الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله، قال: قلتُ: أيُّ الرِّقَاب أفضل؟ قال: أنْفَسُها عند أهلها، وأكثرها ثمنًا، قال: قلتُ: فإن لم أفعل؟ قال: تُعِين صَانِعًا، أو تَصْنَع لأخْرَق، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ إن ضعفتُ عن بعض العمل؟ قال: تَكُفَّ شَرَّكَ عن الناس، فإنها صدَقَة مِنك على نفسك».


رواه البخاري برقم: (2518)، ومسلم برقم: (84)، واللفظ له، من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«الرِّقَاب»:
جمع رقبة، ويُعبر بها عن الجسد كله، وعن أصل الشيء كقوله تعالى: {فَكُّ رَقَبَةٍ} البلد: 13، وإنما يَفُكُّ جسدَه كلَّه، وكقوله: {فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ} النساء: 92، ويقال: ذلك في رقبته: أي: لازم واجب عليه. المجموع المغيث، للمديني (1/ 787).
قال نشوان الحميري -رحمه الله-:
قال ابن عباس: هم عبيد يُشْتَرَون من الزكاة ويُعْتَقُون. شمس العلوم (4/ 2594).

«أنْفَسُها»:
نَفُسَ الشيء بالضم نَفَاسَة: كَرُم، فهو نفيس، وأَنْفَسَ إنْفَاسًا مثله. المصباح المنير (2/ 617).
قال الجوهري -رحمه الله-:
شيء نفيس، أي: يُتَنافَسُ فيه ويُرْغَبُ، وهذا أَنْفَسُ مالي، أي: أحبُّهُ وأكرمُهُ عندي. الصحاح (3/ 985).

«لأخْرَق»:
بفتح الهمزة، وسكون الخاء المعجمة، وبالراء والقاف. عمدة القاري، للعيني(13/ 80).
وقال الفراهيدي-رحمه الله-:
خَرِقَ بالشيء: جَهِلَهُ ولم يُحسن عمَله. العين، للفراهيدي (4/ 150).


شرح الحديث


قوله: «يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضل؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: أيُّ أنواعه مِن عمل الباطن والظاهر «أفضل»؟ مرقاة المفاتيح (6/ 2214).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«الأعمال» هو كالعمل في اللَّذَين قبله (أي: في الحديث قبله)؛ لأن (أل) الجنسية تبطل معنى الجمعية (أي: الجمع)، وتصيِّره كالواحد، ويدل عليه قوله: «قال: الإِيمان بالله»...، وقوله: «والجهاد في سبيله»؛ وذلك لأنه ولو كان باقيًا على معنى الجمعية لأجاب بثلاث فما فوقها، ولا يلزم من كون المذكورين فيه أفضل الأعمال تساويهما فيها. دليل الفالحين (7/ 88).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أفضل» أي: أكثر أجرًا، وأحب عند الله تعالى. الكوكب الوهاج(3/ 14).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الصحابة -رضي الله عنهم- يسألون النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أفضل الأعمال مِن أجل أن يقوموا بها، وليسوا كمَن بعْدَهُم، فإنَّ مَن بعدهُم رُبَّما يسألون عن أفضل الأعمال، ولكن لا يعملون، أما الصحابة فإنهم يعملون. شرح رياض الصالحين (2/ 152).

قوله: «قال: الإيمان بالله»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفضلها «الإيمان بالله» تعالى، وإفراده بالعبادة. الكوكب الوهاج(3/ 14).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«الإيمان بالله» إذ جزاؤه الخلود في الجنان، ورِضا الرحمن، ولا شيء فوق ذلك. دليل الفالحين (2/ 348).
وقال ابن علان -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «الإِيمان بالله» أي: ورسوله، فاكتُفي بما ذكر عن قرينه لتلازمهما شرعًا، ولجمع إليه الضمير في قوله: «والجهاد في سبيله». دليل الفالحين (7/ 88).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ابتداؤه (أي: بذكر الإيمان بالله) لِكونه شرط صحة بقية الأعمال، أو تجديده ساعة فساعة، وبقاؤه عليه على المداومة والاستقامة. مرقاة المفاتيح (6/ 2214).
وقال الشيخ خالد المصلح -حفظه الله-:
اعلم أن هناك مسألة طال فيها الخلاف، وهي هل الأعمال داخلة في مُسمى الإيمان أو لا؟
والصحيح الذي لا ريب فيه أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهذا ما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وإجماع السلف بلا ريب، ومن قال: إن الأعمال خارجة عن مسمى الإيمان فإنما توهم ذلك من أن الإيمان ورد مقيدًا في مواضع عديدة من كتاب الله -عزَّ وجلَّ- وذُكر بعده العمل.
والجواب: أن الإيمان إذا ورد مقيدًا وذُكر بعده العمل فإنه يكون... المراد به: عمل القلب، ويكون العمل عمل الجوارح، فمثلًا قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الشعراء:227، الإيمان هنا المراد به: عمل القلب، وقوله: {عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} المراد به: عمل الجوارح، وهذا لا ينفي أن يكون العمل من الإيمان، لكن إذا ورد الإيمان مطلقًا فإنه لا شك في دخول الأعمال في مسماه، ولذلك لما ورد وفد عبد قيس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لهم: «آمركم بالإيمان، ثم قال: أتدرون ما الإيمان؟» ثم بين لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- الإيمان فقال: «أن تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأن تقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتعطوا الخُمُسَ من المغنم»، ففسره بتفسير يتضمن العمل بأنواعه العمل القلبي، وقول اللسان، وعمل اللسان، وعمل الجوارح، ومِن أظهر الأدلة على أن الإيمان يندرج تحته العمل ويدخل في مسماه: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الإيمان بضع وسبعون شُعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبة من الإيمان». شرح العقيدة الواسطية (24/ 2).

قوله: «والجهاد في سبيله»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والجهاد» أي المقاتلة مع الكفار. الكوكب الوهاج(3/ 14).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«في سبيله» أي: في طريق دين الله، وإعلاء كلمته، أو المراد: مطلق الجهاد الشامل له ولغيره المسمى بالجهاد الأكبر. مرقاة المفاتيح (6/ 2214).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«والجهاد في سبيله» لإعلاء كلمته، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} التوبة: 111. دليل الفالحين (2/ 348).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: وإنما قرن الجهاد في سبيل الله بالإيمان به؛ لأنه كان عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا، وحتى يفشو الإسلام وينتشر، فكان الجهاد ذلك الوقت أفضل من كل عمل. شرح صحيح البخاري (7/ 35).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما معاني الأحاديث وفقهها: فقد يستشكل الجمع بينها مع ما جاء في معناها؛ من حيث إنه جعل في حديث أبي هريرة أن الأفضل الإيمان بالله، ثم الجهاد، ثم الحج، وفي حديث أبي ذر الإيمان، والجهاد، وفي حديث ابن مسعود الصلاة، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد، وتقدم في حديث عبد الله بن عمرو: «أي الإسلام خير؟ قال: تُطعم الطعام، وتَقْرأ السلام على من عرفتَ ومن لم تعرف»، وفي حديث أبي موسى وعبد الله بن عمرو: «أيُّ المسلمين خير؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وصح في حديث عثمان: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» وأمثال هذا في الصحيح كثيرة.
واختلف العلماء في الجمع بينها، فذكر الإمام الجليل أبو عبد الله الحليمي الشافعي، عن شيخه الإمام العلامة المتقن أبي بكر القفال الشاشي الكبير، أنه جمع بينها بوجهين:
أحدهما: أن ذلك اختلاف جواب جرى على حسب اختلاف الأحوال والأشخاص، فإنه قد يقال: خير الأشياء كذا، ولا يُراد به خير جميع الأشياء من جميع الوجوه، وفي جميع الأحوال والأشخاص، بل في حال دون حال أو نحو ذلك.
واستشهد في ذلك بأخبار منها عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «حجَّة لمن لم يحج أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة».
الوجه الثاني: أنه يجوز أن يكون المراد: من أفضل الأعمال كذا، أو من خيرها، أو من خيركم من فعل كذا، فحُذفت (مِن) وهي مرادة كما يقال: فلان أعقل الناس وأفضلهم، ويراد: أنه مِن أعقلهم وأفضلهم، ومن ذلك قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «خيركم خيركم لأهله»، ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقًا، ومن ذلك قولهم: أزهدُ الناسِ في العالِمِ جيرانه، وقد يوجد في غيرهم من هو أزهد منهم فيه، هذا كلام القفال -رحمه الله-، وعلى هذا الوجه الثاني يكون الإيمان أفضلها مطلقًا، والباقيات متساوية في كونها من أفضل الأعمال والأحوال، ثم يُعرف فضل بعضها على بعض بدلائل تدل عليها، وتختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.
فإن قيل: فقد جاء في بعض هذه الروايات: أفضلها كذا، ثم كذا بحرف ثم، وهي موضوعة للترتيب.
فالجواب: أن ثم هنا للترتيب في الذِّكْرِ، كما قال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} البلد: 12-17، ومعلوم أنه ليس المراد هنا الترتيب في الفعل، وكما قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا} الأنعام: 151، إلى قوله: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} الأنعام: 154، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} الأعراف: 11، ونظائر ذلك كثيرة. شرح صحيح مسلم (2/ 77-78).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
اختلاف الأفضل في الأخبار إما باعتبار حال السائل، أو باعتبار زمن الجواب، أو نحو ذلك. دليل الفالحين (7/ 88).

قوله: «قال: قلتُ: أيُّ الرِّقَاب أفضل؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» أبو ذر: «قلتُ» له -صلى الله عليه وسلم- ثانيًا: «أيُّ الرقاب» أي: أيُّ الأرقاء «أفضل» أي: أكثر أجرًا في العتق؟ الكوكب الوهاج (3/ 14).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«فأي الرقاب أفضل؟» أي: عتقها. تحفة الأبرار (2/ 427).

قوله: «أنْفَسُها عند أهلها»:
قال النووي -رحمه الله-:
معناه: أرفعها وأجودها. شرح صحيح مسلم (2/ 75).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أنفسها» أي: أرغبها وأحبها «عند أهلها» ومَوَاليها؛ لحُسن خَلْقِها، ولحذاقتها، وجمالها، وجودة رأيها وعملها. الكوكب الوهاج (3/ 14).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«أنفسها» أغبطها وأرفعها، والمال النفيس: هو المرغوب فيه، قاله الأصمعي، وأصله: من التنافس في الشيء الرفيع. المفهم (1/ 277).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وأنفسها عند أهلها» أي: ما اغتباطهم بها أشد، فإن عتق مثل ذلك ما يقع غالبًا إلا خالصًا. فتح الباري (5/ 149).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فيجتمع في هذه الرَّقبة النَّفاسة، وكثرة الثمن، ومثل هذا لا يبذله إلا الإنسان عنده قوة وإيمان. شرح رياض الصالحين(2/١٥٣).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: أيُّ فائدة في هذا القيد بعد أن قال: «أغلاها ثمنًا»؟
قلتُ: فائدته أنه إذا كان مملوكًا بثمن واحد ويكون أحدهما أنفس يكون إعتاقه أفضل، ويؤخذ منه أنه إذا كان أحدهما أغلى والآخر أنفس، يكون الأنفَس أفضل؛ لأن الأنفَس أحب، قاله الجوهري، وكل شيء كان حبه غالبًا على القلب الخروج منه إلى الله أفضل، قال الله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} آل عمران: 92. الكوثر الجاري(5/ 173).

قوله: «وأكثرها ثمنًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأكثرها» عند الناس «ثمنًا» أي: قيمة؛ لقُوَّتها وشدتها ومعرفتها الصناعة. الكوكب الوهاج (3/ 14).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
والمقصود: أن الأجر على قدر المشقة، كما روي: «أفضل الأعمال أحَزُّها»، أي: أشدها وأقواها على النفس. مرقاة المفاتيح (6/ 2214).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: إعتاق رقبة واحدة نفيسة خير أم إعتاق رقبتين غير نفيستين؟
قلتُ: الرقبتان.
فإن قلتَ: ما الفرق بينهما وبين الأضحية، أن التضحية بشاة سمينة خير من التضحية بشاتين دونها؟
قلتُ: المقصود من الأضحية، اللحم، ولحم السمين أطيب، ومن العتق تخليص الشخص من الرق والتخليصان أفضل. الكواكب الدراري (11/ 76).
وقال النووي -رحمه الله-:
المراد به -والله أعلم-: إذا أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما إذا كان معه ألف درهم وأمكن أن يشتري بها رقبتين مفضولتين، أو رقبة نفيسة مثمنة فالرقبتان أفضل، وهذا بخلاف الأضحية؛ فإن التضحية بشاة سمينة أفضل من التضحية بشاتين دونها في السِّمَن. شرح صحيح مسلم (2/ 79).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرب شخص واحد إذا عتق انتفع بالعتق، وانتُفع به أضعاف ما يحصل من النفع بعتقٍ أَكْثَرَ عددًا منه، وربَّ محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم.
فالضابط: أن ما كان أكثر نفعًا كان أفضل، سواء قلَّ أو كثر، واحتج به لمالك في أن عتق الرقبة الكافرة إذا كانت أغلى ثمنًا من المسلمة أفضل، وخالفه أصبغ، وغيره. فتح الباري (5/ 149).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال الأُبِّيُّ: قوله: «وأكثرها ثمنًا» هو مِن عطف التفسير، وكانت أفضل؛ لأنها ترجع لكثرة المتصدَّق به؛ إذ الصدقة بدينار ليست كالصدقة بألف، وأخذ اللخمي بظاهر الحديث، فقال: عتق الكافر الأكثر ثمنًا أفضل من عتق المسلم دونه، ومقتضى الحديث لا فرق بين الذكر والأنثى، ومن شيوخنا من كان يرجح عتق الذكر؛ لما يُخشى من الفساد على الأنثى، ولا يبعد أن يكون فك الأسير أفضل من العتق؛ لأنه واجب، وأيضًا فإن الاستخلاص من ذل الكفر آكد منه من ذل الرق. اهـ الكوكب الوهاج (3/ 14).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
وقيل: إعتاق الأنثى أفضل من الذكر؛ لأن ولدها يتبعها في الحرية، والأصح أن الذكر أفضل في حق الرجل، والأنثى في حق المرأة. الكوثر الجاري (5/ 174).

قوله: «قلتُ: فإن لم أفعل؟»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فإن لم أفعل» أي: ما ذُكر من الجهاد والعتق لا الإيمان؛ لأنه شرط لنيل الثواب في الآخرة على صالح الأعمال: أي: فإن لم أقدر على ذلك؟ فأَطْلَقَ الفعل وأراد القدرة. دليل الفالحين (2/ 348).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فإن لم أفعل؟» أي: لم أقدر عليه، ولا تيسر لي؛ لأن المعلوم من أحوالهم: أنهم لا يمتنعون من فعل مثل هذا إلا إذا تعذر عليهم. المفهم (1/ 277).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وهذا من حُسن أدب أبي ذر، فإنه لما ذُكِرَ حال يقتضي التقصير من المؤمنين لم ير أن ينسبها إلى غيره. فقال: «فإن لم أفعل؟» أي: إن كانت نفسي أنا لا تسمح بأن تعتق أنفَس الرقاب، ولم يقل ذلك عن غيره. الإفصاح (2/ 171).

قوله: «قال: تُعِين صَانِعًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«تُعين» بالرفع، فهو خبر بمعنى الأمر، وفي نسخة بالنصب، فالتقدير: فإن لم أفعل أيَّ شيء يقوم مقامه؟ فقال: أن تعين صانعًا. مرقاة المفاتيح (6/ 2214).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«تُعين» وتساعد «صانعًا». الكوكب الوهاج(3/ 15).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
الصِّنْعَة: وهي ما به معاش الرجل، ويدخل فيه الحرفة والتجارة؛ أي: صانعًا لم يتم كسبه لعياله. شرح المصابيح (4/ 82).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«صانعًا» بالصاد المهملة، والنون، أي: مَن يعرف الصناعة والحرفة في صناعته وحرفته؛ لتنال ثواب التعاون على البر، كأنْ تُعين للخياط في خياطته، وللزراع في زراعته، وللكاتب في كتابته مثلًا. الكوكب الوهاج (3/ 15).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
أي: تعينه على صِنْعَتِه بالنفس أو بالمال. المنهل الحديث(3/ 14).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
قوله: «تعين صانعًا» بصاد مهملة هو صواب الحديث، وجاء في حديث عروة بضاد معجمة، وهمزة بدلًا من النون، وكذا قُيِّد عن عروة في الصحيحين وغيرهما، وعند السمرقندي في حديث عروة: «صانعًا» والصحيح في حديث عروة بضاد معجمة، أعني: من رواية ابنه هشام. مطالع الأنوار (4/ 292).

قوله: «أو تَصْنَع لأخْرَق»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أو» الظاهر -والله أعلم- أنها للتنويع، لا للشك، أي: تعين صانعًا إن شئت، وإن شئت تصنع لأخرق. البحر المحيط الثجاج (2/ 647).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«أو تصنع لأَخْرَق» يعنى: عاملًا لا يستطيع عمل ما يحاوله، والخَرَقُ لا يكون إلا في اليدين، وهو الذي لا يحسن الصناعات. شرح صحيح البخاري (7/ 35).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «أو تصنع لأخرق» وهو الذي قد تحير ودهش، فيما يَرُومُه (أي: يريده). كشف المشكل (1/ 364).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أو تصنع» وتعمل «لأخرق» أي: لمن لا يعرف الصناعة؛ طلبًا لمرضاة الله سبحانه في العمل، لا بالأُجْرَة، كأن تكتب لمن لا يعرف الكتابة، أو تخيط لمن لا يعرف الخياطة مثلًا. الكوكب الوهاج(3/ 15).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
الأخرق: قد يكون في رأيه، ومعنى تصنع له أي: ترقع له ما خرقه بخرقه...، والأخرق هو: ‌المسيء ‌التدبير. الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 172). الإفصاح(2/ 171).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
الأخرق: الذي لا يكون في يديه صَنْعَة، يقال: خرُق وخرِق، بالضم والكسر: إذا لم يُحسن العمل، وفي معناه حديث جابر: «فكرهت أن أجيئهن بخَرْقَاء مثلهن» الخرقاء: هي التي تجهل ما يجب أن تعلمه. الميسر(3/ 795).
وقال النووي -رحمه الله-:
الأخرق: هو الذي ليس بصانع. شرح صحيح مسلم (2/ 75).

قوله: «أرأيتَ إن ضعفتُ عن بعض العمل؟»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«أرأيتَ إن ضعفتُ عن بعض العمل؟» المذكور من الإعانة، والصنع، أو مطلق العمل المأمور بالتعبد به، أي: أخبر إن عجزت عن فعل ذلك، فما الطريق الموصل إلى تزايد الثواب على شيء مما أقدر عليه؟ دليل الفالحين (2/ 348).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إن ضعفت» وعجزت «عن بعض العمل» الذي يحتاج فيه الصانع إلى المساعدة له، أو الأخرق إلى العمل له. الكوكب الوهاج (3/ 15).

قوله: «قال: تَكُفَّ شَرَّكَ عن الناس»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«تكفَّ شرَّك» وضررك وإذايتك «عن» إيصاله إلى «الناس». الكوكب الوهاج (3/ 15).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«تكفَّ شرَّك عن الناس» قاصدًا سلامة الناس من ذلك؛ لامتثال أمر الله تعالى بذلك، وهذا شرط في حصول الأجر هنا. دليل الفالحين (2/ 348).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
وإنما جعل -عليه الصلاة والسلام- عدم إيصال الشر إلى الناس صدقة على نفسه؛ لأن فيه حفظها عما يؤذيها ويعود وباله عليها. شرح المصابيح (4/ 83).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «تكفَّ شرَّك عن الناس» دليل على أن الكفَّ فعل للإنسان، داخل تحت كسبه، ويُؤجَر عليه، ويعاقب على تركه؛ خلافًا لبعض الأصوليين القائلين: إن الترك نفي محضٌ لا يدخل تحت التكليف ولا الكسب، وهو قولٌ باطل بما ذكرناه هنا، وبما بسطناه في الأصول، غير أن الثواب لا يحصل على الكفِّ إلا مع النيات والمقصود، وأما مع الغفلة والذهول فلا، والله تعالى أعلم. المفهم (1/ 278).

قوله: «فإنها صدقة منك على نفسك»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فإنها» أي: الخصلة أو الكفّ، وأنَّثَ الضمير نظرًا لتأنيث الخبر «صدقة منك على نفسك». دليل الفالحين (2/ 348).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
أي: فإن هذه الخصلة أو الفعلة صدقة، والصدقة في الأصل ما يخرجه المرء من ماله في ذات الله، والمراد منها هنا: الثواب، وإذا كفَّ شره عن غيره فكأنه قد تصدق عليه لأَمْنِهِ منه، فإن كان شرًا لا يعدو نفسه فقد تصدق على نفسه بأن منعها من الإثم. فتح المنعم(1/ 269).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وذاك أنه إذا كف عن الشر نجَّى النفس من الإثم فتصدق عليها بالسلامة. كشف المشكل (1/ 364).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«صدقة منك على نفسك» أي: يُكتب لك به ثواب التصدق بالمال إن فعلته امتثالًا لنهي الشارع. الكوكب الوهاج(3/ 15).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
والحاصل: أن ترك الشر خيرُ موجِبٍ للثواب، والانكفاف عن الشر هو أقل مراتب المؤمن. الكواكب الدراري(11/ 76).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: تصريح بأن العمل يطلق على الإيمان، والمراد به -والله أعلم-: الإيمان الذي يدخل به في ملة الإسلام، وهو: التصديق بقلبه والنطق بالشهادتين، فالتصديق عمل القلب، والنطق عمل اللسان، ولا يدخل في الإيمان ها هنا الأعمال بسائر الجوارح، كالصوم والصلاة والحج والجهاد وغيرها؛ لكونه جعل قسمًا للجهاد والحج. شرح صحيح مسلم (2/ 78).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحسن جواب المسألة فبدأ بالأُسِّ، وقدم الأصل، فقال حين سأله: «أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله»، وهذا إن كان قد جاء جوابًا عن أقوال السائل أفضل؟ مع أن العرف ينصرف فيه إلى مفاضلة بين فاضلين، فإن معناها ها هنا ألزم وأوجب؛ لأنه إنما يبتني باقي المسائل عليه. الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 171).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيه: حسن المراجعة في السؤال.
وفيه: صبر المفتي والمعلم على من يفتيه أو يعلمه واحتمال كثرة مسائله وتقريراته. شرح صحيح مسلم (2/ 79).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي الحديث: أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان، قال ابن حبان: الواو في حديث أبي ذر هذا بمعنى: ثم. فتح الباري (5/ 149).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
قال ابن المنير: وفي الحديث: إشارة إلى أن إعانة الصانع أفضل من إعانة غير الصانع؛ لأن غير الصانع مظنة الإعانة فكل أحد يعينه غالبًا، بخلاف الصانع فإنه لشهرته بصنعته يُغفل عن إعانته، فهي من جنس الصدقة على المستور. فتح الباري (5/ 150).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: بيان كثرة طرق الخير، وأن الإنسان إذا عجز عن خصلة من خصال الخير قَدَرَ على الأخرى، فإذا عجز عن ذلك كفَّ شره عن الناس، وما لا يُدْرَك كلُه لا يُترك جُلُّه. تطريز رياض الصالحين (ص: 103).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ويؤخذ من الحديث:
ــ حرص الصحابة على تتبع أفضل الأعمال والسؤال عنه لالتزامه.
وفيه: إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر في الأمر المحسوس. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (1/ 271-272).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان كون الإيمان أفضل الأعمال على الإطلاق.
ومنها: بيان كون الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان.
ومنها: بيان تفاضل الأعمال الصالحات فيما بينها، فبعضها لا يوازيه شيء، كالإيمان. البحر المحيط الثجاج، باختصار (2/ 649).

 ولمزيد من الفائدة يُنظر ما الواجب على من عجز عن الصدقة ؟


إبلاغ عن خطأ