الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

جاء أعرابي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: «الإشراك بالله» قال: ثم ماذا؟ قال: «ثم عقوق الوالدين» قال: ثم ماذا؟ قال: «اليمين ‌‌الغَمُوس» قلتُ: وما اليمين ‌‌الْغَمُوس؟ قال: ‌«الذي ‌‌يَقْتَطِعُ ‌مالَ ‌امرئٍ ‌مُسلم هو فيها كاذب».


رواه البخاري برقم: (6920)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ له برقم: (6675): «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين ‌الْغَمُوس».  


غريب الحديث


«الكبائر»:
واحدتها: كبيرة، وهي الفِعلة القبيحة من الذنوب المنهي عنها شرعًا، العظيم أمرها: كالقتل، والزنا، والفرار من الزحف، وغير ذلك، وهي من الصفات الغالبة. النهاية، لابن الأثير (4/ 142).

«اليمين ‌‌‌الْغَمُوس»:
التي تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص:432).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
هي اليمين الكاذبة الفاجرة: كالتي يَقتطع بها الحالف مال غيره. النهاية (3/ 386).

«يَقْتَطِعُ»:
أي: يأخذه لنفسه متملكًا، وهو يفتعل من القطع. النهاية، لابن الأثير (4/ 82).


شرح الحديث


قوله: «جاء أعرابي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«جاء أعرابي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟...» لم أقف على اسم هذا الأعرابي. فتح الباري (11/ 556).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الأعرابي: ساكن البادية، والغالب على الأعراب الجهل بدين الله...، الغالب عليهم أيضًا الصراحة، يقول ما في قلبه تمامًا؛ ولهذا كان الصحابة يتمنون أنْ يأتي أعرابي إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يسأله عما يسْتَحُون أن يسألوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- عنه، فقال: «ما الكبائر؟» وهذا يدل على أنَّ الرجل يعرف الكبائر من الصغائر. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 117).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟» أي: من الذنوب. إرشاد الساري (10/ 77).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: واختلف أهل التأويل في الكبائر التي وعد الله عباده بالنهي عنها، من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين آية منها، هذا قول ابن مسعود والنخعي، وقال آخرون: الكبائر سبع، روي هذا عن علي بن أبي طالب، وهو قول عبيد بن عمير وعبيدة وعطاء، قال عبيد: ليس من هذه كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله تعالى، قال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ} الحج: 31، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} النساء: 10، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} البقرة: 275، و{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} النور: 23، والفرار من الزحف، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} الأنفال: 15-16، والسابعة: التعرب بعد الهجرة: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} محمد: 25، وقتل النفس.
وقال آخرون: هي تسع، روي هذا عن عبد الله بن عمر، وزاد فيه: السحر، والإلحاد في المسجد الحرام، وقال آخرون: هي أربع، رواه الأعمش عن وبرة بن عبد الرحمن، عن أبي الطفيل، عن ابن مسعود قال: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، والإياس من روح الله، والأمن من مكر الله، ففي حديث أبي الطفيل مما لم يمض في الآثار: الأمن من مكر الله، وفي حديث عبيد بن عمير: التعرب بعد الهجرة، فتمت إحدى وثلاثين كبيرة، وقال آخرون: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، روي ذلك عن ابن عباس، قال (أي: ابن عباس): وقد ذُكِرَت الطَّرْفة وهي النظرة (أي: في قوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} النور: 30) قال ابن الحداد: وهذا قول الخوارج، قالوا: كل ما عُصي الله به فهو كبيرة يخلد صاحبه في النار، واحتجوا بقوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} النساء: 14، قالوا: فالكلام على العموم في جميع المعاصي، قال الطبري: وعن ابن عباس قول آخر، قال: كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب فهو كبيرة، وقال طاوس: قيل لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعين أقرب، وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار.
وذهب جماعة أهل التأويل إلى أن الصغائر تُغفر باجتناب الكبائر، وهو قول عامة الفقهاء، وخالفهم في ذلك الأشعرية أبو بكر ابن الطيب وأصحابه، فقالوا: معاصي الله كلها عندنا كبائر، وإنما يقال لبعضها: صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: الزنا صغيرة بإضافته إلى الكفر، والقُبْلة المحرمة صغيرة بإضافتها إلى الزنا، وكلها كبائر، ولا ذنب عندنا يغفر واجبًا باجتناب ذنب آخر، بل كل ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة غير الكفر؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} النساء: 48، واحتجوا بقراءة من قرأ: "إن تجنبوا كبيرة ما تنهون عنه" على التوحيد (يعني: الواحد) يعنون الشرك، وقال الفراء: من قرأ (كبائر) فالمراد بها كبير، وكبير الإثم الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع يراد به الواحد، قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} الشعراء: 105، ولم يأتهم إلا نوح وحده. شرح صحيح البخاري (9/ 196، 197).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وروي عن ابن عباس: أنها (أي: الكبيرة) كل ما نهى الله عنه...، وما أظنه صحيحًا عنه؛ لأنه مخالف لما في كتاب الله تعالى من التفرقة بين المنهيات، فإنه قد فرق بينها في قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} النساء: 31، وقوله: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} النجم: 32، فجعل من المنهيات كبائر وصغائر، وفرق بينهما في الحكم لما جعل تكفير السيئات في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى هذا الفرق على مثل ابن عباس، وهو حبر القرآن؟! فتلك الرواية عن ابن عباس ضعيفة، أو لا تصح، وكذلك أكثر ما روي عنه؛ فقد كذب الناس عليه كثيرًا.
والصحيح -إن شاء الله تعالى-: أن كل ذنب أَطلق الشرع عليه أنه كبير أو عظيم، أو أخبر بشدة العقاب عليه، أو علق عليه حدًّا، أو شدد النكير عليه وغلَّظه، وشهد بذلك كتاب الله أو سنة أو إجماع، فهو كبيرة. المفهم (1/ 283، 284).
وقال البغوي -رحمه الله-:
وكل ما يوجب الحد من المعاصي فهو كبيرة، والزنا كبيرة، والنظر إلى الأجنبية بالشهوة، ولمسها صغيرة.
وقيل: كل ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنة فهو كبيرة. التهذيب (8/ 262).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
وقد اختلفت العلماء فيها (أي: الكبيرة) على أقوال كثيرة، والأحاديث في الكبائر لا تدل على حصرها فيها، ولعل الشارع قصد الإبهام؛ ليكون الناس على وجل من الذنوب، لكن يُعرف من الأحاديث أجناس الكبائر، ويعرف أيضًا أكبر الكبائر. مختصر منهاج القاصدين (ص:254).
وقال المظهري -رحمه الله-:
فإن قيل: قوله -عليه السلام-: «الكبائر: الإشراك» يدل على أن الكبائر منحصرة في هذه الأربعة؛ لأن الألف واللام للاستغراق في هذا الكلام، وجاءت الكبائر أكثر من هذه في الحديث؟
قلتُ: بيان الكبائر كبيان سائر أحكام الشرع، وبيان أحكام الشرع لم تكن مذكورة في حديث ولا آية واحدة من القرآن، بل جاءت متفرقة كي لا يثقل على الناس حفظها، والعمل بها، فكذلك الذنوب والمحرمات، وقد جاء بيانها من رسول الله -عليه السلام-، أو من القرآن متعاقبًا متفرقًا على حسب السؤال والحاجة، وأما الألف واللام لا يلزم أن يكون لاستغراق الجنس، وقد جاء لمعانٍ كثيرة. المفاتيح (1/ 138).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
ليس لقائل أنْ يقول: كيف عدَّ الكبائر ها هنا ثلاثًا، وأربعًا في حديث ابن عمرو وأنس، وسبعًا في حديث أبي هريرة؟!
لأنه -عليه السلام- لم يتعرَّض للحصر في شيء من ذلك، ولم يعرب به كلامه، أما في هذا الحديث فظاهر، وأما في حديث ابن عمرو فلأن الحكم فيه مطلق، والمطلق لا يفيد الحصر.
فإن قلتَ: بل الحكم فيه كُلِّي؛ إذ اللام في (الكبائر) للاستغراق؟!
لو كان اللام للاستغراق لا للجنس لكان المعنى: كل واحدة من الكبائر، كل واحدة من هذه الخصال، أو مجموع هذه الخصال، وهو فاسد، وأما في حديث أبي هريرة؛ فلأنَّ قوله: «‌اجتنبوا السبع الموبقات» أي: المهلكات، لا يستدعي عدم وجوب الاجتناب عن غيرها، ولا أن غيرها غير موبِقٍ، لا بلفظه ولا بمعناه، ومفهوم اللقب ضعيف مزيف. تحفة الأبرار (1/72- 73).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
اضطربت الأقوال في ‌حد ‌الكبائر وتعيينها، وقد ذُكرت في الأحاديث ذنوب بأعيانها، ثلاثًا أو أربعًا أو سبعًا أو تسعًا أو أكثر، فقيل: هي ‌الكبائر، وما دونها صغائر، والمختار: أنه ليس المراد بها الحصر، وقد روي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: ‌الكبائر إلى سبع مئة أقرب منها إلى سبع، بل النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر في كل مجلس ما أوحي إليه، وما كان مفسدته مثل مفسدة شيء من المذكورات أو أكثر منها فهي أيضًا من ‌الكبائر، أما المثل: فكشُرب بعض المسكرات من غير الخمر، وكاللواطة مثل الزنا، وكإيذاء الأستاذ مثل إيذاء الوالد، وكالغصب مثل الربا، وأما الأكثر: فمثل قطع الطريق مع أخذ المال أكثر من السرقة، وكذا إيذاء النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر من إيذاء الوالد، وكدلالة جيوش الكفار على بلاد المؤمنين للغارة أكثر من الفرار عن الزحف، وكحكم القاضي بغير الحق أكثر من شهادة الزور ظلمًا وإثمًا.
وقيل: ما ثبت النهي عنه بنص قطعي، وقيل: ما قُرن به في الشرع حد أو لعن أو وعيد، وإلى هذا مال أكثرهم، وعمم بعضهم هذا القول أيضًا، قال: وما كان مفسدته كمفسدة ما قُرن به أحد الثلاثة أو أكثر، وقيل: ما أَشعر بتهاون المرتكِب بالدين إشعارًا، مثل إشعار الكبائر، كقتل رجل يَعتقد أنه معصوم الدم فظهر أنه مستحق للقتل، أو وطئ زوجته وهو يظنها أجنبية. لمعات التنقيح (1/ 290، 291).
وقال المغربي -رحمه الله-:
وهذه المذكورات في الحديث أنها الكبائر، قد جاءت في الأحاديث الصحيحة ‌أنها ‌من ‌أكبر ‌الكبائر، ولا منافاة في ذلك، إلا أنه يدل على أن في الذنوب كبيرًا وأكبر. البدر التمام (9/ 463).

قوله: «الإشراك بالله»:
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله -عليه السلام-: «الإشراك بالله» يحتمل أن يراد به مطلق الكفر، فيكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، لا سيما في بلاد العرب، فذُكِرَ تنبيهًا على غيره، ويحتمل أن يراد به خصوصه، إلا أنه يُردُّ على هذا الاحتمال أنه قد يظهر أن بعض الكفر أعظم قبحًا من الإشراك، وهو كفر التعطيل، فبهذا يترجح الاحتمال الأول. إحكام الأحكام (2/ 274).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «الكبائر: الإشراك بالله» والإشراك: جعل أحد شريكًا بأحد، والمراد ها هنا: اتخاذ إله غير الله. المفاتيح (1/ 137).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
فإن ‌الإشراك ‌بالله أعظم كبيرة من كل ما عداه من الذنوب المذكورة في الأحاديث التي ذكر فيها الكبائر. إحكام الأحكام (2/ 273).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
اعلم -رحمك الله- أن الشرك بالله أعظم ذنب عُصي الله به، قال الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} النساء: 48، وفي الصحيحين: أنه -صلى الله عليه وسلم- سئل: أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» والنِّدُّ: الْمِثْلُ، قال تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة: 22، وقال تعالى: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} الزمر: 8، فمن جعل لله ندًّا مِن خَلْقِه فيما يستحقه -عز وجل- من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمَّة؛ فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته؛ لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب إليه، وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون إلها؟! مجموع الفتاوى (1/ 88).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«الإشراك» فإن قلتَ: هو مفرد، كيف طابق السؤال بلفظ الجمع؟
قلتُ: لَمَّا قال ثمة: ثم ماذا؟ صدق أنه سائل عن أكثر من الواحد، أو مضاف مقدر نحو أكبر الكبائر. الكواكب الدراري (24/ 43).
وقال الشيخ ابن جبرين -رحمه الله-:
والمراد بالشرك هنا أن تجعل العبادة بين الله وبين غيره، أن يجعل أحد العبادة أو بعضها مشتركة بين الخالق وبين بعض المخلوقين، فيشرك المخلوق في حق الخالق، ويجعل المخلوق شريكًا لله، فيدعو الله ويدعو غيره، ويخاف الله ويخاف غيره، ويحب الله ويحب غيره، وما أشبه ذلك. شرح عمدة الأحكام (73/ 15).

قوله: «ثم ماذا؟ قال: «ثم عقوق الوالدين»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«‌قال» الأعرابي: «‌ثم ماذا؟» يا رسول الله «‌قال: ثم عقوق الوالدين»؛ بإيذائهما. إرشاد الساري (10/ 77).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «وعقوق الوالدين» (كما في لفظ) عقوق الوالدين: عصيانهما، وقطع البر الواجب عنهما. المفهم (1/ 282).
وقال ابن الصلاح -رحمه الله-:
العقوق المحرَّم: كل فعل ‌يتأذى ‌به ‌الوالد أو نحوه، تأذِّيًا ليس بالهين، مع كونه ليس من الأفعال الواجبة. الفتاوى (1/ 201).
وقال المظهري -رحمه الله-:
العقوق: مخالفة مَن حقه واجب «الوالدين» الأب والأم «وعقوق الوالدين» عصيان أمرهما، وترك خدمتهما، فكل أمر يأمر به الأب أو الأم الولد واجب على الولد الإتيان بذلك الأمر، إن لم يكن فيه إثم، مثل: أن يأمر الأب أو الأم الولد بالسرقة، أو قتل أحد، أو شتمه، وما أشبه ذلك، فلا يجوز الإتيان بهذا الأمر؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويجب على الولد خدمة الوالدين بقدر ما يطيق، ويجب عليه نفقتهما وكسوتهما إن كانا فقيرَين، إن كان يقدر على نفقتهما وكسوتهما. المفاتيح (1/ 137).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ‌العقوق كيف يكون في درجة الإشراك وهو كفر؟
قلتُ: أُدخل في سلكه تعظيمًا لأمر الوالدين، وتغليظًا على العاق، أو المراد أن أكبر الكبائر فيما يتعلق بحق الله الإشراك، وفيما يتعلق بحق الناس ‌العقوق، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} الإسراء: 23 الكواكب الدراري (22/ 107).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وعقوق الوالدين» أي: قطع صلتهما، مأخوذ من العق، وهو القطع، وقيل: عقوقهما مخالفة أمرهما فيما لم يكن معصية. شرح المصابيح (1/ 72).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
فإن هذه الرابطة (الأبوة) آكد من الأخوة، بل يزيد ها هنا أمران: أحدهما: أنَّ أكثر العلماء على أنَّ طاعة الأبوين واجبة في الشبهات، وإن لم تجب في الحرام المحض، حتى إذا كانا يتنغصان بانفرادك عنهما بالطعام، فعليك أنْ تأكل معهما؛ لأنَّ ترك الشبهة ورع، ورضا الوالدين حتم.
وكذلك ليس لك أن تسافر في مباح أو نافلة إلا بإذنهما، والمبادرة إلى الحج الذي هو فرض الإسلام نفل؛ لأنه على التأخير، والخروج لطلب العلم نفل إلا إذا كنتَ تطلب علم الفرض من الصلاة والصوم، ولم يكن في بلدك من يعلمك، وذلك كمن يُسْلِمُ ابتداء في بلد ليس فيها من يعلِّمه شرع الإسلام، فعليه الهجرة، ولا يتقيد بحق الوالدين. إحياء علوم الدين (2/ 218).
وقال النووي -رحمه الله-:
بر الوالدين مأمور به، وعقوق كل واحد منهما محرم معدود من الكبائر بنص الحديث الصحيح...، فأما برهما: فهو الإحسان إليهما، وفعل الجميل معهما، وفعل ما يسرهما من الطاعات لله تعالى، وغيرها مما ليس بمنهي عنه، ويَدخل فيه الإحسان إلى صديقهما...، وأما العقوق: فهو كل ما أتى به الولد مما يتأذى به الوالد، أو نحوه تأذيًا ليس بالهين، مع أنه ليس بواجب.
وقيل: تجب طاعتهما في كل ما ليس بحرام، فتجب طاعتهما في الشبهات، وقد حكى الغزالي هذا في الإحياء عن كثير من العلماء، أو أكثرهم. روضة الطالبين (5/ 389-390).
وقال النووي -رحمه الله-أيضًا:
إذا كان الإنسان عاقًّا لوالديه، وماتا ساخطَين عليه، فما طريقه إلى إزالة ذلك، وإسقاط مطالبتهما له في الآخرة؟
الجواب: أما مطالبتهما له في الآخرة فلا طريق إلى إبطالها، ولكن ينبغي له بعد الندم على ذلك: أنْ يكثر من الاستغفار لهما، والدعاء، وأنْ يتصدَّق عنهما إنْ أمكن، وأنْ يكرم من كانا يحبان إكرامه: من صديق لهما، ونحوه، وأنْ يصل رحمهما، وأنْ يقضي دَينهما، أو ما تيسر له من ذلك. فتاوى النووي (ص:67).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وعقوق الوالدين» ولو كافرَين، وهو كل ما يتأذى به الوالدان. التنوير (8/ 257).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ولا خلاف في أن عقوق الوالدين محرم وكبيرة من ‌الكبائر، وقد دلَّ على ذلك الكتاب في غير موضع، وصحيح السنة، كما روى النسائي والبزار من حديث ابن عمر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والديوث، والمرأة المترجلة تشبه بالرجال، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمنان عطاءه، ومدمن الخمر»، وعقوق الوالدين: مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن برهما موافقتهما على أغراضهما الجائزة لهما، وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه، إذا لم يكن ذلك الأمر معصية، وإن كان ذلك المأمور به من قبيل المباحات في أصله، وكذلك إذا كان من قبيل المندوبات، وقد ذهب بعض الناس إلى أن أمرهما بالمباح يصيره في حق الولد مندوبًا إليه، وأمرهما بالمندوب يزيده تأكيدًا في ندبيته، والصحيح الأول؛ لأن الله تعالى قد قرن طاعتهما والإحسان إليهما بعبادته وتوحيده، فقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} الإسراء: 23، وقال: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} العنكبوت: 8، في غير ما موضع، وكذلك جاءت في السنة أحاديث كثيرة تقتضي لزوم طاعتهما فيما أمرا به، فمنها ما رواه الترمذي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كان تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلقها، فأبيت، فذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا عبد الله بن عمر، طلق امرأتك» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، فإن قيل: فكيف يرتفع حكم الله الأصلي بحكم غيره الطارئ؟
فالجواب: أنه لم يرتفع حكم الله بحكم غيره، بل بحكمه؛ وذلك أنه لما أوجب علينا طاعتهما، والإحسان إليهما، وكان من ذلك امتثال أمرهما، وجب ذلك الامتثال؛ لأنه لا يحصل ما أمرنا الله به إلا بذلك الامتثال؛ ولأنهما إن خُولِفَا في أمرهما حصل العقوق الذي حرمه الله تعالى، فوجب أمرهما على كل حال بإيجاب الله تعالى. المفهم (6/ 519 - 521).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
عقوق الوالدين معدود من أكبر الكبائر، ولا شك في عظم مفسدته؛ لعظم حق الوالدين، إلا أنَّ ضبْط الواجب من الطاعة لهما، والمحرم من العقوق لهما فيه عسر، ورُتَب العقوق مختلفة. إحكام الأحكام (2/ 274، 275).

قوله: «قال: ثم ماذا؟ قال: «اليمين ‌الْغَمُوس»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«‌ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس» بفتح الغين المعجمة، آخره سين مهملة، التي تغمس صاحبها في الإثم. إرشاد الساري (10/ 77).
وقال الجصاص -رحمه الله-:
الغَمُوس: هو أن يحلف على شيء أنه قد كان، ‌وهو ‌يعلم ‌أنه ‌كاذب فيه، فهو آثم فيه، ولا كفارة عليه. شرح مختصر الطحاوي (7/ 373).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
اليمين الغموس هي الكاذبة في الدعاوى وغيرها...، ولو حلف واقتطع بها مال مسلم أو ذمي فالإثم أشد وأعظم، ولو لاعن ونفى النسب كاذبًا فالإثم أشد...، ولو أقسم في دعاوى الدم كاذبًا فالإثم أشد، والعقوبة أعظم. الأزهار مخطوط لوح (33).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
الغَمُوس: التي تَغْمِس صاحبها في الإثم، ثم في النار، وصفة هذه اليمين أن يقول: والله ما فعلت وقد فعل، أو: لقد فعلت وما فعل...واعلم أن المذكور من الكبائر في هذا الحديث كأنه أُمَّهات الكبائر. كشف المشكل (4/ 121).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وقد اختلف العلماء في كفارتها: فأكثر أهل العلم لا يرون في اليمين ‌‌الْغَمُوس كفارة، وممن قال ذلك: مالك وسفيان الثوري وأبو حنيفة والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل، قالوا: هو أعظم من أن يكون فيه كفارة، وحجتهم: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن حَلَفَ على منبري إنما يتبوأ مقعده من النار» وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من اقتطع مال امرئ بيمينه حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار» وفي حديث ابن مسعود: «لقي الله وهو عليه غضبان»، فذَكَرَ المأثم -صلى الله عليه وسلم- في اليمين ‌‌الْغَمُوس، ولم يذكر كفارة، ولو كان فيها كفارة لذكرها، والله أعلم.
وقال الشافعي والأوزاعي والمعلى بن أسد وطائفة من التابعين فيما ذكر المروزي: من تعمد فعليه الكفارة فيما بينه وبين الله، فإن اقتطع بها حق امرئ مسلم أو ذمي، فلا كفارة في ذلك إلا ردُّ ما اقتطع، والخروج مما أخذه ظلمًا لغيره، فإذا فعل ذلك فهي توبة، ويكفِّر بعد ذلك عن يمينه، قال الشافعي: والكفارة في هذا أوكد على من لم يتعمد الحنث بيمينه، وقد جعل الله الكفارة في قتل الصيد على المتعمد، وجاءت السنة لمن حلف ثم رأى خيرًا مما حلف عليه أن يحنِّث نفسه ثم يكفِّر، وهذا قد تعمد الحنث فأُمر بالكفارة.
قال أبو عمر (ابن عبد البر): من التابعين القائلين بأن المتعمد للكذب في يمينه يكفِّر: الحكم بن عيينة وعطاء بن أبي رباح، قال شعبة: سألت الحكم وحمادًا عن ذلك، فقال حماد: ليس لها كفارة، وقال الحكم: الكفارة خير. الاستذكار (5/ 191، 192).

قوله: «قلتُ: وما اليمين ‌الْغَمُوس؟ قال: ‌«الذي ‌‌يَقْتَطِعُ ‌مال ‌امرئ ‌مسلم هو فيها كاذب»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
القائل: «قلتُ» هو عبد الله بن عمرو راوي الخبر، والمجيب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويحتمل أن يكون السائل مَن دون عبد الله بن عمرو، والمجيب هو عبد الله أو مَن دونه، ويؤيد كونه مرفوعًا حديث ابن مسعود والأشعث المذكور في الباب الذي بعده، ثم وقفت على تعيين القائل: «قلتُ: وما اليمين ‌الْغَمُوس» وعلى تعيين المسؤول، فوجدتُ الحديث في النوع الثالث من القسم الثاني من صحيح ابن حبان، وهو قسم النواهي، وأخرجه عن النضر بن محمد، عن محمد بن عثمان العجلي، عن عبيد الله بن موسى، بالسند الذي أخرجه به البخاري، فقال في آخره بعد قوله: «ثم اليمين ‌الْغَمُوس، قلتُ لعامر: ما اليمين ‌الْغَمُوس» إلخ، فظهر أن السائل عن ذلك فراس، ‌والمسؤول ‌الشعبي، وهو عامر، فلله الحمد على ما أنعم، ثم لله الحمد، ثم لله الحمد، فإني لم أرَ من تحرر له ذلك من الشراح، حتى إن الإسماعيلي وأبا نعيم لم يخرجاه في هذا الباب من رواية شيبان، بل اقتصرا على رواية شعبة. فتح الباري (11/ 556).
قال الكرماني -رحمه الله-:
«‌يَقْتَطِعُ» أي: يأخذ قطعة من ماله لنفسه، وهو على سبيل المثال، وأما حقيقته فهي اليمين الكاذبة التي يتعمدها صاحبها عالـمًا بأن الأمر بخلافه. الكواكب الدراري (24/ 43).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«قال: الذي ‌‌يَقْتَطِعُ ‌مال امرئ مسلم وهو كاذب» هذا بناء على الغالب، وإلا فاليمين ‌الْغَمُوس أن يتعمد الكذب، ويحلف عليه، (معنى كلامه: وإن لم يقتطع مال امرئ). الكوثر الجاري (10/ 421).

قوله في الرواية الأخرى: «وقتل النفس»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«وقتل النفس» أي: بغير الحق. شرح المصابيح (1/ 72).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وقتل النفس» التي حرم الله قتلها إلا بالحق، كالقصاص، ‌والقتل على الردة والرجم. إرشاد الساري (9/ 8).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقد أجمعت الأمَّة أن ‌الإشراك ‌بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، لا كفارة فيها، وإنما كفارتها تركها، والتوبة منها، فكذلك اليمين ‌الْغَمُوس حكمها حكم ما ذكر معها في الحديث في سقوط الكفارة. شرح صحيح البخاري (6/ 132).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ففي هذا الحديث فوائد:
أولًا: حرص الصحابة -رضي الله عنهم- على السؤال، والبحث عن الدين، وهذا من نعمة الله عليهم، وعلى الأمة؛ لأنَّ جميع ما يسأل عنه الصحابة يقع أيضًا في قلوب الناس من بعدهم، فتكون إجابة الصحابي كإجابة ما يرد على القلوب ممن بعدهم.
ومن فوائد الحديث: أنَّ الذنوب تتفاوت كبائر وصغائر، والكبائر أيضًا تتفاوت منها السبع الموبقات، وهي أشدها، ومنها ما دون ذلك...
وهل من فوائد الحديث: أنه لو حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ غير مسلم فليست يمينًا غموسًا؟
نقول: لا، هي يمين غموس إذا كان هذا ممن عُصم ماله ودمه، لكن ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلم؛ لأن ذلك هو الغالب، وإلا فمن له حرمة وعصمة كالمسلم.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أنْ يسأل عن المبهَم؛ لئلا يفهمه على خلاف المراد، الدليل: أنه سأل عن اليمين الغموس، وقال: وما اليمين الغموس؟ فبينه، وهل فيها كفارة؟ الجواب: لا؛ لأنها على شيء ماضٍ. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 118-119).


إبلاغ عن خطأ