الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«الشهداءُ خمسةٌ: المطعونُ، والمبطونُ، والغَرِقُ، وصاحبُ الهَدْمِ، والشهيدُ في سبيلِ اللهِ».


رواه البخاري برقم: (2829) واللفظ له، ومسلم برقم: (1914)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند البخاري برقم: (2830)، ومسلم برقم: (1916)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «الطاعونُ شهادةٌ لكلِّ مُسلمٍ».
وفي رواية عند أحمد برقم: (23753)، وأبي داود برقم: (3111) واللفظ له، والنسائي برقم: (1846)، من حديث جابر بن عتيك -رضي الله عنه-: «الشَّهَادَةُ سبعٌ سوى القتلِ في سبيل الله: المَطْعونُ شهيدٌ، والغَرِقُ شهيدٌ، وصاحبُ ذاتِ الجَنْبِ شهيدٌ، والـمَبطُونُ شهيدٌ، وصاحِبُ الحريق شهيدٌ، والذي يموت تحت الهَدْمِ شهيدٌ، والمرأةُ تموت بجُمْعٍ شهيدٌ».
صحيح الجامع برقم: (3739)، صحيح سنن النسائي برقم: (1742).


غريب الحديث


«الطَّاعُون»:
المرض العام والوباء الذي يَفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة والأبدان. النهاية، لابن الأثير (3/ 127).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
والطاعون: ‌قُروح تَخرج في الْمَغَابن وفي غيرها، فلا تُلْبِثُ صاحبَها، وتعمُّ غالبًا إذا ظهرت. مشارق الأنوار (1/ 321).

«ذات الجَنْب»:
ذَاتُ الْجَنب: عِلَّةٌ صَعْبَةٌ، تأخُذُ فِي الجَنب، وَقَالَ ابْن شُميل: ‌ذاتُ ‌الجَنْب هِيَ الدُّبَيْلة، وَهِي قَرْحَةٌ قبيحة تثقبُ الْبَطن، وَرُبمَا كَنَّوْا عَنْهَا فَقَالُوا: ‌ذات ‌الجَنْب. تهذيب اللغة، للهروي (11/ 84).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«ذات الجَنْب»: هي ‌الدُّبَيْلَةُ ‌والدُّمَّلُ الكبيرة التي تظهر في باطن الجَنب، وتنفجر إلى داخل، وقلَّما يسلم صاحبها، وذو الجَنْبِ: الذي يشتكي جنبه بسبب الدُّبَيْلَة، إلا أن "ذو" للمذكر و"ذات" للمؤنث، وصارت ذات الجنب عَلَمًا لها وإن كانت في الأصل صفة مضافة. النهاية (1/ 303- 304).

«تموتُ بجُمْع»:
ويقال: ماتت ‌بجُمْع وجِمْع، بالضم والكسر، وهو أن ‌تموت وولدها في بطنها. كتاب الألفاظ، لابن السكيت (ص:237).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أكثر الروايات فيه بضم الجيم، ورواه بعضهم بالفتح، وهما صحيحان، وروي ‌بِجمع بالكسر فيها، وهو صحيح أيضًا، قيل: معناه: ‌تموت بولدها في بطنها، وقيل: بل مِن نِفَاسِه، وقيل: بل ‌تموت بِكْرًا لم تُفتضَّ، وقيل: صغيرة لم تحِضْ. مشارق الأنوار (1/ 153).


شرح الحديث


قوله: «الشهداءُ خمسةٌ»:
قال الدماميني -رحمه الله-:
«‌الشهداء خمسةٌ»: ووجهها واضح، ويروى «خمسٌ» بتأويل: الأنفس، أو النسمات. مصابيح الجامع (2/ 298).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «‌الشهداء» أما سبب تسميته شهيدًا: فإما لأن روحَه شَهِدَت -أي: حضرت- دارَ السلام وأرواح غيره تشهدها يوم القيامة، أو لأن الله تعالى يشهَد له بالجنة، أو لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه، أو لأنه شهد له بخاتمة الخير بظاهر حاله، أو لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا وهو الدم...
فإن قلتَ: القياس يقتضي أن يقال: خمسة، قلتُ: المميَّز إذا كان غير مذكور جاز في لفظ العدد وجهان. الكواكب الدراري (5/ 42).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«الشهداء خمسة» هم أكثر من ذلك، وقد جمعتُهم في كراسة فبلغوا ثلاثين، وأشرتُ إليهم في شرح الموطأ. الديباج (4/ 508).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«‌الشهداء خمسة» الحصر إضافي باعتبار المذكور هنا، وإلا فقد عدّ جميع ‌الشهداء التي وردت في أخبار فبلغت نحو الثلاثين كما يأتي. فيض القدير (4/ 179).

قوله في رواية: «الشَّهادَةُ سبعٌ سِوى القتلِ في سبيل الله»:
قال العيني -رحمه الله-:
«‌الشهادة ‌سبع ‌سِوى ‌القتل» المراد به الشهادة الحُكمية، بمعنى أن هؤلاء كالشهداء حقيقة عند الله تعالى في وفور الأجر، ولهذا يُغَسَّلون ويكفَّنون كسائر الموتى، بخلاف الشهيد الحقيقي، وهو: الذي قُتل ظلمًا، ولم تجب بقتله دية، أو وُجد في المعركة قتيلًا كما عُرف في الفقه بالخلاف الذي فيه. شرح سنن أبي داود (6/ 29).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«الشهادة» هي الاسم مما اشتُق منه الشهيد ويأتي وجه اشتقاقه، والمراد: أنواع الشهادة وأسبابها «سبع ‌سوى ‌القتل في سبيل الله» فالإخبار عن غيره؛ لأنه قد عُلم أنه أعلى درجات الشهادة. التنوير (6/ 550- 551).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ولا يظن أن بين قوله: «الشهداء خمسة»، و«الشهداء سبعة» تناقضًا؛ لأنهما حديثان مختلفان، أخبر بهما في وقتين مختلفين، ففي وقتٍ أُوحي إليه أنهم خمسة، وفي وقتٍ آخر أُوحي إليه أنهم أكثر، والله تعالى أعلم. المفهم (3/ 757).

قوله: «المطعونُ»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
«فالمطعون» هو الذي يموت في الطاعون، وقد قالت عائشة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فناء أمَّتي في الطعن والطاعون» قالت: أما الطعن فقد عرفناه؟ فما الطاعون؟ قال: «غُدَّةٌ كغدة البعير تخرج في الـمَرَاقّ (ما سفل من البطن عند الصفاق، أسفل من السرة) والآباط، مَن مات منه مات شهيدًا». شرح صحيح البخاري (5/ 43).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فأما «المطعون»؛ فهو الذي يموت بالطاعون، وهو: الوباء، وقد فسره في الحديث الآخر؛ إذ قال فيه: «الطاعون شهادة لكل مسلم»، ولم يُرد المطعون بالسِّنان؛ لأنه هو المقتول في سبيل الله المذكور من جملة الخمسة. المفهم (3/ 757).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«المطعون» أي: الذي أصابه الطاعون، وهو وَخْزُ الجن، ومحله ما لم يسمع به ببلد فيُقْدم عليه؛ للنهي عن ذلك. دليل الفالحين (7/ 146).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
اختلف العلماء في تشخيصه (أي: الطاعون) وأعراضه؛ فابن عبد البر يقول: الطاعون: غُدَّة تَخرج في الْمَرَاقِّ والآباط، وقد تَخرج في الأيدي والأصابع، وحيث شاء الله، والنووي يقول في الروضة: قيل: الطاعون انصباب الدم إلى عضو، وقال آخرون: هو هيجان الدم وانتقاضه، وقال الغزالي: هو انتفاخ جميع البدن من الدم مع الحمى، أو انصباب الدم إلى بعض الأطراف، وقال المتولي: هو قريب من الجذام مَن أصابه تآكلت أعضاؤه، وتساقط لحمه، وقال ابن سينا وجماعة من الأطباء: الطاعون مادة سُمِّيَّة تُحدِث ورمًا قتالًا، يَحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط وخَلف الأذن، أو عند الأرنبة. فتح المنعم (7/ 587- 588).

قوله في رواية: «الطاعونُ شهادةٌ لكلِّ مسلمٍ»:
قال النووي -رحمه الله-:
وأما الطاعون فوباءٌ معروف، وهو بَثْرٌ ووَرَمٌ مؤلم جدًّا ‌يَخرج ‌مع ‌لهبٍ ‌ويَسْوَدُّ ‌ما ‌حوله أو يَخْضَرُّ أو يَحْمَرُّ حمرة بنفسجية كَدِرَةً ويحصل معه خفقان القلب والقيء. المنهاج شرح مسلم (1/ 105).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«‌الطاعون ‌شهادة» يكون الميت به في درجة الشهداء يوم القيامة، «‌لكل ‌مسلم» فيشمل الفاسق. التنوير (7/ 174).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«الطاعون شهادة لكل مسلم» أي: ولكل مسلمة؛ لأن النساء شقائق الرجال. البحر المحيط الثجاج (32/ 722).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌الطاعون ‌شهادة ‌لكل ‌مسلم» أي: حُكمًا، وأما قول ابن حجر: أي: ‌شهادة أخروية ‌لكل ‌مسلم، فهو مخالف للرواية؛ لأن الأصول على الإضافة، والطاعون قُروح تَخرج مع لهيب في الآباط والأصابع وسائر البدن، يَسْوَدُّ ما حولها أو يَخْضَرُّ أو يَحْمَرُّ، وأما الوباء فقيل: هو ‌الطاعون، والصحيح: أنه مرض يكثر في الناس ويكون نوعًا واحدًا، ذكره ابن مالك. مرقاة المفاتيح (3/ 1131).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث من الفقه أن الموت بالطاعون ‌شهادة لمن مات به؛ ذلك لأنه إذا كان الوباء وكثر الموت، وجد الشيطان أبوابًا يدخل منها على قلب الآدمي، ويوسوس في صدور الناس، وأن هذا من فساد الهواء أو الماء أو غير ذلك موهمًا أن موتهم من تلك العلة لا عن قدر سابق وآجال محسوبة معلومة، فيستزلَّ القلوب إلا مَن عصم الله؛ فمَن ثبت إيمانه حينئذٍ، وأيقن أنه لا يموت في ‌الطاعون إلا مَن سبق القدر أنه يموت بالطاعون، وأنه لا يُنقص ذلك من عُمُرٍ سبق بمقداره القدر ثم مات؛ مات شهيدًا كما أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. الإفصاح (5/ 149).

قوله: «والمبطونُ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وأما «المبطون»: فهو صاحب ذا البطن، قيل: هو صاحب البطون الذي بها الاستسقاء (تجمُّع غير طبيعي للسوائل في البطن) وانتفاخ البطن، وقيل: هو صاحب انخراق البطن بالإسهال، وقيل: الذي يشتكي بطنه. إكمال المعلم (6/ 344).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
وقوله: «‌والمبطون» قيل: المراد به مَن مات من إسهال، أو استسقاء وانتفاخ بطن، أو ممن يشتكي بطنه، أو مَن يموت بداء بطنه مطلقًا، أقول: وإنما كان بهذه المعاني من ‌الشهداء لشدتها وكثرة أَلَمها، وجاء في الحديث: «المبطُون لا يُعَذَّب» أي: في القبر؛ لأن وجَعَه أشدُّ، وقيل: المراد بالمبطون: مَن حافظ البطن من الحرام والشبهة فكأنَّه قتله بطنُه. لمعات التنقيح (4/ 27).

قوله: «والغَرِقُ»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
«والغريق»: مَن مات غريقًا بالماء. التوضيح (6/ 434).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«والغريق» أي: الذي يموت مِن الغرق، والظاهر أنه مقيد ممن ركب البحر ركوبًا غير محرَّم. مرقاة المفاتيح (3/ 1132).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الثالث: الغريق الذي يغرق إما في أنهار عظيمة أو يقع في النهر أو في البحر أو ما أشبه ذلك، فإنه يكون من الشهداء في الآخرة، ولهذا أمر الإنسان أن يتعلم السباحة فالإنسان مأمور أن يتعلم السباحة حتى إذا حصل مثل هذه الأشياء أمكنه أن يتوقى منه. شرح رياض الصالحين (5/ 388).

قوله: «وصاحبُ الهَدْمِ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
«وصاحب الهدم»: الذي يموت تحته. إكمال المعلم (6/ 344).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«والذي يموت تحت الهدْم» بسكون الدال «شهيد» أي: سواء مات قبل أن يخرج من تحت الهدم أو أُخرج حيًّا ومات من ذلك الهدم. شرح سنن أبي داود (13/ 316).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وأما الرابع: مَن مات بهدم، يعني: رجل انهدم عليه البيت أو الجدار أو ما أشبه ذلك؛ فإنه يكون شهيدًا؛ لأن هؤلاء كلهم ماتوا بحوادث مميتة بريئة، وهل يقاس عليهم مثلهم كالذي يموت في حادث أو في صدم أو ما أشبه ذلك؟
الله أعلم، قد يقاسون على هذا ويقال: لا فرق بين أن ينهدم الجدار أو أن تنقلب السيارة؛ لأن كلَّ حادث مات به الإنسان يُحكم على مَن مات بهذا الحادث أنه شهيد، لكننا لا نجزم به؛ لأن مسائل الجزاء عقوبة أو مثوبة ليس فيها قياس، فالحاصل أن هناك شهداء غير المقتولين في سبيل الله. شرح رياض الصالحين (5/ 388).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
وإطلاق الشهيد على هؤلاء الأربعة الذين لم يقتلوا في سبيل الله مجاز، بمعنى: أن ذنوبهم تمحَّص، وأجورهم تُزاد؛ لأجل ما حدث لهم، حتى يبلغوا مراتب ‌الشهداء، فهم شهداء الآخرة، وليسوا بشهداء الدنيا، يعني: لا يجري عليهم في الدنيا شيء من أحكام ‌الشهداء، وإنما ينالون مرتبة ‌الشهداء في الآخرة، ثم لا يلزم أن يكون هؤلاء والمقتولون في سبيل الله سواء في الأجر والمرتبة؛ لأن المقتولين أنفسهم يتفاوتون في الدرجات، ولأن المشبَّه به يكون أقوى من المشبَّه. منة المنعم (3/ 295).

قوله: «والشهيدُ في سبيلِ اللهِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«والشهيد في سبيل الله» إنما أخره لأنه من باب الترقي من الشهيد الحُكمي إلى الحقيقي. شرح المصابيح (2/ 313- 314).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«والشهيد» القتيل «في سبيل الله» أي: الذي حكمه ألا يُغَسَّل ولا يُصلى عليه، بخلاف الأربعة السابقة، فالحقيقة الأخير، والذي قبله مجاز، فهم شهداء في الثواب كثواب الشهيد. إرشاد الساري (2/ 29).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«والشهيد في سبيل الله» المقاتل إيمانًا واحتسابًا. دليل الفالحين (7/ 146).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله: «ومَن مات في سبيل الله فهو شهيد» يعني: أنه يموت شهيدًا وإن لم يباشر الحرب، ولم يشاهده. المفهم (3/ 758).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: الشهيد حكمه أن لا يُغسَّل ولا يصلى عليه، وهذا الحكم غير ثابت في الأربعة الأُوَل بالاتفاق، قلتُ: معناه: أن يكون لهم في الأجر مثل ثواب الشهيد، قالوا: الشهادة على ثلاثة أقسام؛ شهيد الدنيا والآخرة، وهو مَن مات في قتال الكفار، وشهيد الآخرة دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورون، وشهيد الدنيا دون الآخرة، وهو مَن قُتل مُدبرًا أو غَلَّ في الغنيمة أو قاتل لغرض دنيوي لا لإعلاء كلمة الله، فإن قلتَ: فإطلاق الشهيد على الأربعة الأُول مجاز وعلى الخامس حقيقة، ولا يجوز إرادة الحقيقة والمجاز باستعمال واحد، قلتُ: جوَّزها الشافعي، وأما غيره فمنهم مَن جوَّز في لفظ الجمع، ومَن منعه مطلقًا حمل مثله على عموم المجاز، يعني: يُحمل على معنى مجازي أعمّ من ذلك المجاز والحقيقة. الكواكب الدراري (5/ 42).

قوله: «وصاحبُ ذاتِ الجَنْبِ شهيدٌ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
«وصاحب ذات الجنب»: هي قُرحة بالجنب وداء معروف، وهي الشَّوْصَة، وفي بعض الروايات فيها: «الْمَجْنُوبُ»، يقال: رجل جَنِب مثل غَرِق. إكمال المعلم (6/ 344).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
واعلم أن «ذات ‌الجنب» هو ورم حارٌّ يعرض في الغشاء المستبطِن للأعضاء، وقد يُطلق على ما يعرض في نواحي ‌الجَنْبِ من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات والعضل الذي في الصدر والأضلاع، فيُحدث وجعًا، فالأول هو ذات الجنب الحقيقي الذي تكلم عليه الأطباء، قالوا: ويحدث بسببه خمسة أمراض: الحمى والسعال والنَّخْسُ وضيق النَّفَس والنبض المنشاري، ويقال لذات الجنب أيضًا: وجع الخاصرة، وهو من الأمراض المخوفة؛ لأنها تحدث بين القلب والكبد، وهو من سيئ الأسقام‌‌. المواهب اللدنية (3/ 70- 71).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وصاحب ذات الجنب» هي ‌الدُّبَيْلَةُ ‌والدُّمَّلُ الكبيرة التي تظهر في الجنب وتنفجر إلى داخل، وقلَّما سَلِمَ صاحبها، وذو الجنب الذي أخذَته ذات الجنب، وصارت ذات الجنب عَلَمًا لها وإن كانت في الأصل صفة مضافة. التنوير (6/ 551).

قوله: «والمرأةُ تموت بجُمْعٍ شهيدٌ»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
وأما «المرأة تموت بجُمْع»، ففيه قولان: أحدهما: المرأة تموت من الولادة وولدها في بطنها قد تم خَلْقُه، وقيل: إذا ماتت من النفاس فهي شهيد سواء أَلْقَت ولدها وماتت، أو ماتت وهو في بطنها، والقول الثاني: هي المرأة تموت عذراء قبل أن تحيض لم يمسها الرجال، والأول أشهر في اللغة، قال المهلب: وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- في غير ما ذُكر في هذه الآثار في قوم أنهم شهداء فقال: «مَن قتل دون ماله فهو شهيد، ومَن قتل دون أهله ودون دِينه» وإن كان بنص كتاب الله إنما أتى فيمَن قُتل في سبيل الله فمَن ألحق النبي -صلى الله عليه وسلم- مِيتته بالشهادة فحاله كحال مَن قُتل في سبيل الله، والله أعلم. شرح صحيح البخاري (5/ 43- 44).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«والمرأة تموت بجمع شهيد» بمعنى المجموع؛ أي: ماتت في شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من ولدٍ أو بكارة. شرح المصابيح (2/ 322).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«والمرأة تموت بجمع»... «شهيد» وإنما قال: شهيد، ولم يقل: شهيدة؛ لأنه فعيل بمعنى مفعول، أي: مشهود له بالجنة، شهد الله بها والملائكة، وقيل: سمي الشهيد شهيدًا؛ لأنه عَهِدَ عند خروج روحه ما له من الثواب عند الله تعالى. شرح سنن أبي داود (13/ 316).

قوله: «وصاحِبُ الحريق شهيدٌ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وصاحب الحريق» هذا من إضافة الموصوف إلى صفة وهو عند البصريين فيه حذف تقديره: صاحب الجسم الحريق أي: المحروق بالنار، فعيل بمعنى مفعول مثل كَفٍّ خَضِيْبٍ، أي: مخضوب. شرح سنن أبي داود (13/ 315- 316).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهؤلاء الثلاثة (الغَرِق وصاحب الهدم والحريق) إنما حصلَت لهم مرتبة الشَّهادة لأجل تلك الأسباب؛ لأنهم لم يغرِّروا بنفوسهم، ولا فرطوا في التحرز، ولكن أصابتهم تلك الأسباب بقضاء الله وقدره، فأما مَن غرَّر أو فرَّط في التحرز حتى أصابه شيء من ذلك فمات، فهو عاصٍ، وأمره إلى الله؛ إن شاء عذَّب، وإن شاء عفا. المفهم (3/ 757).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد ‌اجتمع ‌لنا ‌من ‌الطُّرُق ‌الجيِّدة أكثرُ من عشرين خصلة؛ فإنَّ مجموعَ ما قدَّمتُه ممَّا اشتملت عليه الأحاديثُ التي ذكرتُها أربعَ عشرةَ خصلة.
وتقدَّم في بابِ من يُنكَب في سبيل الله حديثُ أبي مالكٍ الأشعريِّ مرفوعًا: «مَن وَقَصَهُ فَرَسُهُ أو بَعيرُه، أو لدَغَتْه هامَّةٌ، أو مات على فراشِه على أيِّ حتفٍ شاء اللهُ تعالى فهو شهيد». وصحَّح الدارقطني من حديث ابن عمر: «موتُ الغريب شهادةٌ».
ولابن حِبَّان من حديث أبي هريرة: «من مات مُرابطًا مات شهيدًا» الحديث.
وللطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا: «المرءُ يموتُ على فراشه في سبيل الله شهيدٌ».
وقال ذلك أيضًا في: المبطون، واللدِيغ، والغريق، والشريق (بمعنى فاعلٍ مِن شَرِقَ بِريقه إذا غَصَّ)، والذي يفترسُه السَّبُع، والخارُّ عن دابَّته، وصاحبِ الهدم، وذاتِ الجَنْب.
ولأبي داود من حديث أمِّ حرام: «المائدُ في البحر – الذي يُصيبُه القيء – له أجرُ شهيد».
وقد تقدَّمت أحاديثُ في مَن طلب الشهادةَ بنيَّةٍ صادقةٍ أنَّه يُكتَبُ شهيدًا في باب تمنِّي الشهادة، ويأتي في كتاب الطب حديثٌ فيمَن صبر في الطاعون أنَّه شهيد.
وتقدَّم حديثُ عُقبة بن عامر فيمَن صرعته دابَّتُه، وأنَّه عند الطبراني، وعنده من حديث ابن مسعودٍ بإسنادٍ صحيحٍ: أنَّ مَن يتردَّى من رؤوسِ الجبال، وتأكله السِّباع، ويغرق في البحار، لشهيدٌ عند الله. ووردت أحاديثُ أخرى في أمورٍ أخرى لم أُعَرِّج عليها لضعفها.
قال ابن التين: هذه كلُّها ميتاتٌ فيها شدَّة، تفضَّل الله بها على أمَّة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادةً في أجورهم، يبلغهم بها مراتبَ الشهداء.
قلتُ: والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء، ويدل عليه ما رواه أحمدُ، وابن حِبَّان في صحيحه من حديث جابر، والدارمي، وأحمد، والطَّحاوي من حديث عبد الله بن حُبشي، وابن ماجه من حديث عمرو بن عَنبَسة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئِل: «أيُّ الجهاد أفضل؟» قال: «من عَقَر جوادَه وأُهريق دَمُه».
وروى الحسن بن عليٍّ الحلواني في كتاب المعرفة له بإسنادٍ حسنٍ من حديث ابن أبي طالب قال: «كلُّ موتةٍ يموت بها المسلمُ فهو شهيد، غير أنَّ الشهادة تتفاضل». فتح الباري(6/٤٣)
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
إنما كانت هذه الموتات شهادة بتفضيل الله على أربابها؛ لشدتها وعظيم الألم فيها، فجازاهم الله على ذلك، بأن جعل لهم أجر الشهداء، أو يحتمل أنهم سُمُّوا بذلك لمشاهدتهم فيما قاسُوا من الألم عند الموت وشدته، ما أعدَّ لهم كما أعد للشهداء، أو سموا بذلك على أحد التأويلات، وقد ألحق النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك مَن مات في سبيل الله بغير القتل كما تقدم، وجاء عنه -أيضًا- وصف الشهادة؛ لأنه كقوله: «مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومَن قُتل دون أهله فهو شهيد». إكمال المعلم (6/ 344).


إبلاغ عن خطأ