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبَر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يفِ تَحْسِينُ الصوت بقبح الأداء. فتح الباري (9/ 72).
قوله: «بالقرآن»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بالقرآن»، أي: بتلاوته، وقيل: مصدر بمعنى القراءة أو المقروء، وقيل: أراد بالقرآن ما يُقرأ من الكتب المنزلة، ويدل عليه تنكير «نبيٍّ». مرقاة المفاتيح (4/ 1497).
وقال السندي -رحمه الله-:
و«القرآن» القراءة، أو كلام الله مطلقًا. الـحاشية على سنن النسائي (2/ 180).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قال سفيان: المراد بالقرآن ما يُقرأ من الكتب المنزلة من كلامه تعالى. التنوير (9/ 338).
قوله: «يَجْهَرُ به»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
وقوله «يَجْهَرُ به» زعم بعضهم أنه تفسير لقوله: «يتغنى به»، قال: وكل من رفع صوته بشيء معلنًا به فقد تَغَنَّى به. معالم السنن (1/ 292).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «يَجْهَرُ به» هو إخراج الحروف في التلاوة عن مساق المحادثة بالأخبار، بإلذاذ أسماعهم بِحُسْن الصوت وَتَرْجِيعه، لا الجهر المنهيِّ عنه الجافي على السامع، كما قال -عز وجل- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} الإسراء: 110. وكما قال تعالى في النبي -صلى الله عليه وسلم-: {وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} الحجرات: 2، وقوله: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} الحجرات: 2، دليل أن رفع الصوت على المتكلم بأكثر من صوته من الأذى له، والأذى خطيئة. شرح صحيح البخاري (10/ 543).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بالقرآن يجهر به»، أي في صلاته، أو تلاوته، أو حين تبليغ رسالته. مرقاة المفاتيح (4/ 1498).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: الإرشاد إلى الجهر بالتلاوة. التنوير (9/ 339).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
فيه: ... أن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، كما يستحب عند التعليم، وإيقاظ الغافل ونحو ذلك، كما في حديث عبد الله بن مغفل: رأيت النبي -صلى الله علَيهِ وسلم - يقرأ وهو على ناقته وهي تسير به، وهو يقرأ سورة الفتح قراءة ليِّنة، يقرأ وهو يُرجِّع. تطريز رياض الصالحين (ص: 587).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
باب استحباب تحسين الصوت بالقراءة، وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع إليه. هاتان مسألتان:
المسألة الأولى: استحباب تحسين الصوت في قراءة القرآن، وتحسين الصوت ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: تحسين الأداء بحيث يُبَيِّن الحروف، ويخرجها من مخارجها حتى يبدو القرآن واضحًا بَيِّنًا فلا يُخفى، ولا يُحذف شيء من الحروف؛ لئلا يَنْقُص شيء مما أنزله الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
الثاني: تحسين النغمة بالصوت، يُحَسِّن به صوتَه، وكلاهما أمر مطلوب، ولكن الأمر الأول تحسين الأداء لا ينبغي المبالغة والغلو فيه، بحيث تجد الرجل يقرأ القرآن يتكلف، ويحمرُّ وجهه، ويتكلف في الغُنَّة، وفي الإدغام، وفي مثل ذلك، فإن هذا من إقامة الحروف المتكلَّفة، ولكن لتكن قراءته طبيعية يبين فيها الحروف والحركات، هذا هو المطلوب، وأما الغلو والمبالغة فإنهما ليسا مطلوبَين، وبه نعلم أن تعلُّم التجويد ليس بواجب؛ لأنه يعود إلى تحسين الصوت بدون غلو ولا مبالغة، فهو من الأمور المستحبة التي يتوصل بها الإنسان إلى شيء مستحب لا إلى شيء واجب.
وأما القسم الثاني: هو تحسين الصوت، فقد يقول قائل: حُسْنُ الصوتِ ليس باختيار الإنسان؛ لأن الله تعالى هو الذي يمنُّ على من يشاء من عباده فيعطيه حنجرة قوية وصوتًا طيبًا، فيقال: نعم، الأمر كذلك، لكن يُحَسِّنُ الإنسان الصوت بالتعلم؛ لأن حُسْنَ الصوت غريزيٌ ومكتسبٌ، فلا يزال يقرأ بصوت حسن حتى يتعلم. شرح رياض الصالحين (4/ 660 - 663).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (الحديث): منها ما بَوَّب له المصنف، وهو استحباب تزيين القرآن بالصوت الحسن.
ومنها: استحباب الاستماع لقراءة قارئ حَسَن الصوت...
ومنها: إثبات صفة الأَذَن -بفتحتين- بمعنى الاستماع لله -سبحانه وتعالى- على ما يليق بجلاله...
ومنها: استحباب التغني بقراءة القرآن بشرط ألا يُخِل بقوانين الأداء، كما قرَّره أهل القراءة. ذخيرة العقبى (13/ 19).
وللمزيد من الفائدة يُنظر:
- مَن أحسن الناس صوتًا بالقرآن؟
- كيف تجعل تلاوتك للقرآن أكثر جمالًا؟