«كان سهلُ بنُ سعدٍ الساعديُّ -رضي الله عنه- يقدِّم فتيانَ قومِه يصلّون بهم، فقيل له: تفعلُ ولك من القِدم ما لك؟ قال: إني سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: الإمامُ ضامنٌ، فإن أَحسنَ فلَه ولهم، وإنْ أساءَ فعليه، ولا عليهم».
رواه ابن ماجه برقم: (981) من حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (2786)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1767).
غريب الحديث
«ضامن»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الضمان ها هنا الحفظ والرعاية، لا ضمان الغرامة؛ لأنه يحفظ على القوم صلاتهم، وقيل: إن صلاة المقتدين به في عهدته، وصحتها مقرونة بصحة صلاته، فهو كالمتكفل لهم صحة صلاتهم. النهاية (3/ 102).
شرح الحديث
قوله: «كان سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- يقدم فتيان قومه يصلون بهم»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يقدم» للإمامة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 300).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فتيان» أي: شبابهم. كفاية الحاجة (1/ 310).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قومه» بني ساعدة، حالة كون الفتيان «يصلون بهم» أي: بقومه وهو فيهم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 300).
قوله: «فقيل له: تفعل ولك من القدم ما لك؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقيل له» أي: لسهل، أي: قال له بعض قومه: لم «تفعل» تقديم الفتيان على نفسك في الإمامة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 300).
وقال السندي -رحمه الله-:
«من القدم» أي: في الإسلام. كفاية الحاجة(1/ 310).
قوله: «قال: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: الإمام ضامن»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» سهل في جواب السائل: إنما قدمتهم على نفسي؛ لـ«أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: الإمام ضامن» لصلاة المأمومين. مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 300).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في معناه، فقيل: معنى قوله: «الإمام ضامن» أي: راع، والضمان في اللغة: الرعاية، وهذا ضعيف؛ لأن الضمان في اللغة إنما يكون بمعنى الرعاية، أو بمعنى الحفظ، وأما موقعه في الشرع واللغة فهو الالتزام، ويأتي أيضًا بمعنى: الوعاء؛ لأن كل شيء جعلته في شيء فقد ضمنته إياه، فإذا عرف معنى الضمان، فإن ضمان الإمام لصلاة المأموم هو التزام شروطها، وحفظ صلاته في نفسها؛ لأن صلاة المأموم تنبني على صلاة الإمام، فإن أفسد صلاته فسدت صلاة من ائتم به، فكان غارمًا لها.
فإن قلنا: إنه بمعنى الوعاء، فقد دخلت صلاة المأموم في صلاة الإمام؛ لتحمل القراءة عنه والقيام إلى حسن الركوع والسجود والسهو؛ ولذلك لم تجز صلاة المتنفل خلف المفترض؛ لأن ضمان الواجب بما ليس بواجب محال، وهذه فائدة. المسالك في شرح موطأ مالك (2/ 325).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
ضمناء لما غابوا عليه من المخافتة بالقراءة والذكر. الأم (1/ 186).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وسئل (يعني: أحمد بن حنبل) عن معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الإمام ضامن»؟ فقال: هذا على التأكيد على الإمام. فتح الباري (6/ 184).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
«الإمام ضامن» بمعنى: أنه يحفظ الصلاة وعدد الركعات على القوم، وقيل: معناه: ضامن الدعاء يعمهم به، ولا يختص بذلك دونهم، وليس الضمان الذي يوجب الغرامة من هذا في شيء، وقد تأوله قوم (يعني: الأحناف) على معنى أنه يتحمل القراءة عنهم في بعض الأحوال، وكذلك يتحمل القيام أيضًا إذا أدركه راكعًا. معالم السنن (1/ 156).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله- متعقبًا للخطابي:
هذا التأويل الأخير الذي ذكره الخطابي بعيد من اللفظ والسياق، كما لا يخفى. مرعاة المفاتيح (2/ 369).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
الإمام متكفل أمور صلاة الجمع، فيتحمل القراءة عنهم إما مطلقًا عند من لا يوجب القراءة على المأموم، أو إذا كانوا مسبوقين، ويحفظ عليهم الأركان والسنن وعدد الركعات، ويتولى السفارة بينهم وبين ربهم في الدعاء. تحفة الأبرار (1/ 251).
وقال العيني -رحمه الله-:
«الإمام ضامن» بمعنى: يضمنها صحة وفسادًا. عمدة القاري (5/ 239).
وقال العيني -رحمه الله- أيضًا:
أصل الضمان: الرعاية والحفظ؛ لأنه يحفظ على القوم صلاتهم، وقيل: لأنه يتحمل القراءة عنهم، ويتحمل القيام إذا أدركه راكعًا، وقيل: صلاة المقتدين به في عهدته، وصحتها مقرونة بصحة صلاته، فهو كالمتكفل لهم صحة صلاتهم، وقيل: ضمان الدعاء يعمهم به ولا يختص بذلك دونهم. وقال بعض أصحابنا: معناه: يتضمن صلاته صلاة القوم، وعن هذا قالوا: اقتداء المفترض بالمتنفل لا يجوز؛ لأن تضمين الشيء فيما هو فوقه يجوز وفيما دونه لا يجوز وهو المعنى من الفرق؛ فإن الفرض يشتمل على أصل الصلاة والصفة، والنفل يشتمل على أصل الصلاة، وإذا كان الإمام مفترضًا فصلاته تشتمل صلاة المقتدي وزيادة فيصح الاقتداء، وإذا كان متنفلًا فصلاته لا تشتمل على ما تشتمل عليه صلاة المقتدين، فلا يصح اقتداؤه به؛ لأنه بناء القوي على الضعيف، فيكون منفردًا في حق الوصف.
وهذا الحديث أصل لثلاثة من الفروع تستفاد منه:
الأول: فساد اقتداء المفترض بالمتنفل.
والثاني: عدم وجوب القراءة على المقتدين.
والثالث: فساد صلاة المقتدين إذا ظهر الإمام محدثًا أو جنبًا، وفي الكل خلاف الشافعي، والحديث حجة عليه. شرح أبي داود (2/ 468).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله- متعقبًا للأحناف:
وأبعد منه (أي: من تأويل الخطابي) حمله على معنى: أن الإمام متكفل لصحة صلاة المقتدين، فإن الضمان في كلام العرب هو الرعاية والحفظ، والمراد: أن الإمام يحفظ أفعال الصلاة وعدد الركعات على القوم، فلا دليل فيه على ما ذهب إليه الحنفية من عدم جواز صلاة المفترض خلف المتنفل. مرعاة المفاتيح (2/ 369).
وقال السندي -رحمه الله-:
ذكروا في معناه كلامًا لكن ظاهر هذا السياق يقتضي أن المراد بصلاة المقتدى حامل لعهدة فساد صلاة المقتدي إذا كان منه الفساد بِتَعَدٍّ، ويحتمل: أن المراد: أنه حامل لعهدة نقصان صلاتهم بترك السنن وغيرها. كفاية الحاجة(1/ 310-311).
وقال السندي -رحمه الله-:
ليس المراد: أن الإمام كفيل عن القوم في الصلاة إذ صلاة القوم ليست في ذمة الإمام قطعًا، بل معناه عند قوم: أن الإمام جاعل صلاة القوم في ضمن صلاته من ضمن الشيء إذا جعلته تحت كَشْحِه.
حاصله: أن صلاه القوم تصير بالاقتداء في ضمن صلاة الإمام صحة وفسادًا، "إلا إذا" أي: لا بمعنى أن الإمام إذا أدى صلاته سقط عن المقتدين به الصلاة، وإن لم يؤدوا لحصول صلاتهم في ضمن صلاة الإمام، فإنه خلاف الإجماع، وإنما معناه: إذا صحت صلاة الإمام وهم أدوا صلاتهم معه صحت صلاتهم، وإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاتهم. فتح الودود في شرح سنن أبي داود (1/ 341-342).
قوله: «فإن أحسن فله ولهم»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فإن أحسن» الطهور والصلاة. فيض القدير (3/ 182).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإن أحسن» في صلاته بأن صلاها بهم متوفرة الشروط والأركان والآداب «فله» أي: فللإمام «ولهم». مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 300).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإن أحسن» فيما يجب من الفرائض ويسن من السنن «فله» الأجر «ولهم». التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 503).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فله» أي: فللإمام «ولهم» أي: فله أجر صلاته وأجر الجماعة، ولهم أجر صلاتهم وأجر الجماعة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 300).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فله» الأجر «ولهم» أي: للمأمومين الأجر كذلك. فيض القدير (3/ 182).
قوله: «وإن أساء -يعني- فعليه»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وإن أساء» في صلاته، أو طهوره، بأن أخلَّ ببعض الأركان أو الشروط «فعليه» الوزر والتَّبِعة. فيض القدير (3/ 182).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وإن أساء» فعل الصلاة بنقصان آدابها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 300).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإن أساء» فيما أُهِّل له «فعليه» الوزر. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 503).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فعليه» أي: فعلى الإمام نقصان صلاته. مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 300).
قوله: «ولا عليهم»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولا عليهم» لأنهم لم يأتوا بأمر يأثمون فيه. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 503).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ولا عليهم» أي: وما على المأمومين نقصان صلاتهم بسبب نقصان صلاة الإمام، بل هي تامة لهم لا نقصان فيها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 300).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: أن الإمام إذا كان مسيئًا كأن يدخل في الصلاة مخلًا بركن أو شرط عمدًا فهو آثم، ولا شيء على المؤتمين من إساءته. نيل الأوطار (3/ 208).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفيه: دليل على جواز إمامة الفاسق لإطلاق الإساءة. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 503).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- هل تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه؟
- فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- فيما لو انتقض وضوء الإمام هل تبطل صلاة من خلفه ؟