السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«مَن استعاذَ بالله فأعِيذُوهُ، ومَن سألَ بالله فأعطُوهُ، ومَن دعاكُم فأجِيبُوهُ، ومَن صَنعَ إليكم معروفًا فكافئُوهُ، فإنْ لم تجدُوا ما تُكافِئونَهُ فادعُوا له حَتى تَروا أنّكُم قَد كافأتُمُوهُ».


رواه أحمد برقم: (5365)، وأبو داود برقم: (1672) واللفظ له، والنسائي برقم: (2567) وزاد فيه: «ومَن استَجَار باللهِ فأجيِرُوهُ»، من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (6021)، صحيح سنن النسائي برقم: (2407).


غريب الحديث


«استعاذَ»:
استعاذ به: لجأ إليه، وهو عِيَاذُهُ، أي: مَلْجَؤُه. مختار الصحاح، للرازي (ص221).

«اسْتَجَارَ»:
اسْتَجَارَ: طَلَب أن يُجارَ، أو سَأَلَه أَن يُجِيرَه. تاج العروس، للزبيدي (10/ 486).
يقال: استجار فلانًا: سأله أن يؤمّنه ويحفظه، أو أن يوفِّر له الأمنَ والحماية. معجم اللغة العربية المعاصرة (1/ 418).


شرح الحديث


قوله: «مَن استعاذَ بالله فأعِيذُوهُ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
مَن سأل منكم الإعاذة مستعينًا «بالله» عند ضرورة أو حاجة حلّت به، أو ظلمٍ ناله، أو تَجَاوُزٍ عن جناية، «فأعيذوه» أي: أعينوه، أو أجيبوه؛ فإنَّ إغاثة الملهوف فرضٌ، وفي روايةٍ بدل «أعيذوه» «أعينوه»، أي: على ما تجوزُ الإعانة فيه، {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} المائدة: 2. فيض القدير (6/ 55).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«استعاذَ» إذا طلبَ أحدٌ أن يدفع عنه شرًا، و«أعاذ» إذا دَفعَ عنه الشرَّ الذي يطلبُ منه دفعُه؛ يعني: إذا طلب أحدٌ منكم أن تدفعوا عنه شرّكم، أو شرّ غيركم «بالله»، مثل أن يقول: يا فلان! بالله عليك أن تدفع عني شر فلان وإيذاءَه، أو احفظني من شر فلان، فأجيبوه واحفظوه؛ لتعظيم اسم الله. المفاتيح (2/ 552).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«من استعاذ» التجأ إليه بالاستعاذة من أيّ أمرٍ، أي: مَن استعاذ متوسلًا «بالله» ... «فأعيذوه» إذا قال لمَن أراد منه أمرًا: أعوذ بالله من ذلك الأمر؛ فإنه يجب إعاذتهُ كما هو ظاهر الأمر. التنوير (10/ 85).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وقوله: «مَن استعاذكم بالله فأعيذوه» هذا مطلقٌ، ظاهره حتى لو استعاذَ منّا بالله من شيء واجب عليه، مثل أن آتي إلى شخص أطلبه فأقول: يا فلان، أعطني حقّي وهو قادر، فقال: أعوذ بالله منك، هل يجب أن نعيذه؟ لا...؛ لأننا نعلم أن الله لا يعيذه -عز وجل-؛ إذ إن الله يقول: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} القصص: 37، ويقول: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} آل عمران: 140.
وقع شيءٌ فيه إشكالٌ وهو أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لـمّا دخل على ابنة ابن الجون، فقالت: «أعوذ بالله منك»! فقال لها: «لقد عُذت بعظيم، الحقي بأهلك»، وتركها مع أنها استعاذت من أمر كان واجبًا عليها، وهو تمكين زوجها منها، لكن لكرم النبي -صلى الله عليه وسلم- وحسن خُلقه، أسقط حقّه عليها وأَعاذها. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 299 - 3000).

قوله: «ومَن سألَ بالله فأعطُوهُ»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «ومَن سأل بالله فأعطوه» وفي رواية النسائي: «مَن سألكم» أي: مَن طلب منكم شيئًا من خيرَي الدنيا والآخرة، متوسلًا بالله تعالى «فأعطوه» ما سأله إن قدرتم؛ إجلالًا لـمَن سألكم به، ومحلُّه إذا كان السائل طائعًا، فلا يُعطى الطالح. وزاد لفظ الجلالة في الموضعين إشارةً إلى أنه محقٌّ في استعاذته وطلبه. المنهل العذب المورود (9/ 323).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ولا يشترط أن يكون سؤاله بلفظ الجلالة، بل بكلّ اسم يختص بالله، كما قال الملَكُ الذي جاء إلى الأبرص والأقرع والأعمى: «أسألك بالذي أعطاك كذا وكذا». القول المفيد (2/ 349 - 350).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ومن سألكم بالله» أي: بحقِّه عليكم، وأياديه لديكم، أو سألكم بالله، أي: في الله، أي: سألكم شيئًا غير ممنوع شرعًا دنيويًّا أو أُخرويًّا «فأعطوه» ما يستعين به على الطاعة؛ إجلالًا لمَن سأل به، فلا يُعطى مَن هو على معصية أو فضول، كما صرح به بعض الفحول. فيض القدير (6/ 55).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فأعطوه» وظاهره الإيجاب، وقد روى الطبراني: «ملعونٌ مَن سأل بوجه الله، وملعونٌ مَن سُئل بوجه الله ثم منع سائله، ما لم يسأل هُجرًا (الهُجْرُ: القبيح، لا سيما من القول)». التنوير (10/ 85).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وأما قوله: سألتك بالله أن تفعل كذا، فهذا سؤال وليس بقسَم، وفي الحديث «مَن سألكم بالله فأعطوه» ولا كفارة على هذا إذا لم يُجب سؤاله. مجموع الفتاوى (1/ 206).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
السؤال بالله ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: السؤال بالله بالصيغة، مثل أن يقول: أسألك بالله كما... في حديث الثلاثة حيث قال الملَك: «أسألك بالذي أعطاك الجِلد الحسن، واللون الحسن، بعيرًا».
الثاني: السؤال بشرع الله -عز وجل-، أي: يسأل سؤالًا يبيحهُ الشرع، كسؤال الفقير من الصدقة، والسؤال عن مسألة من العلم، وما شابه ذلك،
وحُكم ردِّ مَن سأل بالله الكراهة أو التحريم، حسب حال المسؤول والسائل. القول المفيد(2/ 347 - 349).
وقال الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله-:
مِن تعظيم الله التعظيم الواجب ألا يُرَدَّ أحد سأل بالله -جل وعلا-، فإذا سأل سؤالًا وجعل الله -جل وعلا- هو الوسيلة فإنه لا يجوز أن يُرد؛ تعظيمًا لله -جل وعلا-، والذي في قلبه تعظيم الله -جل وعلا- ينتفض إذا ذُكر الله كما قال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} الأنفال: 2، بمجرد ذكر الله تَجِل القلوب؛ لعلمهم بالله -جل وعلا- وما يستحق، وعلمهم بتدبيره وملكوته وعظمة صفاته وأسمائه -جل وعلا-... من أهل العلم مَن قال: إن السائل بالله قد تجب إجابته، ويحرم ردُّه، وقد لا يجب ذلك، وهذا القول هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية، واختيار عدد من المحققين بعده، وهو القول الثالث في المسألة.
وأما القول الأول: فهو أن مَن سأل بالله حرمَ أن يُرد مطلقًا.
والقول الثاني: أن مَن سأل بالله استُحب إجابته، وكُره ردُّه.
ومراد شيخ الإسلام -رحمه الله- بحالة الوجوب: أن يتوجه السؤال لمعيّن في أمر معيّن، يعني: ألا يكون السائل سأل عددًا من الناس بالله؛ ليحصل على شيء؛ فلهذا لم يدخل فيه السائل الفقير الذي يأتي فيَسأل هذا، ويسأل هذا، كما لم يدخل فيه مَن يكون كاذبًا في سؤاله، أما إذا لم يتوجّه لمعيّن في أمر معيَّن، فإنه لا يجب عليه أن يؤتيه مطلبه، ويجوز له أن يرد سؤاله.
وعلى هذا التفصيل يكون للمسألة ثلاثة أحوال:
حال يحرم فيها ردُّ السائل، وحال يكره فيها ردُّ السائل، وحال يباح فيها ردُّ السائل بالله.
فيحرم رد السائل بالله: إذا توجّه لمعيّن في أمر معيّن، كما إذا خصّك بهذا التوجّه، وسألك بالله أن تعينه وأنت قادر على أن تؤتيه مطلوبه.
ويستحب: إذا كان التوجُّه ليس لمعيّن، كأن يسأل أشخاصًا كثيرين.
ويباح: إذا كان مَن سأل بالله يُعرف منه الكذب. التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص: 523 - 524).

قوله: «ومَن دعاكُم فَأجِيبُوهُ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«من دعاكُم فأجيبوه» تمسّك به بعضهم على وجوب الإجابة إلى مَن دعاه؛ لإطلاق الأمر في قوله: «فأجيبوه» سواء كانت إلى وليمة عُرس أم لا، وكان عبد الله يأتي الوليمة في العرس وغير العرس وهو صائم، وقطع بعضهم بعدم الإجابة في غير وليمة النكاح، لرواية مسلم: «إذا دُعي أحدكم إلى وليمة عُرس فليجب» فإنه يُفهم إخراج غيرها، ولهذا -والله أعلم- فرّق الشافعي بينهما في الإجابة وعدمها. شرح سنن أبي داود (8/ 69).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «ومن دعاكُم فأجيبوه» أي: مَن طلبكم لحضور وليمة عُرس أو غيره، أو لمعونة، فأجيبوا دعوته وجوبًا في وليمة العرس، الخالية من منكر شرعًا، وكذا المعونة المتعيّنة، وندبًا في غيرها. المنهل العذب المورود (9/ 323).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «ومَن دعاكُم فأجيبوه» «مَنْ» شرطية للعموم، والظاهر أن المراد بالدعوة هنا الدعوة للإكرام، وليس المقصود بالدعوة هنا النداء، وظاهر الحديث وجوب إجابة الدعوة في كل دعوة، وهو مذهب الظاهرية، وجمهور أهل العلم على أنها مستحبّة إلا دعوة العرس فإنها واجبة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- فيها: «شر الطعام طعام الوليمة، يُدعى إليها من يأباها، ويُمنعها مَن يأتيها، ومن لم يُجب فقد عصى الله ورسوله»، وسواء قيل بالوجوب أو الاستحباب، فإنه يشترط لذلك شروط:
1 - أن يكون الداعي ممّن لا يجب هجرُه، أو يُسنّ.
2 - ألا يكون هناك منكرٌ في مكان الدعوة، فإن كان هناك منكرٌ فإنْ أمكنه إزالته وجب عليه الحضور لسببين: إجابة الدعوة، وتغيير المنكر، وإن كان لا يمكنه إزالته حرم عليه الحضور؛ لأن حضوره يستلزم إثمه، وما استلزم الإثم فهو إثم.
3 - أن يكون الداعي مسلمًا، وإلا لم تجب الإجابة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- «حق المسلم على المسلم ستٌّ ...» وذكر منها: «إذا دعاك فأجِبه» قالوا: وهذا مقيِّد للعموم الوارد.
4 - أن لا يكون كسبُه حرامًا؛ لأن إجابته تستلزم أن تأكل طعامًا حرامًا، وهذا لا يجوز، وبه قال بعض أهل العلم، وقال آخرون: ما كان محرمًا لكسبه، فإنما إثمه على الكاسب لا على مَن أخذه بطريق مباح من الكاسب، بخلاف ما كان محرّمًا لعينه، كالخمر والمغصوب ونحوهما، وهذا القول وجيه قويٌّ، بدليل أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- «اشترى من يهوديّ طعامًا لأهله»، وأَكَلَ من الشاة التي أهدتها له اليهودية بخيبر، وأجاب دعوة اليهودي، ومن المعلوم أن اليهود معظمهم يأخذون الرِّبا، ويأكلون السّحت، وربما يقوِّي هذا القول قوله -صلى الله عليه وسلم- في اللحم الذي تُصدقَ به على بريرة: «هو لها صدقة، ولنا منها هدية»، وعلى القول الأول فإن الكراهة تقوى وتضعف حسب كثرة المال الحرام وقِلّته، فكلما كان الحرام أكثر كانت الكراهة أشد، وكلما قلّ كانت الكراهة أقلّ.
5 - ألا تتضمن الإجابة إسقاط واجب، أو ما هو أوجب منها، فإن تضمنت ذلك حرمت الإجابة.
6 - ألا تتضمن ضررًا على المجيب، مثل أن تحتاج إجابة الدعوة إلى سفر، أو مفارقة أهله المحتاجين إلى وجوده بينهم. القول المفيد (2/ 350 - 351).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
هل إجابة الدعوة حق لله أو للآدميّ؟
الجواب: حق للآدميّ، ولهذا لو طلبت من الداعي أن يقيلك فقبِل فلا إثم عليك، لكنها واجبة بأمر الله -عز وجل-، ولهذا ينبغي أن تلاحظ أن إجابتك طاعة لله، وقيام بحق أخيك، لكن لصاحبها أن يُسقطها، كما أن له ألا يدعوك أيضًا، ولكن إذا أقالك حياءً منك وخجلًا من غير اقتناع، فإنه لا ينبغي أن تدع الإجابة. القول المفيد(2/ 353).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
هل بطاقات الدعوة التي توزعُ كالدعوة بالمشافهة؟
الجواب: البطاقات ترسل إلى الناس، ولا يُدرى لمَن ذهبت إليه، فيمكن أن نقول: إنها تشبه دعوة الجَفَلَى (الدعوة العامة) فلا تجب الإجابة، أما إذا عُلم أو غلب على الظن أن الذي أُرسلت إليه مقصود بعينه؛ فإنه لها حكم الدعوة بالمشافهة. القول المفيد(2/ 353).

قوله: «ومَن صَنعَ إليكم مَعروفًا فكافئُوهُ»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه» أي: مَن فعل معكم خيرًا قوليًّا أو فعليًّا فجازوه وأحسنوا إليه بمثل ما أحسن به إليكم، أو خيرٍ منه، قال الله -تعالى-: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} الرحمن: 60، أي: لا ينبغي مقابلة الإحسان إلا بمثله، وعُدِّيَ «صنع» بـ(إلى) لتضمُّنه معنى أحسن، وفي رواية الحاكم: «ومَن أهدى إليكم فكافئوه». المنهل العذب المورود (9/ 323).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فكافئوه» من المكافأة، أي: أحسنوا إليه مثلَ ما أحسن إليكم؛ لقوله -تعالى-: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} الرحمن: 60، {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} القصص: 77. مرقاة المفاتيح (4/ 1355).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «مَن صنع إليكم معروفًا فكافئوه» المعروف: الإحسان، فمَن أحسن إليك بهدية أو غيرها فكافِئْهُ، فإذا أحسن إليك بإنجاز معاملة، وكان عمله زائدًا عن الواجب عليه فكافئه، وهكذا، لكن إذا كان كبير الشأن، ولم تجر العادة بمكافأته فلا يمكن أن تكافئه، كالملك والرئيس …مثلًا إذا أعطاك هدية، فمثل هذا يُدعى له؛ لأنك لو كافأته لرأى أن في ذلك غضًّا من حقه، فتكون مسيئًا له، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أراد أن تكافئه لإحسانه.
وللمكافأة فائدتان:
1 - تشجيع ذوي المعروف على فعل المعروف.
2 - أن الإنسان يكسر بها الذل الذي حصل له بصنع المعروف إليه؛ لأن مَن صنع إليك معروفًا فلا بد أن يكون في نفسك رقّة له، فإذا رددت إليه معروفه زال عنك ذلك، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى» واليد العليا هي يد المُعطي، وهذه فائدة عظيمة لمِن صُنع له معروف؛ لئلا يرى لأحد عليه منّةً إلا الله -عز وجل-. القول المفيد(2/ 353 - 354).
وقال محمد الشاوي -رحمه الله-:
أمر الله تعالى بشكر المُحسن والثناء على صِنيعه، لأن الاعتراف بالجميل من نُبل النفس، وجَحد المعروف من خِسِّة النفس ودناءتها، قال تعالى: { هَلْ ‌جَزاءُ ‌الْإِحْسانِ ‌إِلَاّ ‌الْإِحْسانُ} الرحمن: 60 ... وقد حذَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من تجاهل شُكر الناس على ما يُقدِّمونه من الخير والمعروف، لأن هذا التَّجاهل يؤدي إلى عُزوف الناس عن فعل المعروف، وهذا خلل في العلاقات الاجتماعية، جاء الإسلام بإصلاحه، حتى تدُوم المحبة والمودَّة بين الناس. اللآليء المكية من كلام خير البرية(ص: 212 - 213)

قوله: «فإنْ لم تجدُوا ما تُكافِئونَهُ، فادعُوا له حَتى تَروا أنّكُم قَد كَافأتُمُوهُ»:
قال المغربي -رحمه الله-:
«فإن لم تجدُوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموهُ» وفي رواية: «فإن عجزتم عن مجازاته فادعُوا له، حتى تعلموا أن قد شكرتم، فإن الله يحب الشاكرين» ... «من أُعطي عطاءً فوجد فلْيَجْزِ به، فإن لم يجد فليُثْنِ؛ فإنَّ مَن أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفره، ومن تحلّى بباطل فهو كلابس ثوبيْ زور» وفي رواية جيّدة لأبي داود: «من أبُلي -أي أُنعم عليه إذ الإبلاء: الإنعام- فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفرهُ». البدر التمام(10/ 227 - 228).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«حتى تروا» أي: تعلموا أو تظنُّوا، نسخة: «أنه قد» الأكثر: «أن قد» ... «أنكم قد كافأتموه» على معروفه في حياته، وبعد موته: بالدعاء والمال وخدمة النفس والثناء عليه. شرح سنن أبي داود (8/ 69).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«فإن لم تجدوا ما تكافئوا به» أي: إن لم تجدوا شيئًا تكافئون به مَن أحسن إليكم، فبالغوا في الدعاء له حتى تظنوا أو تعلموا أنكم قد أدّيتم حقَّه، ومِن المبالغة في الدعاء قوله: "جزاك الله خيرًا"؛ لما في حديث أسامة بن زيد أن النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- قال: «من صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء» رواه الترمذي والنسائي وابن حبان، ويؤخذ منه أن أصل الدعاء بنحو "جزاك الله خيرًا" يؤدي به حقّ المحسن مع المبالغة، ويخرج به عن عهدة شكره؛ حيث أظهر عجزه عن مجازاته، وأحال مكافأته على ربه، ولذا كانت عائشة -رضي الله تعالى عنها- إذا دعا لها السائل تجيبُه بمثل دعائه، ثم تعطيه الصدقة، فقيل لها: تعطين المال وتَدْعين؟ فقالت: «لو لم أدعُ له لكان حقه بالدعاء لي عليّ أكثر من حقّي عليه بالصدقة، فأدعو له بمثل دعائه لي حتى أكافئ دعاءه وتخلُص لي
الصدقة»
. المنهل العذب المورود (9/ 324).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
المعنى: أن مَن أحسن إليكم أيَّ إحسانٍ فكافئوه بمثله، فإن لم تقدروا على ذلك، فبالغوا في الدعاء له جهدكُم حتى تحصل المثلية، ووجه المبالغة: أنه رأى من نفسه تقصيرًا في المجازاة، فأحالها إلى الله تعالى، ونِعم الـمُجازي هو. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1566).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
«ومَن صنع إليكم معروفا فكافئوه» أي: مكافأة مادية.
ولذلك أنا أقول لكثير من الناس من إخواننا، حينما يحسنون إلي -جزاهم الله خيرًا- إحسانًا ماديًّا فأنا أريد أن أقابل إحسانهم بإحسان، ماذا يقولون: يا أخي يكفينا منك الدعاء، أقول لهم: أنا لست بالعاجز «فإن لم تستطيعوا أن تكافئوه، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه»، يعني: إذا عجزتم، ولم تستطيعوا مقابلة الإحسان بالإحسان، فعلى الأقل ادعُ لهذا المحسن، حتى يغلب على ظنك أنك قد كافأته، فهذا أمر غيبي، معناه: ينبغي أن تظل دائمًا وباستمرار تدعو لهذا الذي أحسن إليك، لكن الخطوة الأساسية أن لا تلجأ إلى الدعاء؛ لأن هذا سلاح العاجز، أنا أقول: وإنما تقابل الإحسان بالإحسان. جامع تراث العلامة الألباني في الفقه (13/ 205).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
وظاهر قوله: «فادعوا له» أنه يدعو في وجهه أو عند تقديم الهديّة؛ ولأن هذا أبلغ في مكافأته، ويجوز أن يدعو له بظهر الغيب...
الحديث دليل على أنه لا حرج على مَن أُثيب على هديته وأعطي عليها مكافأة أن يقبل هذه المكافأة؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يثيب على الهدية، والإثابة دليل على جواز قبولها. منحة العلام (7/ 49 - 50).

وفي رواية للنسائي: «ومَن استَجَار باللهِ فأجيِرُوهُ»:
قال الحكيم الترمذي -رحمه الله-:
الاستعاذة بالله تعالى دخولٌ في مأمنه وحريمه، ومَن التجأ إلى مَلِكٍ في الدنيا، هاب طالبُه أن يتكلّف عنه أذى، وكفَّ عنه؛ إعظامًا لـمَن التجأ إليه، ولم يرض الملِك أن يتكلف الطالب منه بعد ذلك مكروهًا، وإن خذله عُدَّ ذلك منقصةً، فكيف بمن دخل في عياذ الله وجواره؟! نوادر الأصول(3/ 48).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
مَن سألكم بالله أن تجيروهُ فأجيروه، قال الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} التوبة: 6. شرح سنن أبي داود (19/ 366).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
مَن التجأ اليكم مستعينًا بالله تعالى من ضرورة نزلت به، فأجيروهُ وخلِّصوه؛ فإنَّ إغاثة الملهوف من واجبات الإيمان. المنهل العذب المورود (9/ 323).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ومَن استجارَ بالله فأجيروهُ» أي: مَن طلب الأمان، والحفظ، فأمّنوه، واحفظُوه. ذخيرة العقبى (23/ 85).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
الاستجارة: طلب الجوار، وهو الكون بالقُرْب، وقد استُعمل مجازًا شائعًا في الأمن؛ لأن المرء لا يستقر بمكان إلا إذا كان آمنًا، فمِن ثمّ سمَّوا المؤمِّن جارًا، والحليف جارًا، وصار فعل "أجارَ" بمعنى أمّنَ، ولا يُطلق بمعنى جعل شخصًا جارًا له. التحرير والتنوير (10/ 118).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الظاهر أن الأمر في الأشياء المذكورة في هذا الحديث للوجوب؛ إذ الأمر للوجوب إلا لصارف، والظاهر أنه لا صارف هنا، لكنه مشروط بأمرين:
أحدهما: أن يكون قادرًا عليه؛ للأدلة الأخرى، كقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا{ البقرة: 286، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلَّا مَا ءَاتَاهَا{ الطلاق: 7، وقوله: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا استَطَعتُم{ التغابن: 16، ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم…» متفق عليه.
الثاني: أن يكون السائل بالله محتاجًا، لا يسأل تكثُّرًا، وإلا كان سؤاله محرمًا، فيكون إعطاؤه إعانة على الإثم، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثمِ وَالعُدوانِ{ المائدة: 2. والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (23/ 86) .
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث فوائد:
منها: وجوب تعظيم الله -عز وجل-؛ لقوله: «من استعاذكم بالله فأعيذوه».
ومنها: جواز الاستعاذة بالله تعالى من كيد الأعداء؛ لقوله: «مَن استعاذكم بالله فأعيذوه»...
ومنها: مكافأة مَن أتى إليك معروفًا، وهل المكافأة واجبة؟ نقول: ظاهر الحديث الوجوب.
ومنها: أن مَن عجز عن شيء فإنه قد يكون له بدلٌ، وقد يكون ليس له بدل، ومسألتنا هذه لها بدل، وهو الدعاء.
ومنها: حسن الشريعة الإسلامية؛ حيث جعلت لـمَن صنع المعروف مكافأة؛ لينشط فاعل المعروف على بذل المعروف. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 301).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
فيه دليل على أن الاستعاذة بالمخلوق بما يَقدر عليه جائزة؛ كما أن السؤال عند الحاجة جائز. توضيح الأحكام (7/ 351).
وقال الشيخ صالح الفوزان -رحمه الله-:
فيه وُجوب إِعاذة مَن استعاذ بالله وعدم المساس به بمكروه؛ لأنَّ هذا يكون تعدِّيًا على من استجارَ بالله -سبحانه وتعالى-، وذلك من نقص التّوحيد، وفي إعاذَتِه إكمالٌ للتّوحيد.
(و) فيه وُجوب إجابة دعوة المسلم لأخيه المسلم؛ لِمَا في ذلك من جَبْر القُلوب وتثبيت المحبّة وإزالة النُّفرة بين الإخوة، أمّا إذا لم يُجِب فهذا يسبِّب العكس، يسبِّب النُّفرة ويسبِّب التباغُض بين النّاس والقطيعة. إعانة المستفيد (2/ 225).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

فتوى علماء اللجنة الدائمة في استعاذة المرأة من زوجها.

- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم من سأل بوجه الله.


إبلاغ عن خطأ