«لا يَفْرَكْ مُؤمنٌ مؤمنةً، إنْ كَرِهَ منها خُلُقًا رضِيَ منها آخرَ».
رواه مسلم برقم: (1469)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
غريب الحديث
«لا يَفْرَكْ»:
أي: لا يبغضها. النهاية، ابن الأثير(3/ 441).
شرح الحديث
قوله: «لا يَفْرَكْ ُمؤمنٌ مؤمنةً»:
قال المنذري -رحمه الله-:
«يفرك» بسكون الفاء وفتح الياء والراء أيضًا وضمِّها شاذ أي: يبغض. الترغيب والترهيب (3/ 32).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «لا يفرك مؤمن مؤمنة» بفتح الياء والراء وقد تُضم الراء، أصله في النساء يقال: فَرَكَت المرأة زوجها تَفْركه بكسر الراء في الماضي، وفتحها وضمها في المستقبل فِرْكًا وفَرْكًا وفُرُوكًا إذا أَبْغَضَتْهُ، واستعماله في الرجال قليل، وفي رواية العذري: «لا يفرك مؤمن من مؤمنة» و«من» هنا زائدة وهمًّا، وأراها تكررت الميم والنون من مؤمن، وقد حُكيَ الفَرْكُ عامًا في الرجال والنساء، قال يعقوب: الفَرْكُ البغض ومنه قولهم: إنها حسناء فلا تُفْرَكُ. مشارق الأنوار (2/ 151).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- أيضًا:
وقوله: «لا يفرَك مُؤمن مؤمنة» أي: لا يبغضها، ليس على النهي بل على الخبر: أي لا يبغضها بغضًا تامًا أي: أن بُغض الرجال للنساء بخلاف بغض النساء للرجال، ألا تراه كيف قال: «إنْ كَرِهَ منها خُلقًا رضيَ منها آخر»؟! وأصل الفَرْك إنما هو في النساء، واستُعمل في الرجال قليلًا وتَجَوُّزًا، كما جاء هنا، وكما قال في الخبر المعروف: "حسنًا فلا تفرك" أي: لا تبغض. إكمال المعلم (4/ 680- 681).
وقال النووي -رحمه الله- متعقبًا:
قال القاضي عياض: هذا ليس على النهي قال: هو خبر... هذا كلام القاضي، وهو ضعيف أو غلط، بل الصواب أنه نهي، أي: ينبغي ألا يبغضها؛ لأنه إن وجد فيها خُلقًا يُكره وجد فيها خُلقًا مرضيًّا، بأن تكون شرسة الخُلُق لكنها ديِّنة أو جميلة أو عفيفة أو رفيقة به أو نحو ذلك، وهذا الذي ذكرتُه من أنه نهي يتعين لوجهين:
أحدهما: أن المعروف في الروايات: «لا يَفْرَكْ» بإسكان الكاف لا برفعها وهذا يتعين فيه النهي، ولو روي مرفوعًا لكان نهيًّا بلفظ الخبر.
والثاني: أنه قد وقع خلافُه فبعض الناس يبغض زوجته بغضًا شديدًا، ولو كان خبرًا لم يقع خلافه، وهذا واقع وما أدري ما حمل القاضي على هذا التفسير. شرح صحيح مسلم (10/ 59- 59).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
والفَرْكُ بفتح الفاء وإسكان الراء البغض، والمراد من «المؤمنة»: الزوجة، والكلام على النهي، وليس على الإخبار؛ لأن الواقع أن بعض الناس يبغض زوجته بغضًا شديدًا...، والمعنى: لا ينبغي أن يبغض مؤمن مؤمنة، أي: زوج زوجته بغضًا شديدًا يؤدي إلى ظلمها وتركها. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (6/ 46).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله: «لا يفرك مؤمن مؤمنة» أي: لا يبغضها بغضًا كليًّا يحمله على فراقها؛ أي: لا ينبغي له ذلك. المفهم (4/ 222).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
ولم يُسمع هذا الحرف (الفرك) في غير الزوجين. الميسر في شرح مصابيح السنة (3/ 767).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
وقوله: «لا يفرك» نفي في معنى النهي، أي: لا ينبغي للرجل أن يبغضها؛ لِمَا يرى منها فيكرهه. تحفة الأبرار (2/ 373).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «لا يفرك مؤمن مؤمنة» فَرَكَ: إذا أبغض؛ يعني: لا يبغض الزوج زوجته بأن يرى منها سوء أدب. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 79).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «لا يفرك» فَرَكَ يَفْرِكُ كضرب يضرب، أي: لا يبغض مؤمن مؤمنة. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 481).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الفَرْكُ: يعني البغضاء والعداوة، يعني: لا يعادي المؤمن المؤمنة كزوجته مثلًا، لا يعاديها ويبغضها إذا رأى منها ما يكرهه من الأخلاق؛ وذلك لأن الإنسان يجب عليه القيام بالعدل، وأن يراعي المعامل له بما تقتضيه حاله، والعدل أن يوازن بين السيئات والحسنات، وينظر أيهما أكثر وأيهما أعظم وقعًا، فيغلِّب ما كان أكثر وما كان أشد تأثيرًا؛ هذا هو العدل.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} المائدة: 8، يعني لا يحملكم بغضهم على عدم العدل، اعدلوا ولو كنتم تبغضونه...، فالشاهد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر أن يكون الإنسان حاكمًا بالعدل والقسط، فقال: «لا يفرك مؤمن مؤمنة» يعني لا يبغضها لأخلاقها. شرح رياض الصالحين (3/ 122- 123).
قوله: «إن كَرِهَ منها خُلُقًا رضِيَ منها آخرَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إن كَرِهَ منها خُلقًا» لا يوافقه «رضي منها» خُلقًا «آخر» يوافقه فيقابل هذا بذاك. الكوكب الوهاج (16/ 157).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وبيَّن وجه النفي بقوله: «إنْ كره منها خُلقًا» يبغِّضُها إليه، «رضي منها» خُلقًا «آخر»؛ إذ لا بد للمؤمن من خُلق يكره به إلى غيره وخُلق يحببه إليه، ولذا يقال:
وإذا الحبيبُ أتى بذنب واحدٍ … جاءت محاسنُه بألف شفيعِ.
التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 481).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
فإنه «إنْ كره منها خُلقًا رضي منها آخر» يعني: لا يكون جميع أخلاقها سيئة، بل يكون فيها خُلُق حسن في مقابلة الخلق السَّيئ. شرح المصابيح (4/ 6).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنْ كره منها خُلُقًا» بضمتين ويسكن الثاني «رضي منها آخر» أي: خُلقًا آخر...، وفيه إشارة إلى أن الصاحب لا يوجد بدون عيب، فإن أراد الشخص بريئًا من العيب يبقى بلا صاحب، ولا يخلو الإنسان -سيما المؤمن- عن بعض خصال حميدة، فينبغي أن يراعيها ويستر ما بقيها. مرقاة المفاتيح (5/ 2118).
وقال المظهري -رحمه الله-:
فإنه إن صدر منها فعلٌ غير مُرضي له، يصدر منها أفعال مرضية له، فليعفُ عنها أفعالها غير المرضية؛ لأجل أفعالها المرضية. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 79).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
والمراد من الحديث: أن المؤمنة يحملها الإيمان على استعمال خصال محمودة يحبها المؤمن، فيحمل ما لا يحبه لما يحبه. كشف المشكل (3/ 591).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
بل يَغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب. المفهم (4/ 222).
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
والمقصد: لا ينبغي للرجل أن يبغض المرأة؛ لأنه إنْ كره منها شيئًا رضي شيئًا آخر، ولا يكون جميع صفاتها سيئة، وهذا حثٌّ على حسن العشرة والصبر على سوء خُلقهن. لمعات التنقيح (6/ 110).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن المؤمن لا يخلو من خُلق حسن، فإنه إذا كانت المرأة مؤمنة لم يطَّرد فيها ما يكرهه المؤمن، والمؤمنة يحملها الإيمان على استعمال خصال محمودة يحبها المؤمن فيحمل ما لا يحب لما يحب، وإنما يَكره المؤمن من المؤمنة الخُلق الذي لا يرضاه، وفيها الخُلق الذي يرضاه، وبعد أن يكون إيمانها موجودًا فإنه يغتفر لذلك ما يكون منها. الإفصاح (8/ 191).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
والحديث... فيه الإرشاد إلى ملاطفة النساء، والصبر على ما لا يستقيم من أخلاقهن، والتنبيه على أنهن خُلِقْنَ على تلك الصفة التي لا يفيد معها التأديب أو ينجح عندها النصح، فلم يبق إلا الصبر والمحاسنة وترك التأنيب والمخاشنة...
وفيه: الإرشاد إلى حُسن العشرة والنهي عن البغض للزوجة بمجرد كراهة خُلق من أخلاقها، فإنها لا تخلو مع ذلك عن أمر يرضاه منها، وإذا كانت مشتملة على المحبوب والمكروه فلا ينبغي ترجيح مقتضى الكراهة على مقتضى المحبة. نيل الأوطار (6/ 244).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
وهذا حث على حُسن العِشرة والصُّحبة والصبر على سوء خُلُقهن. شرح المصابيح (4/ 6).
وقال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-:
هذا الإرشاد من النبي -صلى الله عليه وسلم- للزوج في معاشرة زوجته من أكبر الأسباب والدواعي إلى حسن العِشرة بالمعروف، فنهى المؤمن عن سوء عشرته لزوجته، والنهي عن الشيء أمر بضده. وأمره أن يلحظ ما فيها من الأخلاق الجميلة، والأمور التي تناسبه، وأن يجعلها في مقابلة ما كره من أخلاقها؛ فإنَّ الزوج إذا تأمل ما في زوجته من الأخلاق الجميلة، والمحاسن التي يحبها، ونظر إلى السبب الذي دعاه إلى التضجر منها وسوء عِشرتها، رآه شيئا واحدًا أو اثنين مثلًا، وما فيها مما يحب أكثر. فإذا كان منصفًا غضَّ عن مساوئها؛ لاضمحلالها في محاسنها.
وبهذا: تدوم الصحبة، وتؤدَّى الحقوق الواجبة المستحبة، وربما أن ما كره منها تسعى بتعديله أو تبديله.
وأما من غضَّ عن المحاسن، ولحظ المساوئ ولو كانت قليلة، فهذا من عدم الإنصاف، ولا يكاد يصفو مع زوجته.
والناس في هذا ثلاثة أقسام.
أعلاهم: مَن لحظ الأخلاق الجميلة والمحاسن، وغض عن المساوئ بالكلية وتناساها.
وأقلهم توفيقًا وإيمانًا وأخلاقًا جميلة، مَن عكس القضية، فأهدر المحاسن مهما كانت، وجعل المساوئ نَصْبَ عينيه. وربما مدَّدَها وبسطها وفسرها بظنون وتأويلات تجعل القليل كثيرًا، كما هو الواقع.
والقسم الثالث: مَن لحظ الأمرين، ووازن بينهما، وعامَل الزوجة بمقتضى كل واحد منها، وهذا منصف، ولكنه قد حُرم الكمال.
وهذا الأدب الذي أرشد إليه -صلى الله عليه وسلم- ينبغي سلوكه واستعماله مع جميع المعاشرين والمعاملين؛ فإن نفعه الديني والدنيوي كثير، وصاحبه قد سعى في راحة قلبه، وفي السبب الذي يُدرك به القيام بالحقوق الواجبة والمستحبة؛ لأن الكمال في الناس متعذر. وحَسْبُ الفاضل أن تُعدَّ معايبه.
وتوطين النفس على ما يجيء من المعاشرين مما يخالف رغبة الإنسان يسهِّل عليه حسن الخلق، وفعل المعروف والإحسان مع الناس. بهجة قلوب الأبرار (ص: 111- 112).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
أي: ليس لمؤمن أن يبغض زوجته المؤمنة؛ لأنه إن وَجَد منها خُلُقًا يكرهه، كسوء خُلق، رضي منها خُلُقًا يحبه، كالعفاف والمعاونة، ونحو ذلك. تطريز رياض الصالحين (ص: 203).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«إنْ كرِه منها خُلقًا رضي منها» خُلقًا «آخر» إذا أساءت مثلًا في ردها عليك مرة، لكنها أحسنت إليك مرات، أساءت ليلة لكنها أحسنت ليالي، أساءت في معاملة الأولاد مرة، لكن أحسنت كثيرًا وهكذا، فأنت إذا أساءت إليك زوجتك لا تنظر إلى الإساءة في الوقت الحاضر، ولكن انظر إلى الماضي وانظر للمستقبل واحكم بالعدل.
وهذا الذي ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- في المرأة يكون في غيرها أيضًا ممن يكون بينك وبينه معاملة أو صداقة أو ما أشبه ذلك، إذا أساء إليك يومًا من الدهر. شرح رياض الصالحين (3/ 122- 123).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ويؤخذ من الحديث:
1 - مداراة سيِّئِ الأخلاق، وعدم الاصطدام به.
2 - الندب إلى الملاينة، لاستمالة النفوس، وتأليف القلوب.
3 - أن عدم الإيذاء باللسان أو باليد من كمال الإيمان.
4 - الرفق بالضعيف وحسن معاملته.
5 - ملاطفة النساء والإحسان إليهن.
6 - احتمال عوج أخلاقهن، وكراهة طلاقهن.
7 - أنه لا يطمع في استقامتهن، ففيه تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم بما وقع من أمِّهن الكبرى حواء.
8 - فيه حث للنساء على علاج هذا الاعوجاج، فلا يَسْتَرْسِلْنَ في الأخطاء، بل يضبُطن أنفسهن ويجاهِدن طبائعهن. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (6/ 47- 48).